من «أمالي المرتضى» للشريف المرتضى (ت ٤٣٦هـ)
تأويل آية [: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ
]
إن سأل سائل فقال: ما تأويل قوله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ، وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا؛.
وكيف يجوز أن تبلغ القلوب الحناجر مع كونهم أحياء، ومعلوم أنّ القلب إذا زال عن موضعه المخلوق فيه مات صاحبه؟ وعن أىّ شيء زاغت الأبصار؟ وبأىّ شيء تعلّقت ظنونهم بالله تعالى؟.
الجواب، قيل له فى هذه الآية وجوه:
منها أن يكون المراد بذلك أنهم جبنوا وفزع أكثرهم لمّا أشرف المشركون عليهم، وخافوا من بوائقهم وبوادرهم، ومن شأن الجبان عند العرب إذا اشتد خوفه أن تنتفخ رئته، ولهذا يقولون للجبان: انتفخ سحره، أى رئته، وليس يمتنع أن تكون الرئة إذا انتفخت رفعت القلب، ونهضت به إلى نحو الحنجرة. وهذا التأويل قد ذكره الفرّاء وغيره، ورواه الكلبىّ عن أبى صالح عن ابن عباس.
ومنها أنّ القلوب توصف بالوجيب والاضطراب فى أحوال الجزع والهلع؛ قال الشاعر:
كأنّ قلوب أدلّائهامعلقة بقرون الظّباء
وقال امرؤ القيس:
ولا مثل يوم فى قداران ظلتهكأنى وأصحابى على قرن أعفرا
ويروى: «فى قدار ظللته»؛ أراد المبالغة فى وصف نفسه وأصحابه بالقلق والاضطراب ومفارقة/ السّكون والاستقرار؛ وإنما خصّ الظّبى؛ لأن قرنه أكثر تحركا واضطرابا؛ لنشاطه ومرحه وسرعته.
وقد قال بعض الناس: إن امرأ القيس لم يصف شدّة أصابته فى هذا البيت فيليق قوله:
«على قرن أعفرا» بالتأويل المذكور؛ بل وصف أماكن كان فيها مسرورا متنعما؛ ألا ترى إلى قوله قبل هذا البيت بلا فصل:
ألا ربّ يوم صالح قد شهدتهبتاذف ذات التلّ من فوق طرطرا
فيكون معنى قوله: «على قرن اعفرا» على هذا الوجه أنه كان على مكان عال مشرف؛ شبّهه لارتفاعه وطوله بقرن الظبى؛ وهذا القول لابن الأعرابىّ والأول للأصمعىّ؛ فأما قول الآخر:
ألا قلّ خير الشّام كيف تغيّرافأصبح يرمى النّاس عن قرن أعفرا
فلا يحتمل إلّا الشدة والحال المذمومة، ويجوز أن يريد أن الناس فيه غير مطمئنين بل هم منزعجون قلقون؛ كأنهم على قرن ظبى، ويحتمل أنه يريد أن يطعنهم بقرن ظبى، كقولك:
رماه بداهية، ويكون معنى «عن» هاهنا معنى الباء، فقال: «عن قرن أعفرا» وهو يريد بقرن أعفرا، وقد ذكر فى هذا
البيت الوجهان معا، فيكون معنى الآية على هذا التأويل أن القلوب لما اتصل وجيبها واضطرابها بلغت الحناجر لشدة القلق.
ومنها أن يكون المعنى: كادت القلوب من شدة الرّعب والخوف تبلغ الحناجر، وإن لم تبلغ فى الحقيقة، فألغى ذكر «كادت» لوضوح الأمر فيها، ولفظة «كادت» هاهنا للمقاربة؛ مثل قول قيس بن الخطيم:
أتعرف رسما كاطّراد المذاهبلعمرة وحشا غير موقف راكب
ديار الّتي كادت ونحن على منىتحلّ بنا لولا نجاء الرّكائب
معناه: قاربت أن تحلّ بنا، وإن لم تحلل فى الحقيقة.
وقوله: «غير موقف راكب» فيه وجهان: أحدهما أنه ليس بموضع يقف فيه راكب لخلوّه من الناس ووحشته، والآخر أن يكون أراد أنّه وحش؛ إلّا أن راكبا واقف به؛ يعنى نفسه.
وقال نصيب:
/ وقد كدت يوم الحزن لما ترنّمتهتوف الضّحى محزونة بالترنّم
أموت لمبكاها أسى إنّ لوعتىووجدى بسعدى شجوه غير منجم
معنى المنجم: المقلع.
وقال ذو الرّمة:
وقفت على ربع لميّة ناقتىفما زلت أبكى عنده وأخاطبه
وأسقيه حتى كاد ممّا أبثّهتكلّمنى أحجاره وملاعبه
وكل هذا معنى «كاد» فيه المقاربة.
ومتى أدخلت العرب على «كاد» جحدا، فقالوا: ما كاد عبد الله يقوم، ولم يكد عبد الله يقوم؛ كان فيه وجهان:
أجودهما: قام عبد الله بعد إبطاء ولأى، ومثله قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ؛، أى ذبحوها بعد إبطاء وتأخير، لأنّ وجدان البقرة عسر عليهم.
وروى أنهم أصابوها ليتيم لا مال له غيرها، فاشتروها من وليّه بملء جلدها ذهبا، فقال تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ، إما لأنهم لم يقفوا عليها، أو لغلائها وكثرة ثمنها.
والوجه الآخر فى قولهم: ما يكاد عبد الله يقوم، أى ما يقوم عبد الله، وتكون لفظة يكاد على هذا المعنى مطّرحة لا حكم لها، وعلى هذا يحمل أكثر المفسرين قوله تعالى:
إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها، أى لم يرها أصلا؛ لأنه جل وعز لما قال: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ؛، كأنّ بعض هذه الظلمات يحول بين العين وبين النظر إلى اليد وسائر المناظر؛ ف يَكَدْ على هذا التأويل زيدت للتوكيد، والمعنى: إذا أخرج يده لم يرها.
وقال قوم: معنى الآية: إذا أخرج يده رآها بعد إبطاء وعسر؛ لتكاثف الظلمة، وترادف الموانع من الرؤية؛ ف يَكَدْ على هذا الجواب ليست بزائدة.
وقال آخرون: معنى الآية إذا أخرج يده لم يرد أن يراها، لأن الّذي شاهده من تكاثف الظلمات أيأسه من تأمل يده، وقرّر فى نفسه أنه لا يدركها ببصره. وحكى عن العرب:
أولئك أصحابى الذين أكاد أنزل عليهم، أى أريد أن أنزل عليهم؛ قال الشاعر:
كادت وكدت وتلك خير إرادةلو عاد من لهو الصّبابة ما مضى
/ أى أرادت وأردت، وقال الأفوه الأودىّ:
فإن تجمّع أوتاد وأعمدةوساكن بلغوا الأمر الّذي كادوا
أى أرادوا.
وقال بعضهم: معنى قوله تعالى: كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ؛، أى أردنا ليوسف.
وقال الكلبىّ عن أبى صالح عن ابن عباس: معناه كذلك صنعنا ليوسف.
ومما يشهد لمن جعل لفظة يَكَدْ زائدة فى الآية قول الشاعر:
سريع إلى الهيجاء شاك سلاحهفما إن يكاد قرنه يتنفّس
أى فما إن يتنفس قرنه، و «يكاد» مزيدة للتوكيد، وقال حسان:
وتكاد تكسل أن تجئ فراشهافى جسم خرعبة وحسن قوام
معناه وتكسل أن تجئ فراشها، وقال الآخر:
وألّا ألوم النّفس فيما أصابنىوألّا أكاد بالذى نلت أنجح
أى لا أنجح بالذى نلت؛ ولو لم يكن الأمر على هذا لم يكن البيت مدحا.
وروى عبد الصمد بن المعذّل بن غيلان عن أبيه عن جدّه غيلان قال: قدم علينا ذو الرّمة الكوفة، فأنشدنا بالكناسة- وهو على راحلته- قصيدته الحائية؛ التى يقول فيها:
إذا غيّر النّأى المحبّين لم يكدرسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
فقال له عبد الله بن شبرمة: قد برح يا ذا الرّمة، ففكّر ساعة ثم قال:
إذ غيّر النّأى المحبّين لم أجدرسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
قال: فأخبرت أبى بما كان من قول ذى الرّمة واعتراض ابن شبرمة عليه، فقال:
أخطأ ذو الرّمة فى رجوعه عن قوله الأوّل، وأخطأ ابن شبرمة فى اعتراضه عليه؛ هذا كقوله ﷿: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها، أى لم يرها.
فأما قوله ﷿: إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها؛ [طه: -]، فيحتمل أن يكون المعنى: أريد أخفيها لكى تجزى كلّ نفس بما تسعى. ويجوز أن تكون زائدة ويكون/ المعنى إنّ الساعة آتية أخفيها لتجزى كلّ نفس. وقد قيل فيه وجه آخر؛ وهو أن يتم الكلام عند قوله تعالى: آتِيَةٌ أَكادُ، ويكون المعنى: أكاد آتى بها، ويقع الابتداء بقوله أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ؛ ومما يشهد لهذا الوجه قول ضابئ البرجمىّ:
هممت ولم أفعل وكدت وليتنىتركت على عثمان تبكى حلائله
أراد: وكدت أقتله، فحذف الفعل لبيان معناه.
وروى عن سعيد بن جبير أنّه كان يقرأ: أَكادُ أُخْفِيها، فمعنى أخفيها على هذا الوجه أظهرها؛ قال عبدة بن الطبيب يصف ثورا:
يخفى التّراب بأظلاف ثمانيةفى أربع مسّهنّ الأرض تحليل
أراد أنه يظهر التراب ويستخرجه بأظلافه، وقال امرؤ القيس:
فإن تدفنوا الدّاء لا نخفهوإن تبعثوا الحرب لا نقعد
أى لا نظهره؛ وقال النابغة:
تخفى بأظلافها حتّى إذا بلغتيبس الكثيب تداعى التّرب فانهدما
وقد روى أهل العربية: أخفيت الشيء يعنى سترته، وأخفيته بمعنى أظهرته، وكأنّ القراءة بالضم تحتمل الأمرين: الإظهار والستر، والقراءة بالفتح لا تحتمل غير الإظهار؛ وإذا كانت بمعنى الإظهار كان الكلام فى «كاد» واحتمالها للوجوه الثلاثة التى ذكرناها كالكلام فيها إذا كانت بمعنى الستر والتغطية.
فإن قيل: فأىّ معنى لقوله: إنى أسترها لتجزى كلّ نفس بما تسعى، أو أظهرها على الوجهين جميعا؟ وأى فائدة فى ذلك؟
قلنا: الوجه فى هذا ظاهر، لأنه تعالى إذا ستر عنّا وقت الساعة كانت دواعينا إلى فعل الحسن والقبيح مترددة، وإذا عرّفنا وقتها بعينه كنا ملجئين إلى التوبة، بعد مقارفة الذنوب ونقض ذلك الغرض بالتكليف واستحقاق الثواب به، فصار ما أريد من المجازاة للمكلّفين بسعيهم، وإيصال ثواب أعمالهم يمنع من اطلاعهم على وقت انقطاع التكليف عنهم.
فأما إذا كانت لفظة أُخْفِيها بمعنى الإظهار فوجهه أيضا واضح؛ لأنه تعالى إنما يقيم القيامة، ويقطع التكليف ليجازى كلّا باستحقاقه، ويوفّى مستحقّ الثواب ثوابه، ويعاقب المسيء باستحقاقه، فوضح وجه قوله تعالى: أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى على المعنيين جميعا.
قال سيدنا الشريف الأجل المرتضى أطال الله بقاءه: وجدت أبا بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ يطعن على جواب من أجاب فى قوله: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ بأنّ معناه كادت تبلغ الحناجر، ويقول: «كاد» لا تضمر، ولا بدّ من أن يكون
منطوقا بها، ولو جاز ضميرها لجاز: قام عبد الله بمعنى كاد عبد الله يقوم، فيكون تأويل قام عبد الله لم يقم عبد الله؛ لأن معنى كاد عبد الله يقوم لم يقم، وهذا الّذي ذكره غير صحيح. ونظنّ أن الّذي حمله على الطّعن فى هذا الوجه حكايته له عن ابن قتيبة، لأنّ من شأنه أن يردّ كل ما يأتى به ابن
قتيبة، وإن تعسّف فى الطعن عليه. والّذي استبعده غير بعيد؛ لأنّ «كاد» قد تضمر فى مواضع يقتضيها بعض الكلام وإن لم تكن فى صريحه؛ ألا ترى أنهم يقولون: أوردت على فلان من العتاب والتوبيخ والتقريع ما مات عنده، وخرجت نفسه، ولما رأى فلان فلانا لم يبق فيه روح، وما أشبه ذلك. ومعنى جميع ما ذكرناه المقاربة، ولا بد من إضمار «كاد» فيه، وقال جرير:
إنّ العيون التى فى طرفها مرضقتلنا ثمّ لم يحيين قتلانا
وإنما المعنى أنهن كدن يقتلننا؛ وهذا أكثر فى الشعر والكلام من أن نذكره.
فأما قوله: «يحيين قتلانا» فالأظهر فى معناه أنهن لم يزلن ما قاربنا عنده الموت والقتل من الصدود والهجر وما أشبه ذلك، وسمّى هذه الأمور حياة كما سمى أضدادها قتلا، وقد قيل إن معنى «يحيين قتلانا» أنهن لم يدين قتلانا، من الدّية، لأنّ دية القتيل عند العرب كالحياة له، وقد روى: «ثم لم يجنن قتلانا»، وهذه رواية شاذة لم تسمع من عالم ولا محصّل ومعناها ركيك ضعيف؛ وإذا كان الأمر على ما ذكرناه لم يمتنع أن يقال: قام فلان بمعنى كاد يقوم، إذا دلّت الحال على ذلك؛ كما يقال: مات بمعنى كاد يموت.
فأما قوله: «فيكون تأويل قوله: قام عبد الله، لم يقم عبد الله» فخطأ؛ لأنه ليس معنى كاد يقوم إنه لم يقم/ كما ظنّ بل معنا. أنه قارب القيام ودنا منه، فمن قال: قام عبد الله وأراد كاد يقوم؛ فقد أفاد ما لا يفيده لم يقم.
وأما قوله تعالى: زاغَتِ الْأَبْصارُ فمعناه زاغت عن النظر إلى كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها، ويجوز أن يكون المراد ب زاغَتِ، أى جارت ومالت عن القصد فى النظر دهشا وتحيرا.
فأما قوله تعالى: وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، معناه أنكم تظنون مرة أنكم تنصرون وتظهرون على عدوّكم، ومرة أنكم تبتلون وتمتحنون بالتخلية بينكم وبينهم.
ويجوز أيضا أن يريد الله تعالى أن ظنونكم اختلفت، فظنّ المنافقون منكم خلاف ما وعدكم الله تعالى به من النصر، وشكّوا فى خبره ﷿ كما قال تعالى حكاية عنهم: ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً، فظنّ المؤمنون ما طابق وعد الله تعالى لهم كما حكى ﷿ عنهم فى قوله: هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وكل ما ذكرناه واضح فى تأويل الآية وما تعلّق بها.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية (١٣٧٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع