من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّمَانُون
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد الرَّابِع وَالثَّمَانُونَ إِذا الدَّاعِي المثوب قَالَ يالا وصدره: فخيرٌ نَحن عِنْد الْبَأْس مِنْكُم
على أَن اللَّام خلطت ب يَا أَرَادَ أَنه خلطت لَام الاستغاثة الجارة ب يَا حرف النداء وجعلتا كالكلمة الْوَاحِدَة وحكيتا كَمَا تحكى الْأَصْوَات وَصَارَ الْمَجْمُوع شعاراً للاستغاثة.
قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره: وَقَوله يالا أَرَادَ يَا لبني فلَان يُرِيد حِكَايَة الصَّارِخ المستغيث. وَهَذَا مَذْهَب أبي عَليّ أَيْضا وَأَتْبَاعه وَالْأَصْل عِنْدهم يَا لبني فلَان أَو يَا لفُلَان فَحذف مَا بعد لَام الاستغاثة كَمَا يُقَال: أَلا تا فَيُقَال: أَلا فا يُرِيدُونَ: أَلا تَفعلُوا وَألا فافعلوا. وَهَذَا أحد مَذَاهِب ثَلَاثَة فِيهِ.
ثَانِيهَا: أَن المنادى والمنفي بِلَا محذوفان أَي: يَا قوم لَا تغدوا. ذكره ابْن مَالك فِي شرح التسهيل وَابْن هِشَام فِي الْمُغنِي.
ثالثهما: أَنه بَقِيَّة يَا آل فلَان وَهُوَ مَذْهَب الْكُوفِيّين قَالُوا فِي يَا لزيد: أَصله يَا آل زيد فحذفت همزَة آل للتَّخْفِيف وَإِحْدَى الْأَلفَيْنِ لالتقاء الساكنين وَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْبَيْت وَقَالُوا: لَو كَانَت اللَّام جَارة لما جَازَ الِاقْتِصَار عَلَيْهَا. قَالَ الشَّارِح الْمُحَقق: وَهُوَ ضَعِيف لِأَنَّهُ يُقَال ذَلِك فِيمَا لَا آل لَهُ نَحْو: يَا لله وَيَا للدواهي وَنَحْوهمَا.
وَأجَاب ابْن جني فِي الخصائص عَن دليلهم بقوله: فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ تَعْلِيق حرف الْجَرّ قلت لما خلط ب يَا صَار كالجزء مِنْهَا وَلذَلِك شبه أَبُو عَليّ أَلفه الَّتِي قبل اللَّام بِأَلف بابٍ ودارٍ فَحكم عَلَيْهَا بالانقلاب وَحسن الْحَال أَيْضا شيٌ آخر: وَهُوَ تشبث اللَّام الجارة بِأَلف الْإِطْلَاق فَصَارَت كَأَنَّهَا معاقبة للمجرورة أَلا ترى أَنَّك لَو أظهرت ذَلِك الْمُضَاف إِلَيْهِ وَقلت: يَا لبني فلَان لم يجز إِلْحَاق الْألف هُنَا فِي منابها عَمَّا كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون بمكانها مجْرى ألف الْإِطْلَاق فِي منابها عَن تَاء التَّأْنِيث فِي نَحْو قَوْله:
ولاعب بالْعَشي بني بنيهكَفعل الهر يحترش العظايا
وَكَذَلِكَ نابت وَاو الْإِطْلَاق فِي قَوْله: فِيمَن رفع كلا عَن الضَّمِير الَّذِي يُرَاد فِي عَارِف. وكما نَاب التَّنْوِين فِي نَحْو يومئذٍ.)
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر من الخصائص: وسألني أَبُو عَليّ عَن ألف يَا من قَوْله يَا لَا فِي هَذَا الْبَيْت فَقَالَ: أمنقلبة هِيَ قلت: لَا لِأَنَّهَا فِي حرف فَقَالَ: بل هِيَ منقلبة فاستدللته على ذَلِك فاعتصم بِأَنَّهَا قد خلطت بِاللَّامِ بعْدهَا ووقفت عَلَيْهَا فَصَارَت اللَّام كَأَنَّهَا جُزْء مِنْهَا فَصَارَت يال بِمَنْزِلَة قَالَ وَالْألف فِي مَوضِع الْعين وَهِي مَجْهُولَة فَيَنْبَغِي أَن يحكم بالانقلاب عَن الْوَاو.
وَهَذَا أجمل مَا قَالَه وَللَّه هُوَ وَعَلِيهِ رَحمته فَمَا كَانَ أقوى قِيَاسه وَأَشد بِهَذَا الْعلم اللَّطِيف الشريف أنسه وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ مخلوقاً لَهُ وَكَيف لَا يكون كَذَلِك وَقد أَقَامَ على هَذِه الطَّرِيقَة مَعَ جلة أَصْحَابهَا وأعيان شيوخها سبعين سنة زائحةً علله سَاقِطَة مِنْهُ كلفه لَا يعتاقه عَنهُ ولد وَلَا يُعَارضهُ فِيهِ متجر وَلَا يسوم بِهِ
مطلباً وَلَا يخْدم بِهِ رَئِيسا إِلَّا بِأخرَة وَقد حط من أثقاله وَألقى عَصا ترحاله: ثمَّ إِنِّي لَا أَقُول إِلَّا حَقًا إِنِّي لأعجب من نَفسِي فِي وقتي هَذَا كَيفَ تطوع لي بِمَسْأَلَة أم كَيفَ تطمح بِي إِلَى انتزاع عِلّة مَعَ مَا الْحَال عَلَيْهِ من علق الْوَقْت وأشجانه وتذاؤبه وخلج أشطانه وَلَوْلَا مساورة الْفِكر واكتداده لَكُنْت عَن هَذَا الشَّأْن بمعزل وبأمر سواهُ على شغل.
وَللَّه دره فَكَأَنَّمَا رمى عَن قوسي وَتكلم عَن نَفسِي. وَالله المشكور فِي كل حَال وَهُوَ غَنِي وَقَوله: فخيرٌ نَحن عِنْد الْبَأْس مِنْكُم قد تكلم النَّاس على إعرابه قَدِيما وحديثاً لاسيما أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فَإِنَّهُ تكلم عَلَيْهِ فِي أَكثر كتبه. قَالَ: فِي التَّذْكِرَة القصيرة: سَأَلت عَن هَذَا الْبَيْت ابْن الْخياط والمعمري فَلم يجيبا إِلَّا بعد مُدَّة قَالَا: لَا يَخْلُو من أَن يكون نَحن ارْتَفع بِخَبَر أَو بِالِابْتِدَاءِ وَيكون خيرٌ الْخَبَر أَو يكون تَأْكِيدًا للضمير الَّذِي فِي خير والمبتدأ مَحْذُوف أَي: نَحن خير لَا جَائِز أَن يرْتَفع بِخَير لِأَن خيرا لَا يرفع الْمظهر الْبَتَّةَ وَلَا مُبْتَدأ للُزُوم الْفَصْل بالأجنبي بَين أفعل وَبَين من وَهُوَ غير جَائِز فَثَبت أَن نَحن تَأْكِيد للضمير فِي خير.
وَقد أجمل كَلَامه هُنَا وفصله فِي الْمسَائِل المشكلة الْمَعْرُوفَة بالبغداديات. وَبعد أَن منع كَون نَحن مُبْتَدأ وَخير خَبرا قَالَ: عِنْدِي فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا أَن يكون قَوْله خير خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: نَحن خير عِنْد الْبَأْس مِنْكُم فَنحْن على هَذَا فِي الْبَيْت لَيْسَ بمبتدأ لكنه تَأْكِيد لما فِي خير من ضمير الْمُبْتَدَأ الْمَحْذُوف وَحسن هَذَا التَّأْكِيد لِأَنَّهُ حذف الْمُبْتَدَأ من اللَّفْظ وَلم يَقع الْفَصْل بِشَيْء أَجْنَبِي بل بِمَا هُوَ مِنْهُ
وَقد وَقع الْفَصْل بالفاعل بَين الصِّلَة وموصولها فِي نَحْو قَوْلهم: مَا من أَيَّام أحب إِلَى الله فِيهَا الصَّوْم مِنْهُ فِي عشر ذِي الْحجَّة وَكَانَ ذَلِك حسنا سائغاً. فَإِذا سَاغَ كَانَ)
التَّأْكِيد أسوغ لِأَنَّهُ قد يحسن حَيْثُ لَا يحسن غَيره من الْأَسْمَاء.
وَقَالَ فِي الْإِيضَاح الشعري فِي هَذَا الْوَجْه بعد أَن قَالَ: وَنحن الظَّاهِر تَأْكِيد للضمير الَّذِي فِي خير على الْمَعْنى: كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون على لفظ الْغَيْبَة وَلَكِن جَاءَ بِهِ على الأَصْل نَحْو نَحن فعلنَا ويدلك على أَنه كَانَ يَنْبَغِي أَن يَجِيء على لفظ الْغَيْبَة: أَن أَبَا عُثْمَان قَالَ: فِي الْإِخْبَار عَن الضَّمِير الَّذِي فِي منطلق من قَوْله: أَنْت منطلق إِذا أخْبرت عَن الضَّمِير الَّذِي فِي منطلق من قَوْلك أَنْت منطلق لم يجز لِأَنَّك تجْعَل مَكَانَهُ ضميراً يرجع إِلَى الَّذِي وَلَا يرجع إِلَى الْمُخَاطب فَيصير الْمُخَاطب مُبْتَدأ لَيْسَ فِي خَبره مَا يرجع إِلَيْهِ.
فَهَذَا من قَوْله يدل على أَن الضَّمِير وَإِن كَانَ للمخاطب فِي أَنْت منطلق فَهُوَ على لفظ الْغَيْبَة وَلَوْلَا ذَلِك لم يصلح أَن يرجع إِلَى الَّذِي. على أَن هَذَا من كَلَامهم مثل أَنْتُم تذهبون وَاسم الْفَاعِل أشبه بالمضارع مِنْهُ بالماضي فَلذَلِك جعله مثله وَلم يَجعله مثل الْمَاضِي فِي أَنْتُم فَعلْتُمْ.
ثمَّ قَالَ فِي البغداديات: القَوْل الثَّانِي: أَن يَجْعَل خير صفة مُقَدّمَة يقدر ارْتِفَاع نَحن بِهِ كَمَا يُجِيز أَبُو الْحسن فِي: قَائِم الزيدان أَن ارْتِفَاع الزيدان بقائم. فَلَا يَقع على هَذَا أَيْضا فصلٌ بِشَيْء يكره وَلَا يجوز لِأَن نَحن على هَذَا مُرْتَفع بِخَبَر. إِلَّا أَن ذَا قَبِيح لِأَن خيرا وبابه لَا يعْمل عمل الْفِعْل إِذا جرى على موصوفه وإعماله فِي الظَّاهِر مُبْتَدأ غير جارٍ على شَيْء أقبح وَأَشد امتناعاً.
وَالْوَجْه الأول حسن سَائِغ.
قَالَ فِي الْإِيضَاح: فَإِذا جَازَ ذَلِك فِيمَا ذَكرْنَاهُ أَي: الْوَجْه الأول لم يكن فِيمَا حمل أَبُو الْحسن عَلَيْهِ الْبَيْت من الظَّاهِر دلَالَة على إجَازَة نَحْو: الْخَلِيفَة أحب إِلَيْهِ يحيى من جَعْفَر حَتَّى يَقُول: الْخَلِيفَة يحيى أحب إِلَيْهِ من جَعْفَر أَو أحب إِلَيْهِ من جَعْفَر يحيى على مَا أجَازه سِيبَوَيْهٍ فِي: مَا رَأَيْت رجلا أحسن فِي عينه الْكحل مِنْهُ فِي عين زيد فَلَا يفصل بَينهمَا بِمَا هُوَ أَجْنَبِي مِنْهُمَا.
ثمَّ قَالَ فِي البغداديات: فَإِن قَالَ قَائِل: أَيجوزُ أَن يكون فخيرٌ خَبرا مقدما لما
بعده وَهُوَ نَحن وَيكون مِنْكُم غير صلَة وَلكنهَا ظرف كَقَوْلِه: وَلست بِالْأَكْثَرِ مِنْهُم حَصى وَتَقْدِيره: وَلست بِالْأَكْثَرِ فيهم لَا على حد: هُوَ أفضل من زيد أَلا ترى أَن الْألف وَاللَّام تعاقب من هُنَا فَالْجَوَاب: أَنه بعيد وَلَيْسَ الْمَعْنى عَلَيْهِ إِنَّمَا يُرِيد: نَحن خير مِنْكُم وَأَن الْفَزع إِلَيْنَا والاستغاثة)
بِنَا نسد مَا لَا تسدون ونمنع من الثغور مَالا تمْنَعُونَ. أَلا ترى أَن مَا بعد هَذَا الْبَيْت:
وَلم تثق الْعَوَاتِق من غيوربغيرته وخلين الحجالا
وَقَوله: عِنْد الْبَأْس الْعَامِل فِيهِ خير وَلَا يجوز أَن يكون مُتَعَلقا بالمبتدأ الْمَحْذُوف على أَلا يكون التَّقْدِير: فَنحْن خير عِنْد الْبَأْس مِنْكُم يُرِيد: نَحن عِنْد الْبَأْس خير مِنْكُم لِأَنَّك إِن نزلته هَذَا التَّنْزِيل فصلت بَين الصِّلَة والموصول بِمَا هُوَ أَجْنَبِي مِنْهُمَا ومتعلق بِغَيْرِهِمَا وَإِذا قدرت اتِّصَاله بِخَير والْبَأْس بِالْمُوَحَّدَةِ لَا بالنُّون وَهُوَ الشدَّة وَالْقُوَّة. والداعي من دَعَوْت زيدا: إِذا ناديته وَطلبت إقباله. والمثوب اسْم فَاعل من ثوب قَالَ أَبُو زيد: هُوَ الَّذِي يَدْعُو النَّاس يستنصرهم وَالْأَصْل فِيهِ: أَن المستغيث إِذا كَانَ بَعيدا يتعرى ويلوح بِثَوْبِهِ رَافعا صَوته ليرى فيغاث.
ووثق مِنْهُ وَبِه: اطْمَأَن إِلَيْهِ وَقَوي قلبه. وَجُمْلَة لم تثق معطوفة على مَدْخُول إِذا وَكَذَلِكَ جملَة خلين الحجالا والْعَوَاتِق: جمع عاتق وَهِي الَّتِي خرجت عَن خدمَة أَبَوَيْهَا وَعَن أَن يملكهَا الزَّوْج. والغيور: من غَار الرجل على حريمه يغار من بَاب تَعب غيرَة بِالْفَتْح فَهُوَ غيور وغيران وَهِي غيور أَيْضا وغيرى. وخلين متعدي خلا الْمنزل من أَهله يَخْلُو خلوا وخلاء فَهُوَ خالٍ. وصحفه بَعضهم بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالبناء للْمَجْهُول على أَنه من التحلية وَهُوَ التزيين. والحجال بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة: جمع حجلة بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ بَيت كالقبة يستر بالثياب وَيكون لَهُ أزرار كبار كَذَا فِي النِّهَايَة.
وَزَاد فِي الْقَامُوس أَنه للعروس: وَأَخْطَأ بَعضهم حَيْثُ قَالَ: هُوَ جمع حجل بِمَعْنى الخلخال وَهَذَا لَا يُنَاسب الْمقَام مَعَ أَنه لَا يجمع على حجال وَإِنَّمَا يجمع على حجول وأحجال. يُرِيد أَنَّهُنَّ فِي يَوْم فزع أَو غَارة لَا يثقن بِأَن يحميهن الْأزْوَاج والآباء وَالإِخْوَة فَنحْن عِنْدهن أوثق مِنْكُم.
وَهَذَانِ البيتان نسبهما أَبُو زيد فِي نوادره لزهير بن مَسْعُود الضَّبِّيّ.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع