تجاوز إلى المحتوى

من «الجليس الصالح الكافي» للمعافى بن زكريا (ت ٣٩٠هـ)

أَعْرَابِي يسْأَل

حَدثنَا مُحَمَّد بْن القَاسِم الأنبَاريّ قَالَ حَدثنِي أبي قَالَ حَدثنَا أحم بْن عبيدٍ عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: قدم أَعْرَابِي من الْبَادِيَة فَوقف على النَّاس فَقَالَ: أَنا عكاب بْن عدينة أبوت عشرَة وأخوت عشرَة، وَكنت مفزعًا للجمة، مقنعا للهمة، أهنأ الْفَقِير، وأفك الْأَسير، وأذيل العسير، فانباق عَليّ الدَّهْر متخوفًا لإخوتي وبنيه يوديهم وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى اخترم ظهرتي، وأفنى عمارتي، وأساف ماليه، وأباد رجاليه، وَكنت أورد إبلي سحرًا، وأصدرها طفْلا، عكرًا دثرًا، ومالا وفرًا، قَليلَة الْفرش والإفال، حَسَنَة الْحِلْية والفحال، فانتسفها الزَّمَان، واجتملها الْحدثَان، حبجًا وغدة، فقرع مراحي، وفنت أوضاحي، فَهَل من راحمٍ أَخا جهدٍ ولأواء وشصاصاء، شملكم الله بإسباغ الرزق.

تَفْسِير حَدِيث الْأَعرَابِي قَالَ أَبُو بكر ابْن الْأَنْبَارِي قَوْلهم: أبوت وأخوت مَعْنَاهُ كنت أَبَا لعشرة وأخا لعشرة. وَقَوله: أهنأ الْفَقِير: أصلح شَأْنه؛ قَالَ القَاضِي: وَأَصله من الهناء الَّذِي تطلى بِهِ الْإِبِل من

الجرب، قَالَ زُهَيْر:

فأبرى موضحات الرَّأْس مِنْهُوَقد يشفي من الجرب الهناء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»

وَمِنْه قَول الآخر:

مَا إِن رَأَيْت وَلَا سَمِعت بِهِكَالْيَوْمِ طالي أينقٍ جرب
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «حيوا تماضر واربعوا صحبي»
متبذلا تبدو محاسنهيضع الهناء مَوَاضِع النقب
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «حيوا تماضر واربعوا صحبي»

ثمَّ استعير هَذَا فِي كل من رفد غَيره لسد فقرٍ أَو إصْلَاح أَمر، وَهُوَ من حسن التَّشْبِيه وقريبه؛ قَالَ أَبُو بكرٍ: وأذيل العسيرة مَعْنَاهُ: أَلين النَّاقة الصعبة لأحمل عَلَيْهَا الضَّعِيف والمجتدي. وَقَوله: فانباق عَليّ الدَّهْر مَعْنَاهُ: قصدني ببائقةٍ، وَهِي البلية والداهية، ومتخوفا: متنقصا قَالَ الله ﷿: " أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تخوفٍ " النَّحْل: قَالَ القَاضِي: يُقَال تخوفه إِذا انتقصه، كَمَا قَالَ الشَّاعِر:

تخوف السّير مِنْهَا تامكًا قردًاكَمَا تخوف عود النبعة السفن
للشاعر تميم بن أبي، اقرأ القصيدة

يَعْنِي نَاقَة تنقص سَيرهَا من سنامها بعد تمكنه واكتنازه. والنبع شجر مَعْرُوف وَقَالَ الْأَعْشَى:

ونَحْنُ أُنَاسٌ عُودُنا عود نبعةٍإِذا افتحر اليحان بكر وتغلب

والسفن: الفأس، وَهُوَ يتنقص الْعود وينحته حَتَّى يصنع مِنْهُ سفينة، وَمِنْه سميت سفينة بِمَعْنى مسفونة أَي منحوتة منجورة منتقصة الأعواد بالسفن. وَقد قرئَ على تخوف بِمَعْنى الانتقاص من الحافات والجوانب. قَالَ أَبُو بكرٍ: والجمة: الْقَوْم يسْأَلُون فِي الدِّيَة وَيُقَال أَيْضا للدية جمة. قَالَ الشَّاعِر:

وجمةٍ تسالني أَعْطَيْتوَسَائِل عَن خبري لويت
للشاعر ابو محمد الفقعسي، من قصيدة «ومنهل فيه الغراب ميت»

فَقلت لَا أَدْرِي وَقد دَريت

وَقَوله: حَتَّى اخترم ظهرتي فِي الظهرة قَولَانِ: الظهرة قَولَانِ: الظهرة عشيرة الرجل. وَقَالَ لي أَبِي قَالَ أَحْمَد بْن عبيد: الظهرة والأهرة مَتَاع الْبَيْت وَمَا يصونه الرجل مِمَّا يودعه منزله من الْآنِية وأفنى عمارتي الْعِمَارَة: الْقَبِيلَة. وأساف ماليه مَعْنَاهُ أَو قع السواف فِي إبلي. وأصدرها طفْلا مَعْنَاهُ عِنْد غيبوبة الشَّمْس، يُقَال ظفلت الشَّمْس إِذا تهيأت للغروب. وَفِي السواف لُغَتَانِ: السواف والسواف بِضَم السِّين وَفتحهَا وَهُوَ دَاء يَأْخُذ الْإِبِل فيقتلها. قَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: السواف من أدواء الْإِبِل بِالْفَتْح، وَقَالَ الْأَصْمَعِي: السواف مضموم من الأدواء بِمَنْزِلَة الكباد والسعال والنخار. عكرًا دثرًا العكر جمع عكرة وَهِي سَبْعُونَ من الْإِبِل إِلَى الْمِائَة، والدثر هُوَ المَال الْكثير وَجمعه دثور.

قَالَ امْرُؤ الْقَيْس:

لعمري لقوم قد نرى فِي دِيَارهمْمرابط للأمهار والعكر الدثر

يُرِيد العكر الدثر، فَكسر الثَّاء لكسرة الرَّاء على لُغَة من يَقُول قَامَ بكر ومررت ببكرٍ. وَقَالَ أَبُو ذرٍ: يَا رَسُول اللَّهِ ذهب أهل الدُّثُور بِالْأُجُورِ، يَعْنِي أَصْحَاب الْأَمْوَال الْكَثِيرَة.

قَالَ القَاضِي: وَالْوَقْف فِي بكر على حَرَكَة إِعْرَاب طرفه لُغَة مَعْرُوفَة للْعَرَب، وَقد روى عَنْ أبي عَمْرو أَنَّهُ قَرَأَ: " وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ " الْبَلَد: فِي بِالْوَقْفِ بِكَسْر الْبَاء، وَمن هَذِه اللُّغَة قَول الشَّاعِر:

علمنَا إِخْوَاننَا بَنو عجلشرب النَّبِيذ واعتقالا بِالرجلِ

وَقد شرحنا عِلّة هَذِه اللُّغَة فِي موضعهَا. وَالْعرب أَيْضا تَقول مَال دثر وأموال دثر. قَالَ أَبُو بكر: قَليلَة الْفرش والإفال الْفرش: الصغار من الْإِبِل الَّتِي لَا تطِيق أَن يحمل عَلَيْهَا، والإفال: الصغار من الْإِبِل وَاحِدهَا أفيل. قَالَ القَاضِي: قد قيل إِن الْفرش الْغنم، والحمولة الْإِبِل وَالْبَقر وَالْبِغَال وَالْحمير، فَأَما الإفال فَهِيَ الصغار عِنْد اللغويين، قَالَ الفرزدق:

وَجَاء قريع الشول قبل إفالهايزف وَجَاءَت خَلفه وَهِي زفف
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وجاء قريع الشول قبل إفالها»

ويروى يرف، وَهِي رفف، وَالْمعْنَى وَاحِد، وَهُوَ الْمَشْي السَّرِيع. قَالَ الله عز ذكره: " فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ " الصافات: وَمن القرأة من يقْرَأ يرفون. قَالَ أَبُو بكرٍ واجتملها الْحدثَان ذهب بجملتها وَلم يبْق مِنْهَا شَيْئا.

حبجًا وغدة الغدة: من أدواء الْإِبِل، الحبج: أَن تَأْكُل الْإِبِل النَّبَات فتنتفخ بطونها حَتَّى تَمُوت. وَقَالَ الزُّبَيْر بْن بَكَّار: لما ورد نعي مُصعب بْن الزُّبَيْر على أهل مَكَّة صعد عَبد اللَّه بْن الزُّبَيْر الْمِنْبَر فَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي لَهُ الْخلق وَالْأَمر يُؤْتِي الْملك من يَشَاء وَينْزع الْملك مِمَّن يَشَاء، ويعز من يَشَاء ويذل من يَشَاء؛ أَلا وَإنَّهُ لم يذلل الله تَعَالَى من كَانَ الْحق مَعَه وَلَو كَانَ فَردا، وَلم يعزز من كَانَ الشَّيْطَان وليه وَحزبه وَلَو كَانَ الْأَنَام كلهم مَعَه، أَلا وَإنَّهُ أَتَانَا خبر من الْعرَاق أحزنا وأفرحنا، أَتَانَا قتل المصعب بْن الزُّبَيْر ﵀، فَأَما الَّذِي أحزننا فَإِن لفراق الْحَمِيم لذعة يجدهَا حميمه عِنْد الْمُصِيبَة ثُمَّ يرعوي من بعْدهَا ذَوُو الْعَزْم إِلَى جميل الصَّبْر وكرم العزاء، وَأما الَّذِي أفرحنا فَإِن الْقَتْل كَانَ لَهُ شَهَادَة، وَإِن الله ﷿ جعل ذَلِك لنا وَله خيرة. أَلا وَإِن أهل الْعرَاق أهل الْغدر والنفاق أسلموه وباعوه بِأَقَلّ الثّمن، فَإِن يقتل فَإنَّا وَالله مَا نموت حبجًا كَمَا يَمُوت بَنو أَبِي الْعَاصِ، وَمَا نموت إِلَّا قتلا قعصًا بِالرِّمَاحِ وموتًا تَحت ظلال السيوف، أَلا وَإِنَّمَا الدُّنْيَا عَارِية من الْملك الْأَعْلَى الَّذِي لَا يَزُول ملكه وَلَا يبيد، فَإِن تقبل على الدُّنْيَا لَا آخذها أَخذ الأشر البطر، وَإِن تدبر عني لَا أبك عَلَيْهَا كالخرف المهتر.

قَالَ أبوب بكر: فقرع مراحي المراح: مَوضِع الْإِبِل الَّذِي تراح إِلَيْهِ، يَعْنِي أَن إبِله مَاتَت وَتَلفت وَبَقِي مراحها أَقرع، وَالْعرب تَقول قد قرع مراح الرجل إِذا ذهب مَاله، قَالَ الشَّاعِر:

إِذا آداك مَالك فانتهبهلجاديه وَإِن قرع المراح
فَإِن أعيا عَلَيْك فَلم تَجدهُفنبت الأَرْض وَالْمَاء القراح
فَإِن الْفقر إلْف فنَاء قوموَإِن أسوك وَالْمَوْت الرواح

وفنت وضاحي مَعْنَاهُ: فنيت دراهمي، فنت بلغَة طَيء، يَقُولُونَ فِي فني فنى وَفِي رَضِي رضى وَفِي بَقِي بقى، قَالَ الشَّاعِر:

لعمرك مَا أخْشَى التصعلك مَا بقىعلى الأَرْض قيسي يَسُوق الأباعرا
للشاعر زيد الخيل الطائي، اقرأ القصيدة

واللأواء والشصاصاء: الشدَّة وكلب الزَّمَان.

قَالَ القَاضِي: الَّذِي ذكره أَبُو بكرٍ فِي نفى ورضى وبقى أَنه لُغَة طَيء هُوَ على مَا ذكر، وَقد ذكرنَا من هَذِه اللُّغَة وحكايتها صَدرا فِي مَا مضى من مجَالِس كتَابنَا هَذَا، وَقد تتداخل لُغَات الْعَرَب وَيَأْخُذ بَعضهم من لُغَة بعض، قَالَ زُهَيْر:

تربع صارةً حَتَّى إِذا إِذافنى الدحلان عَنْهُ والأضاء
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «عفا من آل فاطمة الجواء»

يُرِيد فني..

إِسْمَاعِيل بْن صَالح يُغني الرشيد حَدثنَا مُحَمَّد بْن يحيى الصولي قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطَّالقَانِي قَالَ حَدَّثَنِي فضل اليزيدي عَن مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن صبيحٍ قَالَ: قَالَ الرشيد للفضل بن يحيى وَهُوَ بالقرقة: قد قدم إِسْمَاعِيل بْن صَالح بْن عَليّ وَهُوَ صديقك، وَأُرِيد أَن أرَاهُ، فَقَالَ لَهُ: إِن أَخَاهُ عبد الْملك فِي حَبسك، وَقد نَهَاهُ أَن يجيئك، قَالَ الرشيد: فَإِنِّي أتعلل حَتَّى يجيئني عَائِدًا، فتعلل، فَقَالَ الْفضل لإسماعيل: أَلا تعود أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: بلَى، فَجَاءَهُ عَائِدًا، فأجلسه ثُمَّ دَعَا بالغداء فَأكل، وَأكل إِسْمَاعِيل بَين يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الرشيد: كَأَنِّي قد نشطت برؤيتك إِلَى شرب قدح، فَشرب وسقاه، ثُمَّ أَمر فَأخْرج جوارٍ يغنين وَضربت ستارة وَأمر بسقيه، فَلَمَّا شرب أَخذ الرشيد الْعود من يَد جاريةٍ وَوَضعه فِي حجر إِسْمَاعِيل، وَجعل فِي عنق الْعود سبْحَة فِيهَا عشر درات اشْتَرَاهَا بِثَلَاثِينَ ألف دِينَار وَقَالَ: غنني يَا إِسْمَاعِيل وَكفر عَن يَمِينك بِثمن هَذِه السبحة فَانْدفع يُغني بِشعر الْوَلِيد بن يزِيد فِي غلية أُخْت عمر بْن عبد الْعَزِيز وَكَانَت تَحْتَهُ، وَهِي الَّتِي ينْسب إِلَيْهَا سوق غَالِيَة بِدِمَشْق:

فأقسم مَا أدنيت كفي لريبةٍوَلَا حَملتنِي نَحْو فاحشةٍ رجْلي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «فأقسم ما أدنيت كفي لريبة»
وَلَا قادني سَمْعِي وَلَا بَصرِي لَهَاوَلَا دلَّنِي رَأْيِي عَلَيْهَا وَلَا عَقْلِي
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «فأقسم ما أدنيت كفي لريبة»
أعلم أَنِّي لم تصبني مُصِيبَةمن الدَّهْر إِلَّا قد أَصَابَت فَتى قبلي

فَسمع الرشيد أحسن غناءٍ من أحسن صوتٍ، فَقَالَ: الرمْح يَا غُلَام، فجيء بِالرُّمْحِ، فعقد لَهُ لِوَاء على إِمَارَة مصر، قَالَ إِسْمَاعِيل: فَوليتهَا سِتّ سِنِين، أَو سعتهم عدلا وانصرفت بِخَمْسِمِائَة ألف دينارٍ، قَالَ: بلغت عبد الْملك أَخَاهُ ولَايَته فَقَالَ: غنى وَالله الْخَبيث لَهُم، لَيْسَ هُوَ لصالح بابنٍ.

إِذا قصر من يؤاكل الْمَأْمُون

حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن زِيَاد الْمُقْرِي قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن مَحْمُود قَالَ حَدَّثَنَا يحيى بْن أَكْثَم قَالَ: كَانَ الْمَأْمُون إِذا قصر بعض من يَأْكُل مَعَه أَمر بإقامته عَن الْمَائِدَة وَلَقَد رَأَيْته يَوْمًا وَقد أَمر أَن يُقَام بِابْنِهِ الْعَبَّاس عَن الْمَائِدَة لتقصيرٍ كَانَ مِنْهُ، وَقَالَ: إِذا قصرت احتشم غَيْرك لتقصيرك، فَقَالَ الْعَبَّاس: لم أقصر وَلَكِنِّي وجدت عِلّة، قَالَ: هلا ذكرتها قبل جلوسك على الطَّعَام، فإمَّا احتملناك على التَّقْصِير وَإِمَّا أعفيناك من الْأكل مَعنا.

النص من طبعة دار الكتب العلمية (١٤٢٦هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الْمجْلس الرَّابِع وَالسِّتُّونَ

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.