من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد التِّسْعُون
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد التِّسْعُونَ وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
إِنِّي لأمنحك الصدود وإننيقسما إِلَيْك مَعَ الصدود لأميل
على أَن قسما تَأْكِيد للحاصل من الْكَلَام السَّابِق بِسَبَب إِن وَاللَّام يَعْنِي أَن قسما تأكيدٌ لما فِي قَوْله: وإنني مَعَ الصدود لأميل إِلَيْك: من معنى الْقسم لما فِيهِ من التَّحْقِيق والتأكيد من إِن وَلَام التَّأْكِيد فَلَمَّا كَانَ فِي الْجُمْلَة مِنْهُمَا تَحْقِيق وَالْقسم أَيْضا تَحْقِيق صَار كَأَنَّهُ قَالَ: أقسم قسما.
وَقَالَ ابْن خلف: الشَّاهِد فِيهِ أَنه جعل قسما تَأْكِيدًا لقَوْله: وإنني إِلَيْك لأميل وَقَوله وإنني إِلَيْك لأميل جَوَاب قسم فَجعل قسما تَأْكِيدًا لما هُوَ قسم.
وروى أَبُو الْحسن: أَصبَحت أمنحك كَأَنَّهُ قَالَ: أَصبَحت أمنحك الصدود وَوَاللَّه إِنِّي إِلَيْك لأميل. وهم يحذفون الْيَمين وهم يريدونها ويبقون جوابها.
وَفِيه نظر من وَجْهَيْن: الأول أَن الْجُمْلَة لَيست جَوَاب قسم مَحْذُوف. وَالثَّانِي: أَن الْمُؤَكّد لَا يحذف.
وَجعل ابْن السراج فِي الْأُصُول التوكيد من جِهَة الِاعْتِرَاض فَقَالَ: قَوْله قسما اعْتِرَاض وَجُمْلَة هَذَا الَّذِي يَجِيء مُعْتَرضًا إِنَّمَا يكون تَأْكِيد للشَّيْء أَو لدفعه لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الصّفة فِي الْفَائِدَة يُوضح عَن الشَّيْء ويؤكده.
وَقَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: انتصاب قسمٍ لَا يَخْلُو أَن يكون بِمَا
تقدم من قَوْله إِنِّي لأمنحك الصدود أَو من جملَة إِنَّنِي إِلَيْك لأميل. وَلَا يجوز الأول من حَيْثُ كَانَ فِي ذَلِك الحكم لجَوَاز الْفَصْل بَين اسْم إِن وخبرها بمعمول جملَة أُخْرَى أَجْنَبِي عَنْهَا فَثَبت بذلك أَنه من الْجُمْلَة الثَّانِيَة وَأَنه مَنْصُوب بِفعل مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ قَوْله: وإنني إِلَيْك لأميل أَي: أقسم قسما وأضمر هَذَا الْفِعْل وَإِنَّمَا سبق الْجُزْء الأول من الْجُمْلَة الثَّانِيَة وَهُوَ اسْم إِن وَهَذَا وَاضح.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة للأحوص الْأنْصَارِيّ يمدح بهَا عمر بن عبد الْعَزِيز الْأمَوِي. وأولها:
يَا بَيت عَاتِكَة الَّذِي أتعزلحذر العدا وَبِه الْفُؤَاد مُوكل
إِنِّي لأمنحك الصدود وإنني............... الْبَيْت
وَلَقَد نزلت من الْفُؤَاد بمنزلمَا كَانَ غَيْرك وَالْأَمَانَة ينزل
وَلَقَد شَكَوْت إِلَيْك بعض صبابتيوَلما كتمت من الصبابة أطول
)
هَل عيشنا بك فِي زَمَانك رَاجعفَلَقَد تفحش بعْدك المتعلل
فصددت عَنْك وَمَا صددت لبغضةأخْشَى مقَالَة كاشح لَا يغْفل
وَلَئِن صددت لأَنْت لَوْلَا رقبتيأشهى من اللائي أَزور وَأدْخل
وتجنبي بَيت الحبيب أحبهأرضي البغيض بِهِ حَدِيث معضل
وَقَالَ فِي آخرهَا يُخَاطب عمر بن عبد الْعَزِيز ﵀:
وأراك تفعل مَا تَقول وَبَعْضهمْمذق الحَدِيث يَقُول مَا لَا يفعل
وَأرى الْمَدِينَة حِين كنت أميرهاأَمن البريء بهَا ونام الأعزل
وَهَذَا آخر القصيدة.
وعاتكة هِيَ بنت يزِيد بن مُعَاوِيَة وَكَانَت مِمَّن يشبب بهَا من النِّسَاء.
وَقَوله: أتعزل بِالْعينِ الْمُهْملَة أَي: أتجنبه وأكون عَنهُ بمعزل. وَقَوله: وَبِه الْفُؤَاد مُوكل من وكلته بِأَمْر كَذَا: فوضته إِلَيْهِ. وَقَوله: إِنِّي لأمنحك الصدود... إِلَخ يُرِيد أَنه يظْهر هجر هَذَا الْبَيْت وَمن فِيهِ وَهُوَ محب لَهُم خوفًا من أعدائه. وَالْوَاو فِي قَوْله: وَالْأَمَانَة وَاو الْقسم. وتفحش: من فحش الشَّيْء فحشا مثل قبح قبحاً وزنا وَمعنى. والمتعلل اسْم مفعول من تعلل بالشَّيْء: إِذا تلهى بِهِ وَعلله بالشَّيْء إِذا ألهاه بِهِ كَمَا يُعلل الصَّبِي بِشَيْء من الطَّعَام عَن اللَّبن يُقَال فلَان يُعلل نَفسه بتعلة. وَجُمْلَة قَوْله: أخْشَى مقَالَة كاشح اسْتِئْنَاف بياني. ويغفل من بَاب نصر ينصر.
وَقَوله: وَلَو أَن مَا عَالَجت... إِلَخ ضمير فُؤَاده عَائِد للكاشح وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات مُغنِي اللبيب وَهُوَ بِنَقْل فَتْحة الْألف إِلَى وَاو لَو وَمَا: موصوله اسْم أَن وعالجت صلَة والعائد مَحْذُوف أَي: بِهِ وَجُمْلَة استلين بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول خبر لِأَن والجندل نَائِب الْفَاعِل وللان جَوَاب لَو وفاعله ضمير الجندل وقسا: عطف على الصِّلَة بِالْفَاءِ وَهُوَ خَال عَن الرَّبْط لِأَن ضَمِيره عَائِد إِلَى الْفُؤَاد وَلما كَانَ فِي الْفَاء معنى السَّبَبِيَّة اكْتفى من الجملتين بضمير وَاحِد وَهُوَ الْمَجْرُور الْمَحْذُوف وحذفت بِهِ الأولى من الصِّلَة اكْتِفَاء ب بِهِ الثَّانِيَة وَهُوَ مَحل الشَّاهِد فِي الْمُغنِي.
وَقَوله: لَوْلَا رقبتي هُوَ بِكَسْر الرَّاء اسْم من المراقبة بِمَعْنى الْخَوْف.
وَالْبَيْت الأول قد عرض بِهِ بعض الْمَدَنِيين لأبي جَعْفَر الْمَنْصُور قَالَ المدايني: لما حج الْمَنْصُور قَالَ للربيع: أبغني فَتى من أهل الْمَدِينَة أديباً ظريفاً عَالما بقديم ديارها ورسوم آثارها فقد بعد عهدي بديار قومِي وَأُرِيد الْوُقُوف عَلَيْهَا. فالتمس لَهُ الرّبيع فَتى أعلم النَّاس بِالْمَدِينَةِ وأفهمهم بظريف الْأَخْبَار وشريف الْأَشْعَار فَعجب بِهِ
الْمَنْصُور وَكَانَ يسايره أحسن مسايرة ويحاضره)
أزين محاضرة وَلَا يبتدئه بخطاب إِلَّا على وَجه الْجَواب فَإِذا سَأَلَهُ أَتَى بأوضح دلَالَة وأفصح مقَالَة. فأعجب بِهِ الْمَنْصُور غَايَة الْإِعْجَاب وَقَالَ للربيع: ادْفَعْ إِلَيْهِ عشرَة آلَاف دِرْهَم وَكَانَ الْفَتى مملقاً مُضْطَرّا فتشاغل الرّبيع عَن الْقَضَاء واضطرته الْحَاجة إِلَى الِاقْتِضَاء وَقيل قَالَ لَهُ الرّبيع: لَا بُد من معاودته وَإِن أَحْبَبْت دفعت إِلَيْك سلفا من عِنْدِي حَتَّى أعاوده فِيمَا أَمر لَك.
فأبقى ذَلِك حَتَّى إِذا كَانَ فِي بعض اللَّيَالِي قَالَ عِنْد مُنْصَرفه مبتدئاً: وَهَذِه الدَّار يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يَا بَيت عَاتِكَة الَّذِي أتعزل ثمَّ سكت فَأنْكر الْمَنْصُور هَذَا من حَاله وفكر فيأمره فَعرض الشّعْر على نَفسه فَإِذا فِيهِ.
وأراك تفعل مَا تَقول وَبَعْضهمْمذق الحَدِيث يَقُول مَا لَا يفعل
فَقَالَ للربيع: أدفعت للرجل مَا أمرنَا لَهُ بِهِ قَالَ: لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: فليدفع إِلَيْهِ مضاعفاً.
وَهَذَا أحسن إفهام من الْفَتى وَأحسن فهم من الْمَنْصُور. وَلم يسمع فِي التَّعْرِيض بألطف مِنْهُ.
وَلقَوْل الْأَحْوَص سَبَب ذكره عبد الله بن عُبَيْدَة بن عمار بن يَاسر قَالَ: خرجت أَنا والأحوص بن مُحَمَّد مَعَ عبد الله بن الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ إِلَى الْحَج فَلَمَّا كُنَّا بِقديد قُلْنَا لعبد الله بن الْحسن: لَو أرْسلت إِلَى سُلَيْمَان بن أبي دباكل الْخُزَاعِيّ فأتشدنا نمن رَقِيق شعره فَأرْسل إِلَيْهِ. فأنشدنا قصيدة لَهُ يَقُول فِيهَا:
يَا بَيت خنساء الَّذِي أتجنبذهب الزَّمَان وحبها لَا يذهب
أَصبَحت أمنحك الصدود وإننيقسما إِلَيْك مَعَ الصدود لأجنب
مَالِي أحن إِلَى جمالك قربتوأصد عَنْك وَأَنت مني أقرب
لله دَرك هَل لديك معوللمتيم أم هَل لودك مطلب
فَلَقَد رَأَيْتُك قبل ذَاك وإننيلموكل بهواك لَو يتَجَنَّب
تبْكي الْحَمَامَة شجوها فيهيجنيوَيروح عَازِب همي المتأوب
وتهب سَارِيَة الرِّيَاح من أَرْضكُمفَأرى الْبِلَاد بهَا تطل وتجنب
وَأرى السمية باسمكم فيزيدنيشوقاً إِلَيْك سميك المتغرب
وَأرى الصّديق يودكم فأودهإِن كَانَ ينْسب مِنْك أَو يتنسب
وأخالق الواشين فِيك تجملاًوهم عَليّ ذَوُو ضغائن دؤب
ثمَّ اتخذتهم عَليّ وليجةًحَتَّى غضِبت وَمثل ذَاك يغْضب
)
فَلَمَّا كَانَ من قَابل حج أَبُو بكر بن عبد الْعَزِيز فَلَمَّا مر بِالْمَدِينَةِ دخل عَلَيْهِ الْأَحْوَص بن مُحَمَّد فاستصحبه فَفعل.
فَلَمَّا خرج الْأَحْوَص قَالَ لَهُ بعض من عِنْده: مَا تُرِيدُ بِنَفْسِك تقدم الشَّام بالأحوص وفيهَا من ينفسك من بني أَبِيك وَهُوَ من السَّفه على مَا علمت فَلَمَّا رَجَعَ أَبُو بكر من الْحَج دخل عَلَيْهِ الْأَحْوَص متنجزاً مَا وعده من الصُّحْبَة. فَدَعَا لَهُ بِمِائَة دِينَار وأثواب وَقَالَ: يَا خَال إِنِّي نظرت فِيمَا ضمنت لَك من الصَّحَابَة فَكرِهت أَن أهجم بك على أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَقَالَ الْأَحْوَص: لَا حَاجَة لي بعطيتك وَلَكِنِّي سبعت عنْدك.
ثمَّ خرج فَأرْسل عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى الْأَحْوَص وَهُوَ أَمِير الْمَدِينَة فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ أعطَاهُ مائَة دِينَار وكساه ثيابًا ثمَّ قَالَ: يَا خَال هَب لي عرض أخي. قَالَ:
هُوَ لَك ثمَّ خرج الْأَحْوَص وَهُوَ يَقُول فِي عرُوض قصيدة سُلَيْمَان الْمَذْكُورَة يمدح عمر بن عبد الْعَزِيز:
يَا بَيت عَاتِكَة الَّذِي أتعزلحذر العدا وَبِه الْفُؤَاد مُوكل
حَتَّى انْتهى إِلَى قَوْله:
فسموت عَن أَخْلَاقهم فتركتهملنداك إِن الحازم المتَوَكل
ووعدتني فِي حَاجَتي فصدقتنيووفيت إِذْ كذبُوا الحَدِيث وبدلواد
وَلَقَد بدأت أُرِيد ود معاشروعدوا مواعد أخلفت إِذْ حصلوا
حَتَّى إِذا مَا صَنَعُوا إِلَيْك برحلةعجلى وعندك مِنْهُم المتحول
وأراك تفعل مَا تَقول وَبَعْضهمْمذق الحَدِيث يَقُول مَا لَا يفعل
فَقَالَ لَهُ عمر بن عبد الْعَزِيز: مَا أَرَاك أعفيتني مِمَّا استعفيتك والأحوص وَإِن أغار على قصيدة سُلَيْمَان فقد أربى عَلَيْهِ فِي الْإِحْسَان وَكَانَ كَمَا قَالَ ابْن الْمَرْزُبَان وَقد أنْشد لِابْنِ المعتز قصيدته فِي مناقضة ابْن طَبَاطَبَا الْعلوِي الَّتِي أَولهَا:
دعوا الْأسد تكنس غاباتهاوَلَا تدْخلُوا بَين أنيابها
وَقَالَ: أَخذه من قَول بعض العباسيين الْمُتَقَدِّمين: وَلكنه أَخذه ساجاً ورده عاجا. وغل قطيفة ورد ديباجا.
والمذق بِكَسْر الذَّال الْمُعْجَمَة: من يخلط بِكَلَامِهِ كذبا من مذقت اللَّبن والشارب من بَاب قتل: إِذا مزجته وخلطته.)
وعاتكة بنت يزِيد الْمَذْكُورَة هِيَ زَوْجَة عبد الْملك بن مَرْوَان وَكَانَ شَدِيد الْمحبَّة لَهَا فغاضبته فِي بعض الْأُمُور وسدت الْبَاب الَّذِي بَينهَا وَبَينه فساءه ذَلِك وتعاظمه وشكاه إِلَى من يأنس بِهِ من خاصته فَقَالَ لَهُ عمر بن بِلَال الْأَسدي:
إِن أَنا أرضيتها لَك حَتَّى ترْضى فَمَا الثَّوَاب قَالَ: حكمك. فَأتى إِلَى بَابهَا وَقد مزق ثَوْبه وسوده فَاسْتَأْذن عَلَيْهَا وَقَالَ: الْأَمر الَّذِي أتيت فِيهِ عَظِيم فَأدْخل لوقته فَرمى بِنَفسِهِ وَبكى. فَقَالَت: مَا لَك يَا عَم قَالَ: لي ولدان هما من المبرة وَالْإِحْسَان إِلَيّ فِي غَايَة وَقد عدا أَحدهمَا على أَخِيه فَقتله وفجعني بِهِ فاحتسبته وَقلت: يبْقى لي ولد أَتَسَلَّى بِهِ فَأَخذه أَمِير الْمُؤمنِينَ وَقَالَ: لَا بُد من الْقود وَإِلَّا فَالنَّاس يجترئون على الْقَتْل وَهُوَ قَاتله إِلَّا أَن يغيثني الله بك فتحت الْبَاب وَدخلت على عبد الْملك وَأَكَبَّتْ على الْبسَاط تقبله وَتقول: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد تعلم فضل عمر بن بِلَال وَقد عزمت على فَقتل ابْنه فشفعني فِيهِ. قَالَ عبد الْملك: مَا كنت بِالَّذِي أفعل: فَأَقْبَلت فِي الضراعة والخضوع حَتَّى وعدها الْعَفو عَنهُ وَصلح مَا بَينهمَا ووفى لعمر بِمَا وعده بِهِ.
كل هَذَا من كتاب الْجَوَاهِر فِي الْملح والنوادر تأليف أبي إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عَليّ الْمَعْرُوف بالحصري صَاحب زهر الْآدَاب. وترجمة الْأَحْوَص تقدّمت فِي الشَّاهِد الْخَامِس والثمانين.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع