من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّانِي وَالتِّسْعُون
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالتِّسْعُونَ على أَن جدكما لَيْسَ مصدرا مؤكداً لقَوْله: لَا تقضيان بل هُوَ إِمَّا مَنْصُوب بِنَزْع الْخَافِض وَإِمَّا حَال وَإِمَّا مصدر حذف عَامله وجوبا.
أما كَونه لَيْسَ مؤكداً لمضمون الْجُمْلَة بعده فلشيئين: الأول: أَن قَوْله أجدكما لَو جعل مؤكداً لمضمون مَا بعده لَكَانَ مؤكداً لمضمون الْمُفْرد وَهُوَ الْفِعْل فَقَط لَا لمضمون الْجُمْلَة كَمَا بَينه الشَّارِح.
وَالثَّانِي: أَنه إِنَّمَا يكون الْمصدر مؤكداً لغيره إِذا أكد معنى القَوْل الَّذِي هُوَ مَضْمُون الْجُمْلَة وَلَا يجوز أَن يقدر أجدكما أَقُول لَا تقضيان لفساد الْمَعْنى لِأَن القَوْل من الْمُتَكَلّم وَعدم الْقَضَاء من الْمُخَاطب.
وَأما كَونه مَنْصُوبًا بِنَزْع الْخَافِض فَلِأَنَّهُ فِي معنى حَقًا وَهُوَ على تَقْدِير فِي وَجدك وَحقا متقاربان معنى فالأنسب تقاربهما فِي الْإِعْرَاب أَيْضا.
وَأما كَونه حَالا فَمَعْنَاه: لَا تقضيان كراكما جادين فعامل الْحَال الْفِعْل الَّذِي بعْدهَا وصاحبها ضمير التَّثْنِيَة.
وَأما الثَّالِث فَهُوَ مُؤَكد لنَفسِهِ لِأَنَّهُ أكد مَضْمُون الْمُفْرد لَا مَضْمُون الْجُمْلَة لِأَنَّهُ أكد الْفِعْل بِدُونِ الْفَاعِل وَالْفِعْل يدل وَحده على الْحَدث وَالزَّمَان.
هَذَا مُحَصل كَلَامه. والحالية لَا تطرد فِي كل مَوضِع وَلِهَذَا ذهب الإِمَام المرزوقي فِي شرح فصيح ثَعْلَب إِلَى أَن انتصاب أجدكما إِمَّا بِنَزْع الْخَافِض وَإِمَّا بِفِعْلِهِ الْمَحْذُوف.
وَالْمَفْهُوم من كَلَام بن جني على هَذَا الْبَيْت فِي إِعْرَاب الحماسة: أَن أجدكما مَنْصُوب بِفِعْلِهِ الْمَحْذُوف. لَكِن جعله جملَة لَا تقضيان حَالا غير جيد لِأَنَّهَا مُقَيّدَة وجدكما قيد لَهَا والمقيد هُوَ)
أصل الْكَلَام. ثمَّ جَوَابه عَن إِيرَاده على جعله الْجُمْلَة حَالا أَنَّهَا مصدرة بِعلم الِاسْتِقْبَال بِأَن الشَّاعِر أَرَادَ امتداد الْحَال فَلَمَّا لاحظ حَال الِاسْتِمْرَار والاستقبال أَتَى بِلَا غير صَحِيح فَإِن لَا لَيست للاستقبال على الصَّحِيح والمضارع الْمَنْفِيّ بهَا يَقع حَالا نَحْو: مالكم لَا ترجون لله وقارا. وَقد تعسف أَيْضا فِي نَحْو أجدك لَا تفعل بِأَنَّهُ على إِرَادَة اسْتِمْرَار حِكَايَة الْحَال الممتدة فِيمَا مضى.
قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف: وَلَا تفعل عِنْد أبي عَليّ حَال أَو على إِضْمَار أَن فَحذف أَن وارتفع الْفِعْل.
وَاعْلَم أَن صَنِيع الشَّارِح الْمُحَقق فِيهِ رد لمن جعل كَابْن الْحَاجِب أجدك لَا تفعل كَذَا من قبيل الْمصدر الْمُؤَكّد لغيره قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي الْإِيضَاح: أَصله لَا تفعل كَذَا جدا لِأَن الَّذِي يَنْبَغِي الْفِعْل عَنهُ يجوز أَن يكون بجد مِنْهُ وَيجوز أَن يكون من غير جد فَإِذا قَالَ: جدا فقد ذكر أحد المحتملين ثمَّ أدخلُوا همزَة الِاسْتِفْهَام إِيذَانًا بِأَن الْأَمر يَنْبَغِي أَن يكون كَذَلِك على سَبِيل التَّقْرِير فَقدم الْمصدر من أجل همزَة الِاسْتِفْهَام فَصَارَ: أجدك لَا تفعل ثمَّ لما كَانَ مَعْنَاهُ تَقْرِير أَن يكون الْأَمر على وفْق مَا أخبر صَار فِي معنى تَأْكِيد كَلَام الْمُتَكَلّم فيتكلم بِهِ من يقْصد إِلَى التَّأْكِيد وَإِن كَانَ مَا تقدم هُوَ الأَصْل الْجَارِي على قِيَاس لغتهم.
وَيجوز أَن يكون معنى أجدك فِي مثله: أتفعله جدا مِنْك على سَبِيل الْإِنْكَار لفعله جدا ثمَّ نَهَاهُ عَنهُ أَو أخبر عَنهُ بِأَنَّهُ لَا يفعل فَيكون أجدك توكيداً لجملة مقدرَة دلّ سِيَاق الْكَلَام عَلَيْهَا. وَمِمَّا يدل على أَنهم يَقُولُونَ أَفعلهُ جدا قَول أبي طَالب:
إِذن لاتبعناه على كل حَالَة... الْبَيْت هَذَا كَلَامه.
وَقَوله ثمَّ نَهَاهُ عَنهُ يفهم مِنْهُ أَن أجدك يَقع بعْدهَا النَّهْي وَكَذَا قَول بَعضهم أجدك هَل تفعل كَذَا يفهم مِنْهُ أَن الِاسْتِفْهَام يَقع بعده.
وَقد قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: إِن أجدك لَا يسْتَعْمل إِلَّا مَعَ النَّفْي. وَلم أر هَذَا التقيد لغيره وَظَاهره: سَوَاء كَانَ النَّافِي لَا أَو مَا أَو لن كَقَوْلِه:
أجدك لن ترى بثعيلباتوَلَا بيدان نَاجِية ذمولا
أجدك لم تغتمض لَيْلَةفترقدها مَعَ رقادها
)
فَإِن قلت: قد وَقع بعْدهَا الِاسْتِفْهَام فِي هَذَا الْبَيْت الَّذِي أوردهُ ثَعْلَب فِي فصيحه وَهُوَ:
أجدك مَا لعينيك لَا تنامكَأَن جفونها فِيهَا كَلَام
قلت: النَّفْي الَّذِي يَقع بعد أجدك مَوْجُود وَهُوَ قَوْله لَا تنام والاستفهام الثَّانِي سُؤال عَن عِلّة عدم نوم عينه وَمثله قَول كَعْب بن مَالك الصَّحَابِيّ ﵁ فِي غَزْوَة الطَّائِف:
أجدهم أَلَيْسَ لَهُم نصيحٌمن الأقوام كَانَ لنا عريفا
يُخْبِرهُمْ بِأَنا قد جَمعنَاعتاق الْخَيل وَالْبخْت الطروفا
وَفِي الارتشاف: وَلَا يسْتَعْمل أجدك إِلَّا مُضَافا وغالباً بعده لَا أَو لم أَو لن.
وَفِي النِّهَايَة لِابْنِ الخباز قَالَ الْأَعْشَى:
أجدك ودعت الدمى والولائدا ودعت موجبٌ وَجَاء مَعَ لَا كثيرا.
وَقد ذكر صَاحب الصِّحَاح وَغَيره: أَن أجدك يجوز فِي جيمه الْكسر وَالْفَتْح لَكِن الْكسر هُوَ الفصيح وَلِهَذَا قَالَ ثَعْلَب فِي فصيحه: وَمَا أَتَاك أجدك فمكسور وَمَا أَتَاك وَجدك فمفتوح. وَهُوَ من الْجد ضد الْهزْل وَأَصله من الْجد فِي الْأَمر بِمَعْنى الِاجْتِهَاد فِيهِ لِأَن الهازل لَا يبْذل الِاجْتِهَاد وَأغْرب صَاحب الْقَامُوس حَيْثُ جعله من جاده بِمَعْنى حاققه ثمَّ قَالَ: وأجدك لَا تفعل لَا يُقَال إِلَّا مُضَافا وَإِذا كسر استحلفه بحقيقته وَإِذا فتح استحلفه ببخته انْتهى. وَهَذَا شَيْء انْفَرد بِهِ وَكَأَنَّهُ جنح لما ذهب إِلَيْهِ الشلوبين حَيْثُ زعم أَن فِيهِ معنى الْقسم وَلذَلِك قدم.
وَهَذَا المصارع من شعر لقس بن سَاعِدَة. وَهُوَ:
خليلي هبا طالما قد رقدتماأجدكما لَا تفيضان كراكما
ألم تعلما أَنِّي بسمعان مُفرداوَمَالِي فِيهِ من خَلِيل سواكما
مُقيم على قبريكما لست بارحاًطوال اللَّيَالِي أَو يُجيب صداكما
أبكيكما طول الْحَيَاة وَمَا الَّذِييرد على ذِي لوعةٍ أَن بكاكما
كأنكما وَالْمَوْت اقْربْ غائبٍبروحي فِي قبريكماٍ قد أتاكما
أَمن طول نوم لَا تجيبان دَاعياكَأَن الَّذِي يسْقِي الْعقار سقاكما
فَلَو جعلت نفسٌ لنفسٍ وقايةًلجدت بنفسي أَن تكون فداكما
فِي سيرة ابْن سيد النَّاس بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس فِي حَدِيث الْجَارُود بن عبد الله لما قدم مُؤمنا)
بِالنَّبِيِّ ﷺ َ وَسَأَلَهُ النَّبِي ﷺ َ عَن قس بن سَاعِدَة والْحَدِيث طَوِيل إِلَى أَن قَالَ ابْن عَبَّاس: وَقَامَ رجل أشدق أجش الصَّوْت فَقَالَ: لقد رَأَيْت من قس عجبا:
يَا أَيهَا الراقد فِي اللَّيْل الأحمقد بعث الله نَبيا فِي الْحرم
من هَاشم أهل الْوَقار وَالْكَرميجلو دجنات اللَّيَالِي والبهم
قَالَ: فأدرت طرفِي فَمَا رَأَيْت لَهُ شخصا. فأنشأت أَقُول:
يَا أَيهَا الْهَاتِف فِي دجى الظُّلمأَهلا وسهلاً بك من طيفٍ ألم
بَين هداك الله فِي لحن الْكَلممن الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ تغتنم
فَإِذا أَنا بنحنحة وقائلٍ يَقُول: ظهر النُّور وَبَطل الزُّور وَبعث الله مُحَمَّدًا ﷺ َ بالحبور صَاحب النجيب الْأَحْمَر والتاج والمغفر وَالْوَجْه الْأَزْهَر والحاجب الْأَقْمَر والطرف الأحور صَاحب قَول شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله فَذَاك مُحَمَّد الْمَبْعُوث إِلَى الْأسود والأحمر أهل الْمدر والوبر. ثمَّ أنشأ يَقُول:
الْحَمد لله الَّذِيلم يخلق الْخلق عَبث
وَلم يخلنا سدىمن بعد عِيسَى واكترث
أرسل فِينَا أحمداخير نَبِي قد بعث
صلى عَلَيْهِ الله مَاحج لَهُ ركبٌ وحث
قَالَ: ولاح الصَّباح فَإِذا أَنا بالفنيق يشقشق إِلَى النوق فملكت خطامه وعلوت سنامه حَتَّى إِذا لغب فَنزلت فِي رَوْضَة خضرَة فَإِذا أَنا بقس بن سَاعِدَة فِي
ظلّ شَجَرَة وَبِيَدِهِ قضيب من أَرَاك ينكت بِهِ الأَرْض وَهُوَ يَقُول:
يَا ناعي الْمَوْت والأموات فِي جدثٍعَلَيْهِم من بقايا بزهم خرق
دعهم فَإِن لَهُم يَوْمًا يصاح بهمفهم إِذا انتبهوا من نومهم فرقوا
حَتَّى يعودوا لحَال غير حَالهمخلقا جَدِيدا كَمَا من قبله خلقُوا
مِنْهُم عراةٌ وَمِنْهُم فِي ثِيَابهمْ:مِنْهَا الْجَدِيد وَمِنْهَا الْمنْهَج الْخلق
قَالَ: فدنوت مِنْهُ فَسلمت عَلَيْهِ فَرد عَليّ السَّلَام وَإِذا أَنا بِعَين خرارة فِي أَرض خوارة وَمَسْجِد بَين قبرين وأسدين عظيمين يلوذان بِهِ وَإِذا بِأَحَدِهِمَا قد سبق الآخر إِلَى المَاء فَتَبِعَهُ الآخر يطْلب المَاء. فَضَربهُ بالقضيب الَّذِي فِي يَده وَقَالَ: ارْجع ثكلتك أمك حَتَّى يشرب الَّذِي ورد قبلك)
فَرجع ثمَّ ورد بعده. فَقلت لَهُ: مَا هَذَانِ القبران قَالَ: هَذَانِ قبرا أَخَوَيْنِ كَانَا لي يعبدان الله ﷿ معي فِي هَذَا الْمَكَان لَا يشركان بِاللَّه ﷿ شَيْئا فأدركهما الْمَوْت فقبرتهما وَهَا أَنا بَين قبريهما حَتَّى ألحق بهما ثمَّ نظر إِلَيْهِمَا وَجعل يَقُول:...
خليلي هبا طالما قد رقدتماأجدكما لَا تقضيان كراكما
الأبيات السَّابِقَة: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ َ: رحم الله قساً إِنِّي أَرْجُو أَن يَبْعَثهُ الْأمة: الشَّخْص الْمُنْفَرد بدين أَي: يبْعَث وَاحِدًا يقوم مقَام جمَاعَة. والأجش: الغليظ الصَّوْت.
وعسعس اللَّيْل: أدبر وَيَأْتِي بِمَعْنى أقبل فَهُوَ ضد. والأحم: الْأسود. والدجنة بِضَمَّتَيْنِ وَتَشْديد النُّون: الظلمَة وَكَذَلِكَ البهمة وَجَمعهَا بهم. ولحن القَوْل قَالَ الْأَزْهَرِي: هُوَ كالعنوان والعلامة تُشِير بهَا فيظن الْمُخَاطب لغرضك. والنجيب: الْكَرِيم من الْإِبِل. والحاجب الْأَقْمَر: أَرَادَ أَنه مفروق مَا بَين الحاجبين فَيكون أَبْلَج نيرا. والفنيق: الْفَحْل المكرم من الْإِبِل الَّذِي لَا يركب وَلَا يهان لكرامته. ويشقشق: يهدر بشقشقته. ولغب: تَعب. وَالْعين الخرارة: الغزيرة النبع من الخرير وَهُوَ صَوت المَاء. وَالْأَرْض الخوارة: اللينة السهلة من خار يخور: إِذا ضعف.
وهبا: أَمر مُسْند إِلَى ضمير الخليلين من الهب يُقَال هَب من نَومه من بَاب قتل: إِذا اسْتَيْقَظَ.
وطالما: قَالَ التبريزي فِي شرح الحماسة: إِن جعلت مَا مَصْدَرِيَّة كتبت مُنْفَصِلَة وَإِن جعلت كَافَّة فمتصلة. والرقود: النّوم فِي ليل أَو نَهَار وَخَصه بَعضهم بنوم اللَّيْل وَالْأول هُوَ الْحق وَيشْهد لَهُ الْمُطَابقَة فِي قَوْله تَعَالَى: وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: إِذا رَأَيْتهمْ حسبتهم أيقاظاً لِأَن أَعينهم مفتحة وهم نيام. وتقضيان: من قضيت. وطري: إِذا بلغته ونلته. والكرى: النّوم قَالُوا: أول النّوم النعاس والوسن ثقل النعاس ثمَّ الترنيق وَهُوَ مُخَالطَة النعاس للعين ثمَّ الْكرَى والغمض وَهُوَ أَن يكون الْإِنْسَان بَين النَّائِم وَالْيَقظَان ثمَّ الهجود والهجوع وَهُوَ النّوم الْغَرق.
وسمعان بِفَتْح السِّين. مَوضِع. وبارحاً بِالْمُوَحَّدَةِ والمهملة: فَاعل من برح الشَّيْء يبرح من بَاب تَعب براحاً: إِذا زَالَ من مَكَانَهُ. وطوال اللَّيَالِي بِفَتْح الطَّاء بِمَعْنى الطول بضمهما وَهُوَ مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة يُقَال: لَا ُأكَلِّمهُ طوال الدَّهْر وَطول الدَّهْر وهما بِمَعْنى يُرِيد إِنَّنِي مُقيم أبدا. وأو بِمَعْنى إِلَى أَو بِمَعْنى إِلَّا ويجيب مَنْصُوب بِأَن بعْدهَا. والصدى هُنَا بِمَعْنى مَا يبْقى من الْمَيِّت فِي قَبره وَمِنْه قَول النمر بن تولب الصَّحَابِيّ ﵁:
أعاذل إِن يصبح صداي بقفرةٍبَعيدا نآني صَاحِبي وقريبي
)
ترى أَن مَا أبقيت لم أك ربهوَأَن الَّذِي أنفقت كَانَ نَصِيبي
وَله معَان أخر: أَحدهمَا ذكر البوم ثَانِيهمَا: حشْوَة الرَّأْس يُقَال لذَلِك الهامة والصدى وَتَأْويل ذَلِك عِنْد الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة: أَن الرجل كَانَ عِنْدهم إِذا قتل فَلم يدْرك بِهِ الثأر أَنه يخرج من رَأسه طَائِر كالبومة وَهِي الهامة وَالذكر الصدى فَيَصِيح على قَبره: اسقوني اسقوني فَإِن قتل قَاتله كف ذَلِك الطَّائِر. قَالَ:
ياعمرو إِن لَا تدع شتمي ومنقصتيأضربك حَتَّى تَقول الهامة اسقوني
ثالثهما مَا يرجع عَلَيْك من الصَّوْت إِذا كنت بمتسع من الأَرْض أَو بِقرب جبل. رَابِعهَا: بِمَعْنى الْعَطش مصدر صدى يصدى. والصدأ بِالْهَمْزَةِ: صدأ الْحَدِيد وَمَا أشبهه كَذَا فِي وأبكيكما قَالَ الْأَصْمَعِي: بَكَيْت الرجل وبكيته بِالتَّشْدِيدِ كِلَاهُمَا إِذا بَكَيْت عَلَيْهِ. وَمَا اسْم اسْتِفْهَام مُبْتَدأ وَالَّذِي خَبره أَو بِالْعَكْسِ وَالْمعْنَى: أَي شَيْء الَّذِي يردهُ الْبكاء على ذِي اللوعة وَهِي الحرقة. وروى ذِي عولة وَهِي رفع الصَّوْت بالبكاء بِمَعْنى العويل. أَن بكاكما: بِفَتْح الْهمزَة مَصْدَرِيَّة ومؤولها فَاعل يرد وروى بِكَسْر الْهمزَة فَهِيَ شَرْطِيَّة وَالْجَوَاب مَدْلُول عَلَيْهِ بأبكيكما وفاعل يرد ضمير مَفْهُوم من أبكيكما وَهُوَ الْبكاء وَيجوز أَن يكون دلّ عَلَيْهِ قَوْله أَن بكاكما.
وَقَوله كأنكما. كَأَن هُنَا للتقريب وَجُمْلَة قد أتاكما خبر كَأَن وفاعل أَتَى ضمير الْمَوْت والظرفان متعلقان بِهِ وَجُمْلَة وَالْمَوْت أقرب غَائِب اعتراضية. وَالْعَقار بِالضَّمِّ: الْخمر.
والفدى بِكَسْر الْفَاء وَفتحهَا وبالقصر: مصدر فدَاه من الْأسر يفْدِيه: إِذا استنقذه بِمَال وَاسم ذَلِك المَال الْفِدْيَة وَهُوَ عوض الْأَسير وَأما الْفِدَاء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ فمصدر فاديته مفاداة وَفِدَاء: أخذت فديته وأطلقته وَقَالَ الْمبرد: المفاداة: أَن تدفع رجلا وَتَأْخُذ رجلا والفدى: أَن تشتريه وَقيل هما وَاحِد.
تَنْبِيه أورد أَبُو تَمام فِي الحماسة هَذِه الأبيات على غير هَذَا النمط وَقَالَ: ذكرُوا أَن رجلَيْنِ من بني أَسد خرجا إِلَى أَصْبَهَان فآخيا بهَا دهقاناً فِي مَوضِع يُقَال لَهُ راوند فَمَاتَ أَحدهمَا وَبَقِي الآخر والدهقان ينادمان قَبره ويشربان كأسين ويصبان على
قَبره كأساً فَمَاتَ الدهْقَان فَكَانَ الْأَسدي ينادم قبريهما وَيشْرب قدحاً وَيصب على قبريهما قدحين ويترنم بِهَذَا الشّعْر:) خليلي هبا طالما قد رقدتما......................... الْبَيْت
ألم تعلما مَا لي براوند كلهَاوَلَا بخزاق من صديق سواكما
أصب على قبريكما من مدامةفإلا تنالاها ترو جثاكما
أقيم على قبريكما.......................... الْبَيْت وأبكيكما حَتَّى الْمَمَات وَمَا الَّذِي............ الْبَيْت
جرى النّوم بَين الْجلد وَاللَّحم مِنْكُمَاكأنكما ساقي عقار سقاكما
وروى الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني بِسَنَدِهِ إِلَى يَعْقُوب بن السّكيت أَن هَذَا الشّعْر لعيسى بن قدامَة الْأَسدي قدم قاشان وَله نديمان فماتا فَكَانَ يجلس عِنْد قبريهما وهما براوند بِموضع يُقَال لَهُ خزاق فيشرب وَيصب على القبرين حَتَّى يقْضِي وطره ثمَّ ينْصَرف وينشد وَهُوَ يشرب. وروى مَا رَوَاهُ أَبُو تَمام وَزَاد عَلَيْهِ.
تحمل من يَبْغِي القفول وغادرواأَخا لَكمَا أشجاه مَا قد شجاكما
أناديكما كَيْمَا تجيبا وتنطقاوَلَيْسَ مجاباً صَوته من دعاكما
قضيت بِأَنِّي لَا محَالة هَالكوَأَنِّي سيعروني الَّذِي قد عراكما
وروى الْأَصْبَهَانِيّ أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الله بن صَالح البَجلِيّ أَنه قَالَ:
بَلغنِي أَن ثَلَاثَة نفرٍ من أهل الْكُوفَة كَانُوا فِي الْجَيْش الَّذِي وَجهه الْحجَّاج إِلَى الديلم وَكَانُوا يتنادمون وَلَا يخالطون غَيرهم وَإِنَّهُم لعلى ذَلِك إِذا مَاتَ أحدهم فدفنه صَاحِبَاه فَكَانَا يشربان عِنْد قَبره فَإِذا بلغه الكأس هراقاها على قَبره وبكيا. ثمَّ إِن الثَّانِي مَاتَ
فدفنه الْبَاقِي إِلَى جنب صَاحبه وَكَانَ يجلس عِنْد قبريهما فيشرب وَيصب كأسين عَلَيْهِمَا ويبكي وَيَقُول ثمَّ ذكر الأبيات الَّتِي تقدم ذكرهَا وَقَالَ مَكَان براوند: بقزوين قَالَ: وقبورهم هُنَاكَ تعرف بقبور الندماء.
قَالَ الْأَصْبَهَانِيّ: وَذكر الْعُتْبِي عَن أَبِيه أَن الشّعْر للحزين بن الْحَارِث أحد بني عَامر بن صعصعة وَكَانَ أحد نديميه من بني أَسد وَالْآخر من بني حنيفَة فَلَمَّا مَاتَ أَحدهمَا كَانَ يشرب وَيصب على قَبره وَيَقُول:
لَا تصرد هَامة من كأسهاواسقه الْخمر وَإِن كَانَ قبر
كَانَ حرا فهوى فِيمَن هوىكل عودٍ ذِي شعوبٍ ينكسر
ثمَّ مَاتَ الآخر فَكَانَ يشرب على قبريهما وَيَقُول:)
وَأما أَبُو عبيد فِي مُعْجم مَا استعجم وَيَاقُوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ فقد نسبا هَذِه الأبيات للأسدي وذكرا حكايته كَأبي تَمام ثمَّ قَالَ ياقوت: وَقَالَ بَعضهم: إِن هَذَا الشّعْر لقس بن سَاعِدَة فِي خليلين لَهُ كَانَا وَمَاتَا.
وَقَالَ آخَرُونَ هَذَا الشّعْر لنصر بن غَالب يرثي بِهِ أَوْس بن خَالِد وأنيسا وَزَاد فِي الأبيات وَنقص وَهَذِه رِوَايَته بعد الْبَيْت الأول:
أجدكما مَا ترثيان لموجعحزينٍ على قبريكما قد رثاكما
جرى النّوم بَين الْعظم وَالْجَلد مِنْكُمَا............ الْبَيْت ألم تعلما مَالِي براوند كلهَا..................... الْبَيْت
أصب على قبريكما من مدامةٍفإلا تذوقاها ترو ثراكما
ألم ترحماني أنني صرت مُفرداوَأَنِّي مشتاقٌ إِلَى أَن أراكما
فَإِن كنتما لَا تسمعان فَمَا الَّذِيخليلي عَن سمع الدُّعَاء نهاكما
أقيم على قبريكما لست بارحا....................... الْبَيْت
وأبكيكماطول الْحَيَاة وَمَا الَّذِي....................... الْبَيْت قَالَ ياقوت راوند: بليدَة قرب قاشان وأصفهان قَالَ حَمْزَة: أَصْلهَا راهاوند وَمَعْنَاهَا الْخَيْر المضاعف. قَالَ بَعضهم: وراوند مَدِينَة بالموصل قديمَة بناها راوند الْأَكْبَر بن بيوراسف الضَّحَّاك.
وخزاق: بِضَم الْخَاء وبالزاي المعجمتين وَآخره قَاف: مَوضِع فِي سَواد أضفهان. كَذَا فِي المعجم لأبي عبيد وَأنْشد هَذَا الْبَيْت. وَرَأَيْت فِي هامشه بِخَط من يوثق بِهِ: خزاق اسْم قَرْيَة من قرى راوند من أَعمال أصفهان. والجثا بِضَم الْجِيم وبالثاء الْمُثَلَّثَة: جمع جثوَة مُثَلّثَة الْجِيم وَهِي الْحِجَارَة الْمَجْمُوعَة والجسد. والدهقان مُعرب دهجان وَمَعْنَاهُ رَئِيس الْقرْيَة وَفِي الْقَامُوس: الدهْقَان بِالْكَسْرِ وَالضَّم زعيم فلاحي الْعَجم وَرَئِيس الإقليم مُعرب.
وَقَوله ألم تعلما مَالِي: مَا نَافِيَة قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: استعملها بعد الْعلم وَهِي مقتضية لمفعوليها لما دَخلهَا من معنى الْقسم فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَالله مَالِي براوند من صديق غيركما وَجَاز اسْتِعْمَال الْعلم فِي مَوضِع الْقسم من حَيْثُ كَانَا مثبتين مؤكدين. انْتهى.
وَقس بن سَاعِدَة إيادي بِكَسْر الْهمزَة وإياد حَيّ من معد بن عدنان. قَالَ الذَّهَبِيّ: قس بن)
سَاعِدَة أوردهُ ابْن شاهين وعبدان فِي الصَّحَابَة. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة: ذكره أَبُو عَليّ بن السكن وَابْن شاهين وعبدان الْمروزِي وَأَبُو مُوسَى فِي الصَّحَابَة وَصرح ابْن السكن بِأَنَّهُ مَاتَ قبل الْبعْثَة.
وَفِي سيرة ابْن سيد النَّاس بِسَنَدِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس قَالَ: قدم الْجَارُود بن عبد الله وَكَانَ سيداً فِي قومه على رَسُول الله ﷺ َ فَقَالَ: وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ
لقد وجدت صِفَتك فِي الْإِنْجِيل وَلَقَد بشر بك ابْن البتول فَأَنا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك مُحَمَّد رَسُول الله. قَالَ: فَآمن الْجَارُود وَأمن من قومه كل سيد. فسر النَّبِي ﷺ َ بهم وَقَالَ: يَا جارود هَل فِي جمَاعَة وَفد عبد الْقَيْس من يعرف لنا قساً قَالُوا: كلنا نعرفه يَا رَسُول الله وَأَنا من بَين يَدي الْقَوْم كنت أقفو أَثَره كَانَ من أَسْبَاط الْعَرَب فصيحاً عمر سَبْعمِائة سنة أدْرك من الحواريين سمْعَان فَهُوَ أول من تأله من الْعَرَب أَي: تعبد كَأَنِّي أنظر إِلَيْهِ يقسم بالرب الَّذِي هُوَ لَهُ ليبلغن الْكتاب أَجله وليوفين كل عَامل عمله ثمَّ أنشأ يَقُول:
هاج للقلب من جواه ادكاروليالٍ خلالهن نَهَار
فِي أَبْيَات آخرهَا:
وَالَّذِي قد ذكرت دلّ على اللهنفوساً لَهَا هدى وَاعْتِبَار
فَقَالَ النَّبِي ﷺ َ: على رسلك ياجارود فلست أنساه بسوق عكاظ على جمل أَوْرَق وَهُوَ يتَكَلَّم بِكَلَام مَا أَظن أَنِّي أحفظه. فَقَالَ أَبُو بكر ﵁: يَا رَسُول الله فَإِنِّي أحفظه: كنت حَاضرا ذَلِك الْيَوْم بسوق عكاظ فَقَالَ فِي خطبَته: يَا أَيهَا النَّاس اسمعوا وعوا فَإِذا وعيتم فانتفعوا إِنَّه من عَاشَ مَاتَ وَمن مَاتَ فَاتَ وكل مَا هُوَ آتٍ أت.. إِلَى آخر مَا أوردهُ من الْوَعْظ.
وَالَّذِي فِي كتاب المعمرين لأبي حَاتِم السجسْتانِي: عَاشَ قس بن سَاعِدَة ثلثمِائة وَثَمَانِينَ سنة وَقد أدْرك نَبينَا ﷺ َ وَسمع النَّبِي ﷺ َ حكمته وَهُوَ أول من آمن بِالْبَعْثِ من أهل الْجَاهِلِيَّة وَأول من توكأ على عَصا وَأول من قَالَ أما بعد. وَكَانَ من حكماء الْعَرَب. وَهُوَ أول من كتب من فلَان إِلَى فلَان ابْن فلَان.
وَقَالَ المرزباني: ذكر كثير من أهل الْعلم أَنه عَاشَ سِتّمائَة سنة.
وَذكر الجاحظ فِي الْبَيَان والتبيين قساً وَقَومه وَقَالَ: إِن لَهُ ولقومه فَضِيلَة لَيست لأحد من الْعَرَب)
لِأَن رَسُول الله ﷺ َ روى كَلَامه وموقفه على جمله بعكاظ وموعظته. وَعجب من حسن كَلَامه وَأظْهر تصويبه. وَهَذَا شرف تعجز عَنهُ الْأَمَانِي وتنقطع دونه الآمال. وَإِنَّمَا وفْق الله ذَلِك لقس لاحتجاجه للتوحيد ولإظهار الْإِخْلَاص وإيمانه بِالْبَعْثِ وَمن ثمَّ كَانَ قس خطيب الْعَرَب قاطبة.
وَفِي نسبه خلاف. فَقيل قس بن سَاعِدَة بن حذافة بن زفر وَقيل حذافة بن زهر بن إياد بن نزار.
وَقيل هُوَ قس بن سَاعِدَة بن عَمْرو بن عدي بن مَالك بن ايدعان بن النمر بن وَاثِلَة بن الطشان بن عوذ بن مَنَاة بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن إياد. وَقيل: هُوَ ابْن سَاعِدَة بن عَمْرو بن شمر بن عدي بن مَالك وَالله أعلم.
وَأنْشد بعده:
أحقاً بني أَبنَاء سلمى بن جندلتهددكم إيَّايَ وسط الْمجَالِس
على أَن حَقًا ظرف مَنْصُوب بِتَقْدِير فِي.
وَتقدم شَرحه فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالسِّتِّينَ من بَاب الْمُبْتَدَأ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع