تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

من رسائل البديع

وكتب البديع إلى بعض إخوانه: غضب العاشق أقصر عمرا من أن ينتظر عذرا، وإن كان فى الظاهر مهابة سيف، إنه فى الباطن سحابة صيف، وقد رابنى إعراضه صفحا، أفجدّا قصد أم مزحا، ولو التبس القلبان حقّ التباسهما ما وجد الشيطان بينهما مساغا، ولا والله لا أريك ردّا، أجد منه بدّا، وإن محبة تحتمل شكّا لأجدر محبة، ألّا تشترى بحبّة، وإن كان

قصد مزحا فما أغنانا عن مزح يحلّ عقد الفؤاد [حتى نقف على المراد، ولا تسعنا إلا العافية] والسلام.

وله إليه: المودّة- أعزّك الله- غيب، وهو فى مكان من الصّدر، لا ينفذه بصر، ولا يدركه نظر، ولكنها تعرف ضرورة، وإن لم تظهر صورة، ويدركها الناس، وإن لم تدركها الحواسّ، ويستملى المرء صحيفتها من صدره، ويعلم حال غيره من نفسه، ويعلم أنها حبّ وراء القلب، وقلب وراء الخلب، وخلب وراء العظم، وعظم وراء اللحم، ولحم وراء الجلد، وجلد وراء البرد، وبرد [وراء البعد]. ولو كانت هذه الحجب قوارير لم ينفذها نظر، فيستدلّ عليها بغير هذه الحاسّة بدليل إلّا أن أزوره، والله لو التبست به التباسا، يجعل رأسينا رأسا، مازدته ودّا، ولو حال بينى وبينه سور الأعراف، ورمل الأحقاف، ما نقصته حقا.

وقال الأمير أبو الفضل الميكالى:

وغزال منخته ظاهر الودّفجازى بالصدّ والإنتحاب
لم ألمه إن ردّنى لحجابردّنى واله الفؤاد لما بى
هو روح وليس ينكر للرّوح توار عن الورى بحجاب

وللبديع إلى أخيه:

كتابى أطال الله بقاءك، ونحن وإن بعدت الدار فرعا نبعة، فلا يجنينّ بعدى على قربك، ولا تمحونّ ذكرى من قلبك، فالأخوان، وإن كان أحدهما بخراسان والآخر بالحجاز، مجتمعان على الحقيقة مفترقان على المجاز، والاثنان، فى

المعنى واحد وفى اللفظ اثنان، وما بينى وبينك إلا ستر، طوله فتر، وإن صاحبنى رفيق، اسمه توفيق، لنلتقينّ سريعا ولنسعدنّ جميعا، والله ولىّ المأمول.

وكتب أبو الفضل بن العميد إلى بعض إخوانه:

قد قرب- أيدك الله- محلّك على تراخيه، وتصاقب مستقرّك على تنائيه؛ لأنّ الشوق يمثّلك، والذكر يخيّلك؛ فنحن فى الظاهر على افتراق، وفى الباطن على تلاق، وفى التسمية متباينون، وفى المعنى متواصلون، وإن تفارقت الأشباح، لقد تعانقت الأرواح.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.