من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
تميم بن جميل والمعتصم
وكان تميم بن جميل السدوسى [قد أقام] بشاطىء الفرات، واجتمع إليه كثير من الأعراب، فعظم أمره، وبعد ذكره؛ فكتب المعتصم إلى مالك بن طوق فى النهوض إليه، فتبدّد جمعه، وظفر به فحمله موثقا إلى باب المعتصم، فقال أحمد بن أبى داود: ما رأيت رجلا عاين الموت، فماها له ولا شغله عما كان يجب عليه أن يفعله إلا تميم بن جميل؛ فإنه لما مثل بين يدى المعتصم وأحضر
السيف والنّطع، ووقف بينهما، تأمله المعتصم- وكان جميلا وسيما- فأحبّ أن يعلم أين لسانه من منظره، فقال: تكلم يا تميم، فقال:
أمّا إذ أذنت يا أمير المؤمنين فأنا أقول: الحمد لله الذى أحسن كلّ شىء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، جبر [الله] بك صدع الدّين، ولمّ بك شعث المسلمين، وأوضح بك سبل الحقّ، وأخمد بك شهاب الباطل؛ إن الذنوب تخرس الألسن الفصيحة، وتعيى الأفئدة الصحيحة، ولقد عظمت الجريرة، وانقطعت الحجّة وساء الظنّ، فلم يبق إلا عفوك وانتقامك، وأرجو أن يكون أقربهما منى وأسرعهما إلىّ أشبههما بك، وأولاهما بكرمك، ثم قال:
أرى الموت بين السيف والنّطع كامنايلاحظنى من حيثما أتلفّت
وأكبر ظنّى أنك اليوم قاتلىوأىّ امرىء مما قضى الله يفلت
وأى امرىء يأتى بعذر وحجّةوسيف المنايا بين عينيه مصلت
وما جزعى من أن أموت وإننىلأعلم أنّ الموت شىء موقّت
ولكنّ خلفى صبية قد تركتهموأكبادهم من حسرة تتفتّت
فإن عشت عاشوا سالمين بغبطةأذود الرّدى عنهم وإن متّ موّتوا
وكم قائل لا يبعد الله دارهوآخر جذلان يسرّ ويشمت
فتبسّم المعتصم وقال: يا جميل، قد وهبتك للصّبية، وغفرت لك الصّبوة، ثم أمر بفكّ قيوده، وخلع عليه، وعقد له على شاطىء الفرات.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع