تجاوز إلى المحتوى

من «الأمالي» لأبي علي القالي (ت ٣٥٦هـ)

خروج خمسة نفر من طيء إِلَى سواد بن قارب ليمتحنوا علمه

قَالَ: وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بن دريد، ﵀، قَالَ: حَدَّثَنِي عمي الحسين، عَنْ أبيه، عَنِ ابن الكلبى، عَنْ أبيه، عَنِ الذّيّال بن نفر، عَنِ الطّرمّاح بن حكيم، قَالَ: خرج خمسة نفرٍ من طيّء من ذوي الحجا والرأي منهم: برج بن مسهر وهو أحد المعمّرين، وأنيف بن حارثة بن لأم، وعبد الله بن سعد بن الحشرج أَبُو حاتم طيء، وعارفٌ الشاعر، ومرّة بن عبد رضىً، يريدون سواد بن قارب الدّوسي ليمتحنوا علمه، فلما قربوا من السّراة قالوا: ليخبأ كلّ رجل منا خبيئاً ولا يخبر به صاحبه ليسأله عنه، فإن أصاب عرفنا علمه، وإن أخطأ ارتحلنا عنه، فخبأ كل رجل منهم خبيئاً ثم صاروا إليه فأهدوا له إبلاً وطرفاً من طرف الحيرة، فضرب عليهم قبّة ونحر لهم، فلما مضت ثلاثٌ دعا بهم فدخلوا عليه، فتكلم برجٌ وكان أسنّهم، فقَالَ: جادك السّحاب، وأمرع لك الجناب، وضفت عليك النعم الرغاب، نحن أولو الآكال، والحدائق والأغيال، والنّعم الجفال، ونحن أصهار الأملاك، وفرسان العراك، يورّى عنهم أنهم من بكر بن وائل، فقَالَ سوادٌ: والسماء والأرض، والغمر والبرض، والقرض والفرض، إنكم لأهل الهضاب الشمّ، والنّخيل العمّ، والّصخور الصّمّ، من أجأ العيطاء، وسلمى ذات الرّقبة السّطعاء، قالوا: أنا كذلك وقد خبأ لك كل رجل منّا خبيئاً لتخبرنا باسمه وخبيئه، فقَالَ لبرج: أقسم بالضّياء والحلك، والنّجوم والفلك، والشّروق والدّلك، لقد خبأت برثن فرخ، فِي إعليط مرخ، تحت آسرة الشّرخ، قَالَ: ما أخطأت شيئاً، فمن أنا؟ قَالَ: أنت برد بن مسهر عصرة الممعر، وثمال المحجّر، ثم قام أنيف بن حارثة فقَالَ: ما خبيئي وما اسمي؟ فقَالَ: والسّحاب والتراب، والأصباب والأحداب، والنّعم الكثاب، لقد خبأت قطامة فسيط، وقدّة مريط، فِي مدرةٍ من مدىّ مطيط، قَالَ: ما أخطأت شيئاً، فمن أنا؟ قَالَ: أنت أنيف، قاري الضّيف، ومعمل السّيف، وخالط الشتاء بالصّيف.

ثم قام عبد الله بن سعد، فقَالَ: ما خبيئي وما أسمي؟ فقَالَ سوادٌ: أقسم بالسّوام العازب، والوقير الكارب، والمجّد الراكب، والمشيح الحارب، لقد خبأت نفاثة فنن، فِي قطيعٍ قد مرن، أو أديم قد جرن، قَالَ: ما أخطأت حرفاً، فمن أنا؟ قَالَ: أنت ابن سعد النّوال، عطاؤك سجال، وشرّك عضال، وعمدك طوال، وبيتك لا ينال، ثم قام عارف، فقَالَ: ما خبيئي وما أسمي؟ فقَالَ سوادٌ: أقسم بنفنف اللّوح، والماء المسفوح، والفضاء المندوح، لقد خبأت رقعة طلاً أعفر، فِي زعنفة أديمٍ أحمر، تحت حلس

نضو أدبر، قَالَ: ما أخطأت شيئاً، فمن أنا؟ قَالَ: أنت عارفٌ ذو الّلسان العضب، والقلب النّدب، والمضّاء الغرب، منّاع السّرب، ومبيح النّهب، ثم قام مرةّ بن عبد رضى، فقَالَ: ما خبيئي وما اسمي؟ فقَالَ سواد: أقسم بالأرض والسماء، والبروج والأنواء، والظّلمة والضياء، لقد خبأت دمّةً فِي رمّة، تحت مشيط لمّة، قَالَ: ما أخطأت شيئاً، فمن أنا؟ قَالَ: أنت مرّة، السّريع الكرّة، البطيء الفرّة، الشديد المرّة، قالوا: فأَخْبَرَنَا بما رأينا فِي طريقنا إليك، فقَالَ: والناظر من حيث لا يرى، والسامع قبل أن يناجي، والعالم بما لا يدري، لقد عنّت لكم عقابٌ عجزاء، فِي شغانيب دوحة جرداء، تحمل جدلاً، فتماريتم إما يداً وإما رجلاً، فقالوا: كذلك، ثمّ مه؟ قَالَ: سنح لكم قبل طلوع الشّرق، سيدٌ أمق، عَلَى ماء طرق، قالوا: ثم ماذا؟ قَالَ: ثم تيسٌ أفرق، سند فِي أبرق، فرماه الغلام الأزرق، فأصاب بين الوابلة والمرفق، قالوا: صدقت، وأنت أعلم من تحمل الأرض، ثم ارتحلوا عنه، فقَالَ عارف:

ألا لله علمٌ لا يجاريإِلَى الغايات فِي جنبي سواد
أتيناه نسائله امتحاناًونحسب أن سيعمد بالعناد
فأبدى عَنْ خفى مخبّآتٍفأضحى سّرها للناس بادي
حسام لا يليق ولا يثاثاعَنِ القصد الميممّ والسّداد
كانّ خبيئنا لما انتجينابعينيه يصّرح أو ينادي
فأقسم بالعتائر حيث فلسومن نسك الأقيصر م العباد
لقد حزت الكهانة عَنْ سطيحوشقٍّ والمرفّل من إياد

أمرع: أخصب.

والجناب: ما حول الدار، والضّافي: السابغ الكثير، يُقَال: خير فلان ضافٍ عَلَى قومه أي سابغٌ عليهم، والرّغاب: الواسعة الكثيرة، ويقَالَ: فلان ذو أكلٍ أي: ذو حظٍّ ورزق فِي الدنيا، والجمع آكال، والأغيال: جمع غيلٍ، والغيل: الماء الجاري عَلَى وجه الأرض، وفي الحديث ما سقي بالغيل ففيه العشر وما سقي بالدلو فنصف العشر والغلل: الماء الذي يجري بين الشجر، والجفال: الكثيرة، وهذا الجمع قليل جدّاً لم يأت منه إلا أحرف مثل ربابٍ وهو جمع ربّي، والرّبّي: الحديثة النّتاج، وفرير لولد البقرة وجمعه فرار، ونعم كثاب وهي

الكثيرة، وقد جمع بريءٌ براءٌ عَلَى فعال، والغمر: الماء الكثير، ويقَالَ: رجل غمر الخلق إذا كان واسع الخلق سخيّاً، قَالَ كثير:

غمر الرّداء إذا تبسّم ضاحكاًغلقت لضحكته رقاب المال
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «إربع فحي معارف الأطلال»

يريد بالرداء هاهنا البدن، والعرب تقول: فدىً لك ردائي، وفدىً لك ثوبي، يريدون البدن، والبرض: الماء القليل، وجمعه براض، ويقَالَ: فلان يتبرّض حقّه أي يأخذه قليلاً قليلاً، وتبرّضت الماء، ومنه سّمي الرجل براّضاً.

والشّمّ: الطّوال.

والعمّ: الطوال أيضاً، وأجأ وسلمى: جبلا طيء.

والعيطاء: الطويلة، ويقَالَ: ظبية عيطاء إذا كانت طويلة العنق، والسّطعاء أيضاً: الطويلة، والدّلك: اصفرار الشمس عند المغيب، يُقَال: دلكت الشمس تدلك دلوكاً، والبرثن: ظفر كل ما لا يصيد من السباع والطير مثل الحمام والضّبّ والفأرة، قَالَ امرؤ قيس:

وترى الضّبّ خفيفاً ماهراًثانياً برثنه ما ينعفر
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ديمة هطلاء فيها وطف»

أي ما يصيبه العفر وهو التراب، وجمع البرثن براثن، فإذا كان مما يصيد قيل لظفره مخلب والإعليط: وعاء ثمر المرخ، والعرب تشبّه به آذان الخيل، والمرخ: شجر تقدح منه النار، والآسرة والإسار: القدّ الذي يشدّ به خشب الرّحل، وشرخاً الرّحل: جانباه، والممعر: الذي ذهب ماله، ويقَالَ: ما أمعر من أدمن الحجّ.

والمحجّر: الملجأ المضيّق عليه، والصّبب: ما أنخفض من الأرض.

والحدب: ماعلا، والقطامة: ما قطمته بفيك، والقطم بأطراف الأسنان، والفسيط: قلامة الظّفر، والقذّة: الريش، وجمعها قذذٌ، والمريط من السهام: الذي قد تمرّط ريشه أي نتف، والمدىّ: جديول يجرى منه ماسال مما هرق من الحوض، كذا قَالَ الأصمعي وأنشد:

وعن مطيطات المدّى المدعوق

والمدعوق: الذي قد أكثر فيه الوطء، يُقَال دعقته، الإبل إذا أكثرت فيه الوطء تدعقه دعقاً، ودعق عليهم الغارة أي دفعها، والسّوام: المال الراعي من الإبل، والعازب: البعيد، والوفير والقرة: الغنم، كذا قَالَ أَبُو عبيدة وأنشد:

ما إن رأينا ملكاً أغاراأكثر منه قرةً وقارا
للشاعر الأغلب العجلي، اقرأ القصيدة

والقار: الإبل، وقَالَ الفراء: الوقير: الغنم التي بالسّواد، والكارب: القريب، وأنشد أَبُو بَكْرٍِ:

أجبيل إنّ أباك كارب يومهفإن دعيت إِلَى المكارم فأعجل

والمشيح: الجادّ فِي لغة هذيل، وفي غيرها: الحاذر، والنّفاثة: ما تنفثه من فيك، والفنن: واحد أفنان الأشجار وهي أغصانها، وجرن: لان، والنقف واللّوح واحدٌ وهما الهواء، وإنما أضاف لمّا اختلف اللفظان فكأنه أضاف الشيء إِلَى غيره والمسفوح المصبوب، يُقَال: سفحت الشيء صببته.

والمندوح: الواسع.

والزّمعة: الشّعرات المتدلّيات فِي رجل الأرنب، يُقَال: أرنب زموع إذا كانت تقارب الخطو كأنها تمشي عَلَى زمعتها.

وزعانف الأديم: أطرافه مثل اليدين والرجلين وما لا خير فيه، واحدتها زعنفة، ومنه قيل لرذال الناس: الزّعانف.

والحلس للبعير بمنزلة القرطاط للحافر، قَالَ أَبُو علي يُقَال: قرطان والقرطاط: البرذعة، وإنما قيل له: حِلس للزومة الظهر والعرب، تقول: فلان حِلس بيته إذا كان يلزم بيته، وأحلسته أنا بيته إحلاساً إذا ألزمته إياه، والنّدب: الذّكيّ، والغرب: الحدّ، والسّرب: جماعة الإبل، يُقَال: جاء سرب بني فلان بفتح السين، والعرب كانت تطلّق فِي الجاهلية بقولهم: اذهبي فلا أنده سربك، أي لا أردّ إبلك لتذهب حيث شاءت، والسرب بكسر السين، والقطيع من الظباء والبقر والنّساء والقطا.

ويقَالَ: فلان آمنٌ فِي سربه بكسر السين: فِي نفسه.

والدّمّة: القملة.

والرّمّة: العظام البالية، والمرّة: القوة، والعجزاء: التي ابيض ذبها وفي غير هذا الموضع: التي كبرت عجيزتها، والشّغانيب: ما تداخل من الأغصان.

والدّوحة: الشجرة العظيمة، والجدل: العضو، وجمعه جدول، والشّرق: الشمس والعرب تقول: لا أفعل ذلك ما طلع شرقٌ، وشرقت الشمس: طلعت، وأشرقت: أضاءت، والسيد: الذّئب، والأمقّ: الطويل، والطّرق: الماء الذي بوّلت فيه الإبل، يُقَال: ماء طرقٌ ومطروق، والأبرق والبرقاء والبرقة: غلظٌ من الأرض فيه حجارة ورمل، وجبل أبرق إذا كان فيه لونان، والوابلة: رأس العضد الذي يلي المنكب، وقَالَ الأصمعي للرشيد: ما ألاقتني أرضٌ حتى خرجت إليك يا أمير المؤمنين أي ما أمسكتني.

ويتأثئ يحبس، يُقَال: ثأثأت عنه غضبه أي أطفأته، والعتائر: جمع عتيرة وهو ذبح كان يذبح للأصنام فِي الجاهلية.

وفلسٌ: صنم، والأقيصر: صنم.

قَالَ: وأنشدنا أَبُو بَكْرٍ، ﵀، تعالى، قَالَ: أنشدنا أَبُو حاتم، عَنِ الأصمعي، لأعرابية ترقص ابنها وهي تقول:

أحبه حبّ شحيحٍ مالهقد ذاق طعم الفقر ثم ناله

إذا أراد بذله بداله

قَالَ: وأنشدنا ابراهيم بن محمد بن عرفة، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس أحمد بن يحيى:

أرى كل امرئ إِلَى عاصمفما أنا لو كان لم يولد
فنفسي فداؤك مستيقظاًونفسي فداؤك فِي المرقد
ونفسي فداؤك رحب اليمينبالخير مجتنب الأفند
فلو كنت شيئاً من الأشرباتلكنت من الأسوغ البرد

قَالَ: وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍِ، ﵀، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبد الرحمن، عَنْ عمه، قَالَ: كانت امرأة بحمى ضريّة أحسبها من غنّى، ذات يسار فكثر خطّابها، ثم إنها علقت غلاماً من بني هلال، فضفتها ليلةً وقد شاع فِي الحاضر شأنها فأحسنت ضيافتي، فلما تعشّيت جلست إِلَى تحَدَّثَنِي فقلت لها: يا أمّ العلاء إني أريد أن أسائلك عَنْ أمر وأنا أهابك لما أعلم من عفّتك وفضل دينك وشرفك، فتبسمت ثم قَالَت: أنا أحدثك قبل أن تسألني، ثم قَالَت:

ألهف أبي لمّا أدمت لك الهوىوأصفيت حتى الوجد بي لك ظاهر
وجاهرت فيك الناس حتى أضرّ بيمجاهرتي يا ويح فيمن أجاهر
فكنت كفئ الغصن بينا يظلنيويعجبني إذ زعزعته الأعاصر
فصار لغيري واستدارت ظلالهسواي وخلاّني ولفح الهواجر

ثم غلب عليها البكاء فقامت عنّي، فلما أصبحت وأردت الرحيل، قَالَت: يا ابن عمي، أنت والأرض فيما كان بيني وبينك فقلت: إنه، وأنصرفت عنها

قَالَ: وأنشدني أَبِي بَكْرٍ:

وضمّها والبدن الحقابجدّي لكلّ عامل ثواب

الرأس والأكرع والإهاب

قَالَ أَبُو بَكْرٍِ: هذا صائد يخاطب كلبته، والبدن: الوعل المسنّ، والحقاب: جبل

قَالَ: وقرأت عَلَى أَبِي بَكْرٍ:

وبيضٍ رفعنا بالضّحى عَنْ متونهاسماوة جونٍ كالخباء المقوّض
هجوم عليها نفسه غير أنهمتى يرم فِي عينيه بالشبح ينهض
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وبيض رفعنا عن متونها»

البيض أراد بها البيض، وسماوة كلّ شيء: شخصه، يعني الظّليم.

والجون: الأسود، هجوم عليها يعني عَلَى البيض، فإذا أبصر شخصاً نهض عَنِ البيض، والشّبح والشّبح لغتان: الشخص.

قَالَ: وأنشدنا أَبُو بَكْرٍِ، قَالَ: أنشدنا الرياشى لأعرابي:

لقد زاد الهلال إِلَى حبّاعيونٌ تلتقي عند الهلال
إذا ما لاح وهو شفىً صغيرٌنظرن اليه من خلل الحجال

قَالَ: وأنشدنا ابراهيم بن محمد، قَالَ: أنشدنا أَبُو العباس لأحمد بن ابراهيم بن اسماعيل يخاطب بعض أهله:

أظنّك أطغاك الغنى فنسيتنيونفسك والدّنيا الدّنية قد تنسى
للشاعر أبو سعد المخزومي، اقرأ القصيدة
فإن كنت تعلو عند نفسك بالغنىفإنّي سيعليني عليك غنى نفسي

النص من طبعة دار الكتب المصرية (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الأمالي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.