تجاوز إلى المحتوى

من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)

رثاء المعتضد، وتعزيته

وقال أبو العباس يرثى المعتضد:

قضوا ما قضوا من أمرهم ثم قدّمواإماما إمام الخلق بين يديه
وصلوا عليه خاشعين كأنهمصفوف قيام للسلام عليه

وقال يرثيه:

قالت شريرة ما لجفنك ساهراقلقا، وقد هدأت عيون النّوم
ما قد رأيت من الزمان أحلّ بىهذا، وتحت الصّدر ما لم تعلمى
يا نفس صبرا للزمان وريبهفهو الملىء بما كرهت فسلمى
إنّ الذى حاز الفضائل كلّهاهو ذاك فى قعر الضريح المظلم
أما السيوف فمن صنائع بأسهلولاه لم يروين من سفك الدّم
وكأنّ أحداث الزمان عبيدهفمتى يؤخّرهن لا تستقدم
يقظان من سنة المضيّع قلبهومعوّل للمعول المتظلّم
يرعى الضغائن قبل ساعة فرصةفإذا رآها أمكنت لم يحجم
كم فرصة تركت فصارت غصّةتشجى بطول تلهّف وتندّم
ولرب كيد ظلّ يسجد بعدهافى بشر وجه مطلق متجهّم
وهى المنايا إن رمين بنبلهايرمين فى نفس الأجلّ الأعظم
لله درّك أى ليث كتيبةوالخيل تعثر بالقنا المتحطّم
ولقد عمرت ولا حريم معاندحرم ولا الإسلام بالمستسلم

وقال للمعتضد يعزّيه بابنه هرون:

يا ناصر الدين إذ هدّت قواعدهوأصدق الناس فى بؤسى وإنعام
وقائد الخيل مذ شدّت مآزرهمذلّلات بإسراج وإلجام
كأنهن قنا ليست لها عقديهزّها الزّجر فى كر وإقدام
قبّ كطىّ ثياب العصب مضمرةتقرّب النار بين البيض والهام
وسائس الملك يرعاه ويكلؤهإذا حلا الغمض فى أجفان نوّام
تمرى أنامله الدنيا لصاحبهاونصله من عداه قاطر دامى
كالسّهم يبعثه الرّامى فصفحتهتلقّى الرّدى دونه، والفوق للرامى
لا يشتكى الدّهر إن خطب ألمّ بهإلّا إلى صعدة أوحدّ صمصام
صبرا، فديناك إنّ الصبر عادتناوإن طوينا على حزن وتهيام
فبادر الاجر نحو الصّبر محتسباإنّ الجزوع صبور بعد أيام

ولما ماتت دريدة، وهى جارية [المعتضد، و] كانت مكينة عنده، جزع عليها جزعا شديدا، فقال له عبيد الله بن سليمان: مثلك يا أمير المؤمنين تهون عليه المصائب؛ لأنّك تجد من كل فقيد خلفا، وتنال جميع ما تريد من العوض، والعوض لا يوجد منك، فلا ابتلى الله الإسلام بفقدك، وعمره بطول بقاء عمرك، وكأن الشاعر عنى أمير المؤمنين بقوله:

يبكى علينا ولا نبكى على أحدلنحن أغلظ أكبادا من الإبل
للشاعر بلعاء بن قيس الكناني، من قصيدة «يبكى علينا ولا نبكي على أحد»

فضحك المعتضد وتسلّى وعاد إلى عادته.

قال محمد بن داود الجراح: فلقينى عبيد الله فأخبرنى بذلك، وقال: أردت شعرا فى معنى البيت الذى أنشدته فما وجدته؛ فقلت له قد قال البطين البجلى:

طوى الموت ما بينى وبين أحبّةبهم كنت أعطى من أشاء وأمنع
فلا يحسب الواشون أنّ قناتناتلين، ولا أنّا من الموت نجزع
ولكنّ للألّاف- لابدّ- لوعةإذا جعلت أقرانها تتطلّع

فكتبه، وقال: وحفظته لما عدلت عنه.

النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «زهر الآداب وثمر الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.