من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّمَانُونَ:
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد السَّابِع وَالثَّمَانُونَ:
أَيهَا المنكح الثريا سهيلاعمرك الله كَيفَ يَلْتَقِيَانِ
على أَن عمرك الله يسْتَعْمل فِي الْقسم السؤالي وَيكون جَوَابه مَا فِيهِ الطّلب وَهُوَ هُنَا جملَة كَيفَ يَلْتَقِيَانِ فَإِن الِاسْتِفْهَام طلب الْفَهم وَهُوَ هُنَا تعجبي. خلافًا للجوهري فِي هَذَا فَإِنَّهُ زعم أَن عمرك الله هُنَا فِي غير الْقسم.
وَهَذَانِ البيتان من قصيدة لعمر بن أبي ربيعَة.
والمنكح: اسْم فَاعل من أنكحه أَي: زوجه. واستقل ارْتَفع. والثريا هِيَ بنت عَليّ بن عبد الله بن الْحَارِث بن أُميَّة الْأَصْغَر وهم العبلات.
وَكَانَت الثريا وَأُخْتهَا عَائِشَة أعتقتا الْغَرِيض الْمُغنِي واسْمه عبد الْملك ويكنى أَبَا يزِيد كَذَا قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شَرحه: والعبلات هم بَنو أُميَّة الْأَصْغَر بن عبد شمس وَبَنُو عبد شمس: أُميَّة وَعبد أُميَّة وَنَوْفَل أَبنَاء عبد شمس نسبوا إِلَى أمّهم عبلة بنت عبيد بن جادل بن قيس بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم. وَهِي من البراجم.
وَرَأَيْت فِي كتب اللَّهْو لبن جرادبة أَن كنيته أَبُو زيد وَقَالَ: هُوَ من مولدِي البربر يضْرب الْعود أَخذ الْغناء عَن ابْن سُرَيج ثمَّ حسده فطرده وَكَانَ جميلاً وربته الثريا وعلمته النوح بالمراثي)
على من قَتله يزِيد بن مُعَاوِيَة يَوْم الْحرَّة.
وَقيل إِن الثريا بنت عبد الله بن الْحَارِث بن أُميَّة الْأَصْغَر.
وَذكر الزبير بن بكار أَنَّهَا الثريا بنت عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْحَارِث ابْن أُميَّة الْأَصْغَر وَأَنَّهَا أُخْت مُحَمَّد بن عبد الله الْمَعْرُوف بِأبي جراب العبلي الَّذِي قَتله دَاوُد بن عَليّ كَذَا فِي الْغرَر والدرر للشريف.
وَأما سُهَيْل: فَهُوَ سُهَيْل بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الزُّهْرِيّ. وكنيته أَبُو الْأَبْيَض. وَأمه بنت يزِيد بن سَلامَة ذِي فائش الْحِمْيَرِي. تزوج الثريا ونقلها إِلَى
مصر. فَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة يضْرب لَهَا الْمثل بالكوكبين. فَكَانَ يشبب بهَا وَقَالَ فِيهَا أشعاراً. وَكَانَت تصيف فِي الطَّائِف فَكَانَ عمر يَغْدُو بفرسه كل غَدَاة فيسائل الَّذين يحملون الْفَاكِهَة عَن أَخْبَارهَا فَسَأَلَ بَعضهم يَوْمًا فَقَالَ: لَا أعلم خَبرا غير أَنِّي سَمِعت عِنْد رحيلنا صَوتا وصياحاً على امْرَأَة من قُرَيْش اسْمهَا اسْم نجم ذهب عني اسْمه. قَالَ عمر: الثريا قَالَ: نعم وَكَانَ قد بلغه أَنَّهَا عليلة فركض فرسه من أقرب الطَّرِيق حَتَّى انْتهى إِلَيْهَا وَهِي تشرف من ثنية فَوَجَدَهَا سليمَة وَمَعَهَا أُخْتهَا فَأَخْبرهَا الْخَبَر فَضَحكت وَقَالَت: أَنا وَالله أَمرتهم لأخبر مَا عنْدك وَلما تزوج عمر هجرته الثريا وغضبت عَلَيْهِ فَقَالَ:
قَالَ لي صَاحِبي ليعلم مَا بِي:أَتُحِبُّ القتول أُخْت الربَاب
قلت: وجدي بهَا كوجدك بالماء إِذا مَا منعت برد الشَّرَاب
ثمَّ تزَوجهَا سُهَيْل الْمَذْكُور وَحملهَا إِلَى مصر وَكَانَ عمر غَائِبا فَلَمَّا بلغه قَالَ:
أَيهَا الطارق الَّذِي قد عنانيبعد مَا نَام سامر الركْبَان
زار من نازح بِغَيْر دَلِيليتخطى إِلَيّ حَتَّى أَتَانِي
إِلَى أَن قَالَ: أَيهَا المنكح الثريا سهيلا..... الْبَيْتَيْنِ وَزعم بَعضهم أَن سهيلا هُوَ ابْن عبد الْعَزِيز بن مَرْوَان. وَالصَّحِيح الأول. ثمَّ
سَار إِلَى الْمَدِينَة وَكتب إِلَيْهَا:
كتبت إِلَيْك من بلديكتاب مولهٍ كمد
كثيب واكف الْعينين بالحسرات مُنْفَرد
)
يؤرقه لهيب الشوق بَين السحر والكبد
فَيمسك قلبه بيدوَيمْسَح عينه بيد
فَلَمَّا قرأته بَكت بكاء شَدِيدا ثمَّ تمثلت:
بنفسي من لَا يسْتَقلّ بِنَفسِهِوَمن هُوَ إِن لم يرحم الله ضائع
وكتبت إِلَيْهِ تَقول:
فقرطاسه قوهية ورباطهبعقدٍ من الْيَاقُوت صافٍ وجوهر
وَفِي صَدره: مني إِلَيْك تحيةٌلقد طَال تهيامي بكم وتذكري
وعنوانه: من مستهامٍ فُؤَادهإِلَى هائمٍ صب من الْحزن مسعر
رُوِيَ أَن الثريا وعدته لَيْلَة أَن تزوره فَجَاءَت فِي الْوَقْت الَّذِي وعدته فِيهِ فصادفت أَخَاهُ الْحَارِث بن ربيعَة قد طرقه وَأقَام عِنْده وَوجه بِهِ فِي حَاجَة ونام مَكَانَهُ وغطى وَجهه بِثَوْبِهِ فَلم يشْعر إِلَّا وَقد أَلْقَت نَفسهَا عَلَيْهِ تقبله فانتبه وَجعل يَقُول: اغربي عني فلست بالفاسق أخزاكما الله فَانْصَرَفت. وَرجع عمر فَأخْبرهُ الْحَارِث بذلك فاغتنم على مَا فَاتَهُ مِنْهَا وَقَالَ: وَالله لَا تمسك النَّار أبدا وَقد أَلْقَت نَفسهَا عَلَيْك فَقَالَ: عَلَيْك وَعَلَيْهَا لعنة الله.
وَحكم لَهُ بَين الثريا وَسُهيْل تورية لَطِيفَة فَإِن الثريا يحْتَمل الْمَرْأَة الْمَذْكُورَة وَهُوَ الْمَعْنى الْبعيد المورى عَنهُ وَهُوَ المُرَاد وَيحْتَمل ثريا السَّمَاء وَهُوَ الْمَعْنى الْقَرِيب المورى بِهِ. وَسُهيْل يحْتَمل الرجل الْمَذْكُور وَهُوَ الْمَعْنى الْبعيد المورى عَنهُ وَهُوَ المُرَاد وَيحْتَمل النَّجْم الْمَعْرُوف بسهيل. فَتمكن للشاعر أَن ورى بالنجمين عَن الشخصين ليبلغ من الْإِنْكَار على من جمع بَينهمَا مَا أَرَادَ. وَهَذِه أحسن تورية وَقعت فِي شعر الْمُتَقَدِّمين.
وَفِي شرح بديعية العميان لِابْنِ جَابر: لَا يُقَال إِن التورية فِي الثريا مرشحة بقوله شامية إِذْ لَيست من لَوَازِم المورى بِهِ وَلَا مبينَة إِذْ لَيست من لَوَازِم المورى إِذْ الْمَرْأَة شامية الدَّار والنجم أَيْضا شَامي فاشتركا فِي ذَلِك وَلَا يكون الترشيح والتبيين إِلَّا بِلَازِم خاصي. وَكَذَلِكَ التورية فِي سُهَيْل لَا يُقَال إِنَّهَا مرشحة وَلَا مبينَة بيمانٍ إِذْ هُوَ صفة مُشْتَركَة بَينهمَا لن سهيلاً الَّذِي هُوَ رجل يمَان كسهيل الَّذِي هُوَ النَّجْم. وَسبب هذَيْن: أَن سهيلاً الْمَذْكُور تزوج الثريا الْمَذْكُورَة وَكَانَ بَينهمَا بون بعيد فِي الْخلق: كَانَت الثريا مَشْهُورَة فِي زمانها بالْحسنِ وَالْجمال وَكَانَ سُهَيْل قَبِيح المنظر وَهَذَا مُرَاده بقوله: عمرك الله كَيفَ يَلْتَقِيَانِ أَي: كَيفَ يَلْتَقِيَانِ مَعَ تفَاوت مَا بَينهمَا فِي)
الْحسن والقبح انْتهى.
وَعمر: هُوَ عمر بن عبد الله سَمَّاهُ بِهِ رَسُول الله ﷺ َ وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة يُسمى بحيرا بِفَتْح الْمُوَحدَة وَكسر الْمُهْملَة ابْن أبي ربيعَة واسْمه حُذَيْفَة وَكَانَ يلقب بِذِي الرمحين ابْن الْمُغيرَة بن عبد الله بن عمر بن مَخْزُوم المَخْزُومِي.
ويكنى عمر أَبَا الْخطاب. وَأَبُو جهل بن هِشَام بن الْمُغيرَة ابْن عَم أَبِيه. وَأم عمر بن الْخطاب حنتمة بنت هِشَام بن الْمُغيرَة بنت عَم أَبِيه. وَإِخْوَته عبد الله
وَعبد الرَّحْمَن والْحَارث بَنو عبد الله.
وَكَانَ عبد الرَّحْمَن أَخُوهُ تزوج أم كُلْثُوم بنت أبي بكر الصّديق بعد طَلْحَة وَولدت لَهُ. وأعقب وَلم يكن فِي قُرَيْش أشعر من عمر. وَهُوَ كثير الْغَزل والنوادر والمجون يُقَال: من أَرَادَ رقة الْغَزل فَعَلَيهِ بِشعر عمر بن أبي ربيعَة.
ولد لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لأَرْبَع بَقينَ من ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَعشْرين وَهِي اللَّيْلَة الَّتِي مَاتَ فِيهَا عمر بن الْخطاب ﵁ فَسُمي باسمه.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة: كَانَ عمر فَاسِقًا يتَعَرَّض لِنسَاء الْحَاج ويشبب بِهن. فنفاه عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى دهلك. ثمَّ غزا فِي الْبَحْر فأحرقت السَّفِينَة الَّتِي كَانَ فِيهَا فَاحْتَرَقَ هُوَ وَمن كَانَ مَعَه.
وَفِي الأغاني بِسَنَدِهِ أَنه نظر فِي الطّواف امْرَأَة شريفة فكلمها فَلم تجبه فَقَالَ:
الرّيح تسحب أذيالاً وتنشرهايَا لَيْتَني كنت مِمَّن تسحب الرّيح
فِي أَبْيَات. فَلَمَّا بلغتهَا جزعت جزعاً شَدِيدا. فَقيل لَهَا: اذكريه لزوجك واشكيه. قَالَت: وَالله مَا أشكوه إِلَّا لله اللَّهُمَّ إِن كَانَ نوه باسمي ظَالِما فاجعله طَعَاما للريح.
فَعدا يَوْمًا على فرس فَهبت ريح فَنزل فاستتر بشجرة فعصفت الرّيح فخدشه غُصْن مِنْهَا فَمَاتَ على ذَلِك.
وَكَانَ ذَلِك سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَقد قَارب السّبْعين أَو جاوزها. وَقيل عَاشَ ثَمَانِينَ سنة.
وترجمته فِي الأغاني طَوِيلَة.
فَإِنَّمَا هِيَ إقبال وإدبار تقدم شَرحه فِي الشَّاهِد السّبْعين فِي بَاب الْمُبْتَدَأ.
وَأنْشد بعده وَهُوَ)
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع