من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
صاحب الزنج
وقول ابن المعتز «ولما طغا أمر الدعىّ» يريد صاحب الزنج بالبصرة، وكانت شوكته قد اشتدّت وظفر به بعد مواقعة كثيرة، وفى ذلك يقول ابن الرومى فى قصيدة طويلة جدا يمدح فيها أبا أحمد [الموفق بن المتوكل، وصاعد بن خالد، والعلاء بن صاعد ابنه، وهى من أجود شعره، فقال]:
أبا أحمد أبليت أمّه أحمدبلاء سيرضاه ابن عمّك أحمد
حصرت عميد الزنج حتى تخاذلتقواه، وأودى زاده المتزوّد
فظلّ، ولم تقتله، يلفظ نفسهوظلّ، ولم تأسره، وهو مقيّد
وكانت نواحيه كثافا فلم تزلتحيّفها شحذا كأنك مبرد
تفرّق عنه بالمكايد جندهويزدادهم جندا وجندك محصد
ولا بس سيف القرن بعد استلابهأضرّ له من كاسديه وأكيد
فما رمته حتى استقلّ برأسهمكان قناة الظهر أسمر أجرد
[هذا مأخود من قول مسلم بن الوليد:
ورأس مهراق قد ركبت قلّتهلدنا يقوم مقام الليت والجيد]
ولم تأل إنذارا له غير أنهرأى أنّ متن البحر صرح ممرّد
سكنت سكونا كان رهنا بوثبةعماس، كذاك الليث للوثب يلبد
هذا مأخوذ من قول النابغة:
وقلت يا قوم إن الليث منقبضعلى براثنه للوثبة الضارى
ويقول فى مدح صاعد:
يقرّظ إلا أنّ ما قيل دونهويوصف إلا أنه لا يحدّد
أرقّ من الماء الذى فى حسامهطباعا، وأمضى من شباه وأنجد
له سورة مكتنّة فى سكينةكما اكتنّ فى الغمد الجراز المهند
كأنّ أباه حين سمّاه صاعدارأى كيف يرقى فى المعالى ويصعد
[لما سمع البحترى هذا البيت قال: منى أخذه، فى قوله فى العلاء بن صاعد]:
سمّاه أسرته العلاء وإنماقصدوا بذلك أن يتمّ علاه
وهذا فى قوله، كما قال [ابن] المرزبان وقد أنشد لابن المعتز فى مناقضة الطالبيين:
دعوا الأسد تسكن فى غابهاولا تدخلوا بين أنيابها
فنحن ورثنا ثياب النبىفلم تجذبون بهدّابها
قد أخذه من [قول] بعض العباسيين:
دعوا الأسد تسكن أغيالهاولا تقربوها وأشبالها
ولكنه سرق ساجا، وردّ عاجا، وغلّ قطيفة، وردّ ديباجا.
ومن قصيدة ابن الرومى:
تراه على الحرب العوان بمنزلوآثاره فيها، وإن غاب، شهّد
كما احتجب المقدار والحكم حكمهعلى الخلق طرّا ليس عنه معرّد
البحترى:
ولى الأمور بنفسه، ومحلّهامتقارب، ومرامها متباعد
يتكفل الأدنى، ويدرك رأيه الأقصى، ويتبعه الأبىّ العاند
إن غار فهو من النباهة منجدأو غاب فهو من المهابة شاهد
وقال أعرابى يصف رجلا: كان إذا ولّى لم يطابق بين جفونه، ويرسل العيون على عيونه؛ فهو غائب عنهم، شاهد معهم، والمحسن آمن، والمسىء خائف.
فتى روحه روح بسيط كيانهومسكن ذاك الرّوح نور مجسّد
صفا ونفى عنه القذى فكأنهإذا ما استشفّته العقول مصعّد
كرمتم فجاش المفحمون بمدحكمإذا رجزوا فيكم أثبتم فقصّدوا
أرى من تعاطى ما بلغتم كرائممنال الثريّا وهو أكمه مقعد
كما أزهرت جنات عدن وأثمرتفأضحت وعجم الطير فيها لغرّد
وفى هذه القصيدة يقول:
لما تؤذن الدنيا به من صروفهايكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنهالأفسح مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهلّ كأنهبما سوف يلقى من رداها يهدّد
قال الصولى: افتتح ابن الرومى هذه القصيدة على ما لا يلزمه من فتح ما قبل حرف الروى اقتدارا، فحمله ذلك على أن قال:
متاح له مقداره فكأنمانقوّض ثهلان عليه وصندد
ثهلان: اسم جبل، وهذا لا يصحّ، إنما هو صندد بكسر الدال؛ لأن فعللا لم يجىء إلا فى أربعة أحرف: درهم، وهجرع [للأحمق]، وهبلع للذى يبلع كثيرا، وقلعم للذى يقلع الأشياء.
وقول ابن المعتز فى وصف السيف:
كأنما تنفّس فيه القين وهو صقيل
معنى بديع فى وصف الفرند، وقد قال:
ولى صارم فيه المنايا كوامنفما ينتضى إلا لسفك دماء
ترى فوق متنيه الفرند كأنهبقية غيم رقّ دون سماء
وقال أيضا إسحاق بن خلف:
ألقى بجانب خصرهأمضى من الأجل المتاح
وكأنما ذرّ الهباء عليه أنفاس الرياح
ولما صار سيف عمرو بن معد يكرب الذى كان يسمّي الصمصامة إلى الهادى،- وكان عمرو وهبه لسعيد بن العاص، فتوارثه ولده إلى أن مات المهدى، فاشتراه موسى الهادى منهم بمال جليل، وكان أوسع بنى العباس كفّا، وأكثرهم عطاء- ودعا بالشعراء، وبين يديه مكتل فيه بدرة، فقال: قولوا فى هذا السيف؛ فبدر ابن يامين البصرى فقال:
حاز صمصامة الزّبيدى من بينجميع الأنام موسى الأمين
سيف عمرو وكان فيما سمعناخير ما أغمدت عليه الجفون
أخضر اللون بين خديه بردمن ذعاف يميس فيه المنون
أوقدت فوقه الصواعق ناراثم شابت فيه الذعاف القيون
فإذا ما سللته بهر الشمسضياء فلم تكد تستبين
ما يبالى من انتضاه لحربأشمال سطت به أو يمين
يستطير الأبصار كالقبس المشعل ما تستقرّ فيه العيون
وكأنّ الفرند والجوهر والجارى على صفحتيه ماء معين
نعم مخراق ذى الحفيظة فى الهيجاءيعصى به ونعم القرين
قال موسى: أصبت ما فى نفسى، واستخفّه [الفرح] فأمر له بالمكتل والسيف؛ فلما خرج قال للشعراء: إنما حرمتم من أجلى، فشأنكم المكتل
وفى السيف غناى [فقام موسى] فاشترى منه السيف بمال جليل.
البحترى:
قد جدت بالطّرف الجواد فثنّهلأخيك من جدوى يديك بمنصل
يتناول الرّوح البعيد منالهعفوا، ويفتح فى الفضاء المقفل
بإنارة فى كل حتف مظلموهداية فى كل نفس مجهل
يغشى الوغى فالترس ليس بجنّةمن حدّه، والدّرع ليس بمعقل
ماض وإن لم تمضه يد فارسبطل، ومصقول وإن لم يصقل
مصغ إلى حكم الردى فإذا مضىلم يلتفت، وإذا قضى لم يعدل
متوقّد يفرى بأوّل ضربةما أدركت ولو أنّها فى يذبل
فكأن فارسه إذا استعصى به الزّحفان يعصى بالسّماك الأعزل
فإذا أصاب فكل شىء مقتلوإذا أصيب فما له من مقتل
حملت حمائله القديمة بقلةمن عهد عاد غضّة لم تذبل
وقال أبو القاسم بن هانى للمعز:
عجبا لمنصلك المقلّد كيف لمتسل النفوس عليك منه مسيلا
لم يخل جبّار الملوك بذكرهإلا تشحّط فى الدماء قتيلا
فإذا رأيناه رأينا علّةللنيرات ونيّرا معلولا
بك حسنه منقلّدا وبهاؤهمتنكّبا ومضاؤه مسلولا
فإذا غضبت علته دونك ربدةيغدو بها طرف الزمان كحيلا
وإذا طربت إلى الرّضا أهدى إلىشمس الظهيرة عارضا مصقولا
كتب الفرند عليه بعض صفاتكمفعرفت فيه التاج والإكليلا
وقال:
هل يدنينّى من فنائك سابحمرح وجائلة النّسوع أمون
ومهنّد فيه الفرند كأنهدرّ له خلف الفرات كمين
غضب المضارب مقفرا من أعينلكنّه من أنفس مسكون
وأهدى الكندى إلى بعض إخوانه سيفا، فكتب إليه: «الحمد لله الذى خصّك بمنافع كمنافع ما أهديت، وجعلك تهتزّ للمكارم اهتزاز الصارم، وتمضى فى الأمور مضاء حدّه المأثور، وتصون عرضك بالإرفاد، كما تصان السيوف بالأغماد، ويطرد ماء الحياء فى صفحات خدّك المشوف، كما يشفّ الرونق فى صفائح السيوف، وتصقل شرفك بالعطيات، كما تصقل متون المشرفيّات.
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع