من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
أجمل ما قال العرب
وقال عبد الملك بن مروان لبعض جلسائه يوما: ما أحكم أربعة أبيات قالتها العرب فى الجاهلية؟ فأنشده:
منع البقاء تقلّب الشمسوطلوعها من حيث لا تمسى
وطلوعها بيضاء صافيةوغيوبها صفراء كالورس
تجرى على كبد السماء كمايجرى حمام الموت فى النّفس
اليوم تعلم ما يجىء بهومضى بفصل قضائه أمس
قال: أحسنت، فأخبرنى بأمدح بيت قالته العرب فى الشجاعة، قال: قول كعب بن مالك الأنصارى:
نصل السيوف إذا قصرن بخطوناقدما، ونلحقها إذا لم تلحق
قال: فأخبرنى بأفضل بيت قيل فى الجود، فأنشده لحاتم طيىء:
أماوىّ ما يغنى الثراء عن الفتىإذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
ترى أن ما أبقيت لم أك ربّهوأن يدى مما بخلت به صفر
ألم تر أنّ المال غاد ورائحويبقى من المال الأحاديث والذكر
غنينا زمانا بالتّصعلك والغنىفكلّا سقاناه بكأ سيهما الدّهر
فما زادنا بغيا على ذى قرابةغنانا، ولا أزرى بأحسابنا الفقر
قال: فأخبرنى عن أحسن الناس وصفا، قال: الذى يقول:
كأنّ قلوب الطير رطبا ويابسالدى وكرها العنّاب والحشف البالى
والذى يقول:
كأنّ عيون الوحش حول خبائناوأرحلنا الجزع الذى لم يثقّب
والذى يقول:
وتعرف فيه من أبيه شمائلاومن خاله ومن يزيد ومن حجر
سماحة ذا، مع برّذا، ووفاء ذاونائل ذا إذا صحا وإذا سكر
يريد امرأ القيس.
ومن ألفاظ أهل العصر فى طلوع الشمس وغروبها ومتوع النهار وانتصافه، وابتدائه، وانتهائه
بدا حاجب الشمس، ولمعت فى أجنحة الطير، وكشفت قناعها، ونثرت شعاعها، وارتفع سرادقها، وأضاءت مشارقها، وانتشر جناح الضوء فى أفق الجو. طنّب شعاع الشمس فى الآفاق، وذهّبت أطراف الجدران. أينع النهار وارتفع. استوى شباب النهار، وعلا رونق الضحى، وبلغت الشمس كبد السماء
انتعل كل شىء ظلّه، وقام قائم الهاجرة، ورمت الشمس بجمرات الظهر. اصفرّت غلالة الشمس، وصارت كأنها الدينار يلمع فى قرار الماء، ونفضت تبرا على الأصيل، وشدّت رحلها للرحيل، وتصوّبت الشمس للمغيب، وتضيّفت للغروب فأذن جنبها للوجوب. شاب النهار، وأقبل شباب الليل، ووقفت الشمس للعيان، وشافه الليل لسان النهار. الشمس قد أشرقت بروجها، وجنحت للغروب، وشافهت درج الوجوب. الجوّ فى أطمار منهجة من أصائله، وشفوف مورّسة من غلائله. استتر وجه الشمس بالنّقاب، وتوارت بالحجاب. كان هذا الأمر من مطلع الفلق، إلى مجتمع الغسق. فلان يركب فى مقدمة الصّبح، ويرجع فى ساقة الشفق، ومن حين تفتح الشمس جفنها، إلى أن تغمض طرفها، ومن حين تسكن الطير أوكارها، إلى حين ينزل السّراة من أكوارها مقامة لأبى الفتح الإسكندرى من إنشاء البديع، اتصلت بذكر الليل والنهار قال عيسى بن هشام: كنت وأنا فتىّ السنّ أشدّ رحلى لكلّ عماية، وأركض طرفى لكل غواية، حتى شربت من العمر سائغه، ولبست من الدهر سابغه، فلمّا صاح النهار بجانب ليلى، وجمعت للمعاد ذيلى، وطئت ظهر المروضة، لأداء المفروضة، وصحبنى فى الطريق رجل لم أنكره من سوء، فلما تخالينا، وحين تجالينا، سفرت القصّة عن أصل كوفىّ، ومذهب صوفىّ، وسرنا فلما حللنا الكوفة ملنا إلى داره [ودخلناها] وقد بقل وجه النهار، واخضرّ جانبه، ولما اغتمض جفن الليل وطرّشار به قرع علينا الباب، فقلنا: من القارع المنتاب؟ فقال: وفد الليل وبريده، وفلّ الجوع وطريده، وأسير
الضّر، والزمن المرّ، وضيف وطؤه خفيف، وضالّته رغيف، وجار يستعدى على الجوع، والجيب المرقوع، وغريب أوقدت النار على سفره، ونبح العوّاء فى أثره، ونبذت خلفه الحصيّات، وكنست بعده العرصات، فنضوه طليح، وعيشه تبريح، ومن دون أفراخه مهامه فيح.
قال عيسى بن هشام: فقبضت من كيسى قبضة الليث وبعثتها إليه، وقلت زدنا سؤالا نزدك نوالا، فقال: ما عرض عرف العود، على أحرّ من نار الجود، ولا لقى وفد البرّ، بأحسن من بريد الشكر، ومن ملك الفضل فليواس، فلا يذهب العرف بين الله والناس، وأما أنت فحقّق الله أملك، وجعل اليد العليا لك.
قال عيسى بن هشام: ففتحنا الباب، فإذا شيخنا أبو الفتح الإسكندرى، فقلنا: يا أبا الفتح، شدّ ما بلغت بك الخصاصة، وهذا الزىّ خاصة! فتبسم وأنشأ يقولى:
لا يغرنّك الذىأنا فيه من الطلب
أنا فى بردة تشقّلها بردة الطّرب
أنا لو شئت لاتّخذت شقاقا من الذهب
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع