من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
من وصف الشراب والكؤس والسّقاة فى الليل
وقال:
وزنجيّة الآباء كرخيّة الجلبعببريّة الأنفاس كرميّة النّسب
كميت بزلنا دنّها فتفجّرتبأحمر قان مثل ما قطر الذّهب
فلما شربناها صبونا كأنّناشربنا السرور المحض واللهو والطّرب
ولم نأت شيئا يسخط المجد فعلهسوى أننا بعنا الوقار من اللّعب
كأن كؤوس الشّرب وهى دوائرقطائع ماء جامد تحمل اللهب
يمدّ بها كفا خضيبا مديرهاوليس بشىء غيرها هو مختضب
فبتنا نسقّى الشمس والليل راكدونقرب من بدر السماء وما قرب
وقد حجب الغيم الهلال كأنهستارة شرب خلفها وجه من أحبّ
[كأنّ الثريّا تحت حلكة لونهامداهن بلّور على الأرض تضطرب]
وقال:
كأنّ السحاب الغرّ أصبحن أكؤسالنا، وكأنّ الراح فيها سنا البرق
إلى أن رأيت النجم وهو مغرّبوأقبل رايات الصباح من الشرق
كأن سواد الليل والصبح طالعبقايا مجال الكحل فى الاعين الزّرق
وقال:
وكأس يعيد العسر يسرا، ويجتنىثمار الغنى للشّرب من شجر الفقر
يولّد فيها المزج درّا منضّداكما فتّتت فوق الثرى نقط القطر
صغار وكبرى فى الكؤوس كأنهاعلى الرّاح واوات تجمّعن فى سطر
إذا حثّها الساقى الأغرّ حسبتهانجوم الثريا لحن فى راحة البدر
صبحت بها صحبى وقدر ندج الدّجىبفضّة لألاء الصباح سنا الفجر
وقد أزهرت بيض النجوم كأنّهاعلى الأفق الأعلى قلائد من درّ
وقال:
ألا فاسقيانى قهوة ذهبيةفقد ألبس الآفاق جنح الدجى دعج
كأنّ الثريا والظلام يحفّهافصوص لجئين قد أحاط بها سبج
كأنّ نجوم الليل تحت سوادهإذا جنّ زنجىّ تبسّم عن فلج
وقال:
أيا دير مرحنا سقتك رعودمن الغيم يهمى مزنها ويجود
فكم واصلتنا فى رباك أوانسيطفن علينا بالمدامة غيد
[وكم ناب عن نور الضحى فيك مبسمونابت عن الورد الجنىّ خدود]
وماست على الكثبان قضبان فضّةفأثقلها من حملهنّ نهود
وإذ لمّتى لم يوقظ الشيب ليلهاوإذ أثرى فى الغانيات حميد
ليالى أغدو بين ثوبى صبابةولهو، وأيام الزمان هجود
وقال:
سألته قبلة منه على عجلفاحمرّ من خجل واصفرّ من وجل
واعتلّ ما بين إسعاف يرقّقهوبين منع تمادى فيه بالعلل
وقال: وجهى بدر لا خفاء بهومبصر البدر لا يدعوه للقبل
وهذا ينظر إلى قوله:
أباح لمقلتى السهراوجار علىّ واقتدرا
غزال لو جرى نفسىعليه لذاب وانفطرا
ولكن عينه حشدتعلىّ الغنج والحورا
ومن أودى به قمرفكيف يعاتب القمرا
كأنه ذهب إلى قول أبى نواس:
كأنّ ثيابه أطلعنمن أزراره قمرا
يزيدك وجهه حسناإذا ما زدته نظرا
بعين خالط التفتيرمن أجفانها الحورا
ووجه سابرى لوتصوّب ماؤه قطرا
قيل للجاحظ: من أنشد الناس وأشعرهم؟ قال: الذى يقول: وأنشد هذه الأبيات.
ونظير قوله:
كأنّ ثيابه أطلعنمن أزراره قمرا
قول الحكم بن قنبر المازنى:
ويلى على من أطار النوم فامتنعاوزاد قلبى إلى أوجاعه وجعا
وقال تميم:
نقّبت وجهها بخر وجاءتبمدام منقّب بزجاج
فتأمّلت فى النقابين منهاقمرا طالعا وضوء سراج
فاسقيانى بلا مزاج فإنىفى المعالى صرف بغير مزاج
وانظر الأفق كيف بدّله الإصباح من بعد آبنوس بعاج
وقال:
إذا حذرت زمانا لا تسرّ بهكم قد أتى سهل دهر بعد أصعبه
فاقبل من الدهر ما أعطاك مختلطالعل مرّك يحلو فى تقلّبه
خذها إليك، ودع لومى، مشعشعةمن كفّ أقنى أسيل الخدّ مذهبه
فى كل معقد حسن فيه معترضعليه يحميه من أن تستبدّ به
فكحل عينيه ممنوع بخنجرهوورد خدّيه محمىّ بعقربه
لا تترك القدح الملآن فى يدهإنى أخاف عليه من تلهّبه
فصنه عن سقينا؛ إنى أغار بهوسقّه واسقنى من فضل مشربه
وانظر إلى الليل كالزّنجىّ منهزماوالصبح فى إثره يعدو بأشهبه
والبدر منتصب ما بين أنجمهكأنه ملك ما بين موكبه
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع