من «العمدة في محاسن الشعر وآدابه» لابن رشيق القيرواني (ت ٤٦٣هـ)
باب التكسب بالشعر والأنفة منه
قال رسول الله ﷺ: " أنهاكم عن قيل وقال، وعن كثرة السؤال، وإضاعة المال، وعقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات ".
وكانت العرب لا تتكسب بالشعر، وإنما يصنع أحدهم ما يصنعه فكاهة أو مكافأة عن يد لا يستطيع أداء حقها إلا بالشكر إعظاماً لها، كما قال امرؤ القيس بن حجر يمدح بني تيم رهط المعلى:
أقر حشا امرئ القيس بن حجربنو تيم مصابيح الظلام
لأن المعلى أحسن إليه وأجاره حين طلبه المنذر بن ماء السماء، لقتله بني أبيه الذين قتل بدير مرينا، فقيل لبني تيم " مصابيح الظلام " من ذلك اليوم لبيت امرئ القيس. وقال أيضاً لسعد بن الضباب:
سأجزيك الذي دافعت عنيوما يجزيك عني غير شكري
فأخبره أن شكره هو الغاية في مجازاته كما قدمت.
حتى نشأ النابغة الذبياني؛ فمدح الملوك، وقبل الصلة على الشعر، وخضع للنعمان بن المنذر، وكان قادراً على الامتناع منه بمن حوله من عشيرته أو من سار إليه من ملوك غسان، فسقطت منزلته، وتكسب مالاً جسيماً، حتى كان أكله وشربه في صحاف الذهب والفضة وأوانيه من عطاء الملوك.
وتكسب زهير بن أبي سلمى بالشعر يسيراً مع هرم بن سنان.
فلما جاء الأعشى جعل الشعر متجراً يتجر به نحو البلدان، وقصد حتى ملك العجم فأثابه وأجزل عطيته علماً بقدر ما يقول عند العرب، واقتداء بهم فيه، على أن شعره لم يحسن عنده حين فسر له، بل استهجنه واستخف به، لكن احتذى فعل الملوك ملوك العرب.
وأكثر العلماء يقولون: إنه أول من سأل بشعره، وقد علمنا أن النابغة أسن منه وأقدم شعراً، وقد ذكر عنه من التكسب بالشعر مع النعمان بن المنذر مع ما فيه من قبح: من مجاعلة الحاجب، ودس الندماء على ذكره بين يديه، وما أشبه ذلك.
وذكر أن أبا عمرو بن العلاء سئل: لم خضع النابغة للنعمان؟ فقال: رغب في عطائه وعصافيره.
وأما زهير فما بلغه الطائي قط معرفة باجتداء من يمدحه، ويدلك على ذلك ما قاله عمر بن الخطاب ﵁ لابنة زهير حين سألها: ما فعلت حلل هرم بن سنان التي كساها أباك؟ قالت: أبلاها الدهر، قال: لكن ما كساه أبوك هرماً لم يبله الدهر، وقال عمر ﵁ لبعض ولد هرم بن سنان: أنشدني ما قال فيكم زهير، فأنشده، فقال: لقد كان يقول فيكم فيحسن، قال: يا أمير المؤمنين إنا كنا نعطيه فنجزل، قال عمر: ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم.
ثم إن الحطيئة أكثر من السؤال بالشعر، وانحطاط الهمة فيه، والإلحاف، حتى مقت وذل أهله وهلم جرا، إلى أن حرم السائل وعدم المسئول.
إلا بقايا من أناس بهمإلى سبيل المكرمات يهتدى
كالسيد أبي الحسن أحسن الله إلى الدنيا ببقائه. وأما أكثر من تقدم فالغالب على طباعهم الأنفة من السؤال بالشعر، وقلة التعرض به لما في أيدي الناس، إلا فيما لا يزرى بقدر ولا مروءة كالفلتة النادرة والمهمة العظيمة، ولهذا قال عمر ﵁: نعم ما تعلمته العرب الأبيات من الشعر يقدمها الرجل أمام حاجته.
ألا ترى أن لبيد بن ربيعة لما بعث إليه الوليد بن عقبة مائة من الإبل ينحرها كعادته عند هبوب الصبا، وقد أسن وأقل، وكان يطعم الناس ما هبت الصبا، قال لابنته: اشكري هذا الرجل فإني لا أجد نفسي تجيبني، ولقد أراني لا أعيا بجواب شاعر، فقالت هذه الأبيات:
إذا هبت رياح أبي عقيلدعونا عند هبتها الوليدا
أغر الوجه أبيض عبشمياًأعان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كأن ركباًعليها من بني حام قعودا
أبا وهب جزاك الله خيراًنحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد إن الكريم له معادوظني بابن أروى أن يعودا
وعرضتها عليه فقال: لقد أجدت لولا أنك استعدت، كراهية في قولها:
فعد إن الكريم له معاد ويروى: لولا أنك استزدت.
وقالوا: كان الشاعر في مبتدأ الأمر أرفع منزلة من الخطيب؛ لحاجتهم إلى الشعر في تخليد المآثر، وشدة العارضة، وحماية العشيرة، وتهيبهم عند شاعر غيرهم من القبائل؛ فلا يقدم عليهم خوفاً من شاعرهم على نفسه وقبيلته، فلما تكسبوا به وجعلوه طعمة وتولوا به الأعراض وتناولوها صارت الخطابة
فوقه، وعلى هذا المنهاج كانوا حتى فشت فيهم الضراعة، وتطعموا أموال الناس، وجشعوا فخشعوا، واطمأنت بهم دار الذلة، إلا من وقر نفسه وقارها، وعرف لها مقدارها، حتى قبض تقي العرض مصون الوجه، ما لم يكن به اضطرار تحل به الميتة، فأما من وجد البلغة والكفاف فلا وجه لسؤاله بالشعر.
فقد حكى عن ابن ميادة أنه مدح أبا جعفر المنصور بكلمته التي يقول فيها:
فوجدت حين لقيت أيمن طائرووليت حين وليت بالإصلاح
وعفوت عن كسر الجناح ولم يكنلتطير ناهضة بغير جناح
قوم إذا جلب الثناء إليهمبيع الثناء هناك بالأرباح
وأتاه راعي إبله بلبن فشرب ثم مسح على بطنه وقد عزم على الرحلة فقال: سبحان الله أأفد على أمير المؤمنين وهذه الشربة تكفيني؟!! وصرف وجهه عن قصده، فلم يفد عليه، هذا على أنه ساقة الشعراء، فأنت ترى كبر نفسه، وبعد همته.
على أن عبد الله بن عمر على جلالته، والحسن البصري، وعكرمة، ومالك بن أنس المدني وجملة من أهل العلم غير هؤلاء، كانوا يقبلون صلات الملوك.
وقد سئل عثمان بن عفان ﵁ عن مال السلطان، فقال: لحم طير زكي.
والشعراء في قبولها مال الملوك أعذر من المتورعين وأصحاب الفتيا؛ لما جرت به العادة قبل الإسلام وعلى عهد رسول الله ﷺ وبعده إلى أيام المنصور الذي أنف ابن ميادة أن يفد عليه.
وهكذا يروى عن جميل بن عبد الله بن معمر أنه ما مدح أحداً قط إلا ذويه وقراباته، وأنه صحب الوليد بن عبد الملك في سفر، فكلفه أن يرجز به، وظن أنه يمدحه فأنشأ يقول:
أنا جميل في السنام من معدفي الذروة العلياء والركن الأشد
فقال له الوليد: اركب لا حملت.
وزعم محمد بن سلام الجمحي أنه مدح عبد العزيز بن مروان بقوله في شعره:
أبا مروان أنت فتى قريشوكهلهم إذا عد الكهول
توليه العشيرة ما عناهافلا ضيق الذراع ولا بخيل
كلا يوميه بالمعروف طلقوكل بلائه حسن جميل
وعمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وكان يشبه به من المولدين العباس بن الأحنف، فإنه ممن أنف عن المدح تظرفاً، وقال فيه مصعب الزبيري: العباس عمر العراق، يريد أنه لأهل العراق كعمر بن أبي ربيعة لأهل الحجاز، استرسالاً في الكلام، وأنفة عن المدح والهجاء، واشتهر بذلك، فلم يكن يكلفه إياه أحد من الملوك ولا الوزراء، وقد أخذ صلة الرشيد وغيره على حسن التغزل ولطف المقاصد في التشبيب بالنساء.
وهذا باب قد احتذاه الكتاب في زماننا هذا إلا القليل، وقوم من شعراء وقتنا أنا ذاكرهم في كتاب غير هذا، إن شاء الله.
وعلى كل حال فإن الأخذ من الملوك كما فعل النابغة، ومن الرؤساء الجلة كما فعل زهير؛ سهل وخفيف.
فأما الحطيئة فقبح الله همته الساقطة على جلالة شعره وشرف بيته، وقد كانت الشعراء ترى الأخذ ممن دون الملوك عاراً، فضلاً عن العامة وأطراف الناس.
قال ذو الرمة يهجو مروان بن أبي حفصة بذلك، ويفتخر عليه بأنه لا يقبل إلا صلة الملك الأعظم وحده، هكذا رواه عبد الكريم وأنشده ابن عبد ربه أيضاً:
عطايا أمير المؤمنين ولم تكنمقسمة من هؤلا وأولائكا
وما نلت حتى شبت إلا عطيةتقوم بها مصرورة في ردائكا
وأنشد له أو لغيره:
وما كان مالي من تراث ورثتهولا دية كانت، ولا كسب مأثم
ولكن عطاء الله من كل رحلةإلى كل محجوب السرادق خضرم
وقال صاحب الكتاب: والذي أعرف أن سلم بن عمرو الخاسر كتب إلى مروان بن أبي حفصة:
من مبلغ مروان عني رسالةمغلغلة لا تنثني عن لقائكا
حباني أمير المؤمنين بنفحةثمانين ألفاً طأطأت من حبائكا
ثمانين ألفاً نلت من صلب مالهولم تك قسماً من أولى وأولائكا
فأجابه مروان عن ذلك فقال:
أسلم بن عمرو قد تعاطيت خطةتقصر عنها بعد طول عنائكا
وإني لسباق إذا الخيل كلفتمدى مائة أو غاية فوق ذلكا
فدع سابقاً إن عاودتك عجاجةسنابكه أوهين منك سنابكا
رأيت أمرأ نال السها فحسدتهفلم يبق إلا أن تموت بدائكا
طلبت من المهدي شطر حبائهفقال لك المهدي لست هنالكا
فما أعولت أم على ابن، ولا بكىعلى يوسف يعقوب مثل بكائكا
عضضت على كفيك حتى كأنمارزئت الذي أعطيت من صلب مالكا
حبيت بأوقار البغال، وإنماسراب الضحى ما تدعي من حبائكا
وما نلت حتى شبت إلا عطيةتقوم بها مصرورة في ردائكا
وما عبت من قسم الملوك لشاعربه خص عفواً من أولى وأولائكا
وأقسم لولا ابن الربيع ورفدهلما ابتلت الدلو التي في رشائكا
ومن قول مروان أيضاً:
قد حبيت بألف ألف لم تكنإلا بكف خليفة ووزير
ما زلت آنف أن أؤلف مدحةإلا لصاحب منبر وسرير
ما ضرني حسد اللئام، ولم يزلذو الفضل يحسده ذوو التقصير
وقال آخر فيما يناسب هذا ويشاكله، ويشد على يد من تمذهب به أو اعتقده:
وإذا لم يكن من الذل بدفالق بالذل إن لقيت الكبارا
وافتخر بشار بن برد فقال:
وإني لنهاض اليدين إلى العلاقروع لأبواب الهمام المتوج
ويروى وإني لسوار اليدين أي: مرتفع.
النص من طبعة دار الجيل (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع