تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السَّادِس وَالتِّسْعُونَ:

فيه بيت واحد

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّادِس وَالتِّسْعُونَ: جاؤوا بمذق هَل رَأَيْت الذِّئْب قطّ على أَن قَوْلهم: هَل رَأَيْت وَقعت صفة مذق بِتَقْدِير القَوْل يَعْنِي أَن الْجُمْلَة الَّتِي تقع صفة شَرطهَا أَن تكون خبرية لِأَنَّهَا فِي الْمَعْنى كالخبر عَن الْمَوْصُوف فجملة هَل رَأَيْت.. ظَاهرهَا أَنَّهَا وَقعت صفة لمذق مَعَ أَنَّهَا استفهامية والاستفهام قسم من الْإِنْشَاء. فَأجَاب بِأَن التَّحْقِيق أَنَّهَا معمولة للصفة المحذوفة أَي: بمذق مقولٍ فِيهِ: هَل رَأَيْت أَو يَقُول فِيهِ من رَآهُ هَذَا القَوْل وَنَحْوه.

وَهَذَا الْبَيْت قد كرر الشَّارِح إنشاده فِي هَذَا الْكتاب فقد أوردهُ فِي النَّعْت وَفِي الْمَوْصُول مرَّتَيْنِ وَفِي أَفعَال الْقُلُوب وَفِي الْحُرُوف المشبهة بِالْفِعْلِ. وَرَوَاهُ الدينَوَرِي فِي النَّبَات وَابْن قُتَيْبَة فِي أَبْيَات الْمعَانِي والزجاجي وَابْن الشجري فِي أماليهما:

جاؤوا بضيحٍ هَل رَأَيْت الذِّئْب قطّ وَقَالَ الدينَوَرِي: نزل هَذَا الشَّاعِر بِقوم فقروه ضياحاً وَهُوَ اللَّبن الَّذِي قد أَكثر عَلَيْهِ من المَاء.)

وَقَالَ ابْن جني فِي الْمُحْتَسب: قَوْله هَل رَأَيْت: جملَة استفهامية إِلَّا أَنَّهَا فِي مَوضِع وصف الضيح حملا على مَعْنَاهَا دون لَفظهَا لِأَن الصّفة ضرب من الْخَبَر فَكَأَنَّهُ قَالَ: جاؤوا بضيح يشبه لَونه لون الذِّئْب. والضيح هُوَ اللَّبن الْمَخْلُوط بِالْمَاءِ فَهُوَ يضْرب إِلَى الخضرة والطلسة.

وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: وَاتَّقوا فتْنَة لَا تصيبن الَّذين ظلمُوا على أَن لَا تصيبن صفة لفتنة على إِرَادَة القَوْل كَهَذا الْبَيْت.

والمذق: اللَّبن الممزوج بِالْمَاءِ وَهُوَ يشبه لون الذِّئْب لِأَن فِيهِ غبرة وكدرة واصله مصدر مذقت اللَّبن: إِذا مزجته بِالْمَاءِ. وقط اسْتعْملت هُنَا مَعَ الِاسْتِفْهَام مَعَ أَنَّهَا لَا تسْتَعْمل إِلَّا مَعَ الْمَاضِي الْمَنْفِيّ لِأَن الِاسْتِفْهَام أَخُو النَّفْي فِي أَكثر الْأَحْكَام. لَكِن قَالَ ابْن مَالك: قد ترد قطّ فِي الْإِثْبَات.

وَاسْتشْهدَ لَهُ بِمَا وَقع فِي حَدِيث البُخَارِيّ فِي قَوْله: قَصرنَا الصَّلَاة فِي السّفر مَعَ النَّبِي ﷺ َ أَكثر مَا كُنَّا قطّ. وَأما قَوْله: جاؤوا بمذق هَل رَأَيْت الذِّئْب قطّ فَلَا شَاهد فِيهِ لِأَن الِاسْتِفْهَام أَخُو النَّفْي. وَهَذَا مِمَّا خَفِي على كثير من النُّحَاة. انْتهى.

وَتَبعهُ الْكرْمَانِي عَلَيْهِ فِي شرح هَذَا الحَدِيث.

قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: الْعَرَب تختصر التَّشْبِيه وَرُبمَا أَوْمَأت بِهِ إِيمَاء قَالَ

أحد الرجاز:

بتنا بحسانٍ ومعزاه يئطمَا زلت أسعى بَينهم وألتبط

يَقُول فِي لون الذِّئْب. وَاللَّبن إِذا اخْتَلَط بِالْمَاءِ ضرب إِلَى الغبرة. انْتهى.

وبتنا: ماضٍ من الْمبيت فِي الْمِصْبَاح: بَات بِموضع كدا أَي: صَار بِهِ سَوَاء كَانَ فِي ليل أَو نَهَار وَبَات يفعل كَذَا: إِذا فعله لَيْلًا وَلَا يُقَال بِمَعْنى نَام. وَحسان: اسْم رجل ينْصَرف إِن اخذ من الْحسن وَلَا ينْصَرف إِن كَانَ من الْحسن بِالتَّشْدِيدِ. والمعزى: من الْغنم خلاف الضَّأْن وَهُوَ اسْم جنس وَكَذَلِكَ الْمعز وَالْوَاحد مَاعِز وَالْأُنْثَى ماعزة وَهِي العنز.

قَالَ سِيبَوَيْهٍ: ألف معزى للإلحاق بدرهم ى للتأنيث فَهُوَ منون مَصْرُوف بِدَلِيل تصغيره على معيز فَلَو كَانَت للتأنيث لم يقلبوها يَاء كَمَا لم يقلبوها فِي حبيلى وَهُوَ مُضَاف إِلَى ضمير حسان.

ويئط: أط أَي: صَوت جَوْفه من الْجُوع والمصدر الأطيط كَذَا فِي الصِّحَاح وَيَأْتِي بِمَعْنى تصويت الرحل وَالْإِبِل من ثقل أحمالها وَعَلِيهِ اقْتصر الْعَيْنِيّ وَلَا مُنَاسبَة لَهُ هُنَا.

وَرُوِيَ بعده بيتان زِيَادَة فِي بعض الرِّوَايَات وهما:)

يلمس أُذُنه وحيناً يمتخط يُقَال: امتخط وتمخط أَي: استنثر وَرُبمَا قَالُوا: امتخط مَا فِي يَده: نَزعه واختلسه كَذَا فِي الصِّحَاح.

فِي سمنٍ مِنْهُ كثيرٍ وأقط مُتَعَلق بقوله يمتخط. وَالسمن بِسُكُون الْمِيم وَفتحهَا هُنَا للضَّرُورَة. والأقط: قَالَ الْأَزْهَرِي: اللَّبن المخيض يطْبخ ثمَّ يتْرك حَتَّى يمصل وَهَذَا يدل على خسته ودنسه.

مَا زلت أسعى بَينهم وألتبط أعَاد الضَّمِير من بَينهم إِلَى حسان بِاعْتِبَار حيه وقبيلته أسعى بَينهم أَي: أتردد إِلَيْهِم وألتبط: أعدو يُقَال التبط الْبَعِير: إِذا عدا وَضرب بقوائمه الأَرْض وتلبط: اضْطجع وتمرغ. وروى بدله: وأختبط أَي: أسأَل معروفهم من غير وَسِيلَة وَهَذَا يدل على كَمَال شحهم حَيْثُ كَانَ ضيفاً عِنْدهم لم يشبعوه مَعَ أَنه يعرض لمعروفهم.

حَتَّى إِذا كَانَ الظلام يخْتَلط غَايَة لقَوْله أسعى وألتبط. وَكَاد: قرب. وروى: حَتَّى إِذا جن الظلام وَاخْتَلَطَ يُرِيد ستر الظلام كل شَيْء. وَصفهم بالشح وَعدم إكرامهم الضَّيْف وَبَالغ فِي أَنهم لم يَأْتُوا بِمَا أَتَوا بِهِ إِلَّا بعد سعي ومضي جَانب من اللَّيْل ثمَّ لم يَأْتُوا إِلَّا بِلَبن أَكْثَره مَاء.

وَهَذَا الرجز لم ينْسبهُ أحد من الروَاة إِلَى قَائِله. وَقيل: قَائِله العجاج وَالله أعلم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»