من «زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيرواني (ت ٤٥٣هـ)
ألفاظ لأهل العصر فى ذكر النبى ﷺ
سليل أكرم نبعة، وقريع أشرف بقعة. جاب بأمته الظلمات إلى النور، وأفاء عليهم بالظلّ بعد الحرور. وهو خيرة الله من خلقه، وحجّته فى أرضه.
الهادى إلى حقّه، والمنبه على حكمه. والداعى إلى رشده، والآخذ بفرضه. مبارك مولده، سعيدة غرّته، قاطعة حجّته، سامية درجته، ساطع صباحه، متوقّد مصباحه، مظفّرة حروبه، ميسّرة خطوبه، قد أفرد بالزعامة وحده، وختم بأن لا نبىّ بعده. يفصح بشعاره على المنابر، وبالصلاة عليه فى المحاضر، وتعمر بذكره صدور المساجد، وتستوى فى الانقياد له حالة المقرّ والجاحد. آخر الأنبياء فى الدنيا عمرا، وأولهم يوم القيامة ذكرا، وأرجحهم عند الله ميزانا، وأوضحهم حجّة وبرهانا. صدع بالرسالة، وبلغ بالدلالة، ونقل الناس عن طاعة الشيطان الرجيم. أرسله الله قمرا للاسلام منيرا، وقدرا على أهل الضلال مبيرا. ﷺ. خير من افتتحت بذكره الدعوات، واستنجحت بالصلاة عليه الطلبات. خير مبعوث، وأفضل وارث وموروث. وخير مولود، دعا إلى خير معبود. صلى الله على كاشف الغمّة عن الأمة. الناطق فيهم بالحكمة، الصادع بالحق، الداعى إلى الصدق، الذى ملك هوادى الهدى، ودلّ على ما هو خير وأبقى. صلى الله عليه بشير الرحمة والثواب، ونذير السطوة والعقاب. صلى الله على أتمّ بريته خيرا وفضلا، وأطيبهم فرعا وأصلا، وأكرمهم عودا ونجارا، وأعلاهم منصبا وفخارا، وعلى أهله الذين عظّمهم توقيرا، وطهّرهم تطهيرا هم مقاليد السعادة ومفاتيحها، ومعارج البركة ومصابيحها. أعلام الإسلام وأيمان الإيمان.
الطيبون الأخيار، الطاهرون الأبرار. الذين أذهب عنهم الأرجاس، وجعل مودتهم واجبة على الناس. هم حبل الهدى وشجرة الإيمان، أصلها نبوّة، وفرعها مروّة، وأغصانها تنزيل، وورقاتها تأويل، وخدمها ميكال وجبريل.
ولبديع الزمان إلى بعض الأشراف فى درج كلام تقدّم:
إن جعلنا نعدّ فخاركم، ونحدّ آثاركم، نفد الحصى قبل نفودها، وفنيت الخواطر، قبل أن تفنى المآثر، ولم لا، وإن ذكر الشرف فأنتم بنو بجدته، أو العلم فأنتم عاقد وإزرته. أو الدين فأنتم ساكنو بلدته، أو الجود فأنتم بنو بجدته، أو التواضع صبرتم لشدّته، أو الرأى صلتم بحدته، وإنّ بيتا تولى الله ﷿ بناءه، ومهّد الرسول ﵇ فناءه، وأقام الوصىّ رضوان الله عليه عماده، وخدم جبريل ﵇ أهله، لحقيق أن يصان عن مدح لسان قصير.
وذكر النبىّ ﷺ أعرابىّ فقال: بأبى وأمى رسول رب العالمين، ختمت به الدنيا، وفتحت به الآخرة، ﷺ، به يبدأ الذكر الجميل ويختم.
إلى هذا المكان أمسكت العنان. والإطناب فى هذا الكتاب يعظم ويتّسع، بل يتصل ولا ينقطع؛ إذ كان غرضى فيه أن ألمح المعنى من معانيه، ثم أنجرّ معه حيث انجرّ، وأمرّ فيه كيف مرّ، وآخذ فى معنى آخر غير موصول بشكله، ولا مقرون بمثله، وقد أخل نظاما، وأفرد تؤاما، نشرا لبساط الانبساط، ورغبة فى استدعاه النشاط. وهذا التصنيف لا تدرك غايته، ولا تبلغ نهايته؛ إذ المعانى غير محصورة بعدد، ولا مقصورة إلى أمد. وقد أبرزت فى الصدر، صفحة العذر، يجول فرندها، ويثقب زندها، وذلك أنى ما ادّعيت فيما أتيت إلا ما [لا] يكون ما تركته أفضل مما أدركته، وأنى لم أسلك مذهبا مخترعا لم أسبق إليه، ولا قصدت غرضا مبتدعا لم أغلب عليه، ومن ركب مطيّة الاعتذار، واجتنب خطيّة الإصرار فقد خرج من تبعة التقصير، وبرىء من عهدة المعاذير.
وأما بعد فإن أحقّ من احتكم إليه واقتصر عليه الاعتراف بفضل الإنصاف، وليعلم من ينصف أن الاختيار ليس يعلم ضرورة، ولا يوقف له على صورة، فيكثر الإغماض، ويقل الاعتراض، ويعلم أنّ ما لا يقع بهواه، قد يختاره سواه، وكلّ يعمل اقتداره، ويحسن اختياره، فلو وقع الاجتماع على ما يرضى ويسخط، ويثبت ويسقط، لارتفع حجاج المختلفين، فى أمر الدنيا والدين.
وقال المتنبى:
تخالف الناس حتى لا اتفاق لهمإلا على شجب والخلف فى الشجب
فقيل: تخلص نفس المرء سالمةوقيل: تشرك جسم المرء فى العطب
الشجب: الموت، وهى لفظة معروفة، وإن كانت غير مألوفة عند أهل النقد.
وقد أنكرها البحترى على عبيد الله بن عبد الله بن طاهر فى مجاذبته إياه حيث يقول:
ولو أنّ الحكيم وازن فى اللفظ واختار لم يقل شجبه وكان أبو الطيب نظر إلى ما رواه أبو ظبيان، قال: اجتمع نفر من أهل الكلام على رجل من الملحدين، فجعلوا لا يأتون بمسألة إلا سألهم الدليل عليها، وناقضهم فيها، فأعياهم كثرة ما يقول ويقولون، فقال بعضهم: أما بعد فإن الموت لا شكّ فيه فقال الملحد: ما رأيت خاطبا وواعظا وشاهدا لا يردّ أوجز منه، وقلما ترى معنى إلا وهو يدافع أو يناقض ويحار به عن سواء المحجّة. وقيل: من طلب عيبا وجده. قال أبو عمرو بن سعيد القطر بلى: ليس من بيت إلا وفيه لطاعن مطعن، إلا قول الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيهلا يذهب العرف بين الله والناس
وقول طرفة بن العبد:
ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلاويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
وقول على بن زيد:
عن المرء لا تسل وسل عن قرينهفكل قرين بالمقارن مقتد
وللعلم بذلك قال قتيبة بن مسلم لأبى عيّاش المنتوف، وقد دخل عليه وبين يديه سلّة زعفران: أنشدنى بيتا لا يصارف ولا يكذّب وهى لك، فأنشده ما ليس لطاعن فيه مطعن:
فما حملت من ناقة فوق كورهاأبرّ وأوفى ذمّة من محمد
[ﷺ، ورحم وكرّم، وشرّف وعظم، وعلى آله الطيبين، وسلم تسليما] قد تم كتاب «زهر الآداب، لأبى إسحاق الحصرى» والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على كريم الآباء والأمهات
النص من طبعة دار الجيل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر والمحقق وحواشيه. مصادر الموقع