من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الرَّابِع وَالتِّسْعُون
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد الرَّابِع وَالتِّسْعُونَ وَهُوَ من أَبْيَات س:
إِذا شقّ بردٌ شقّ بالبرد مثلهدواليك حَتَّى كلنا غير لابس
على أَن دواليك مَنْصُوب بعامل مَحْذُوف.
قَالَ: يُقَال دواليك أَي: تداول الْأَمر دوالين ظَاهره أَن دواليك بدل من فعل الْأَمر. وَلَيْسَ كَذَلِك كَمَا يعلم مِمَّا سَيَأْتِي.
اعْلَم أَن دوالين مثنى دوال والدوال بِالْكَسْرِ: مصدر داولت الشَّيْء مداولة ودولا وبالفتح: اسْم مصدر. وَرُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ مَا أنْشدهُ أَبُو زيد فِي نوادره لضباب بن سبيع بن عَوْف الْحَنْظَلِي:
جزوني بِمَا ربيتهم وحملتهمكَذَلِك مَا أَن الخطوب دوال
والتداول: حُصُول الشَّيْء فِي يَد هَذَا تَارَة وَفِي يَد ذَاك أُخْرَى وَالِاسْم الدولة بِفَتْح الدَّال وَضمّهَا وَمِنْهُم من يَقُول: الدولة بِالضَّمِّ فِي المَال وبالفتح فِي الْحَرْب ودالت الْأَيَّام مثل دارت وزنا وَمعنى. ودواليك مَعْنَاهُ مداولة بعد مداولة وَثني لِأَنَّهُ فعل اثْنَيْنِ.
قَالَ الشاطبي: وَلَا تجوز إِضَافَته إِلَى الظَّاهِر لَا تَقول: دوالي زيد. وَقَالَ الأعلم: الْكَاف للخطاب وَلذَلِك لم يتعرف بهَا مَا قبلهَا.
وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت على أَن دواليك مصدر وضع مَوضِع الْحَال.
وَدلّ قَوْله: إِذا شقّ برد على الْفِعْل الَّذِي نصب دواليك أَي: نشقهما متداولين بإضمار فعل لَهُ وَلها يعْمل فِي دواليك. وَرُوِيَ: إِذا شقّ بردٌ شقّ بالبرد برقع
يَعْنِي أَنه يشق برقعها وَهِي تشق برده. وَمَعْنَاهُ: أَن الْعَرَب يَزْعمُونَ أَن المتحابين إِذا شقّ كل وَاحِد مِنْهُمَا ثوب صَاحبه دَامَت مودتهما وَلم تفْسد. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كَانَ من شَأْن الْعَرَب إِذا تجالسوا مَعَ الفتيات للتغزل أَن يتعابثوا بشق الثِّيَاب لشدَّة المعالجة عَن إبداء المحاسن. وَقيل إِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذَلِك ليذكر كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه بِهِ.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: كَانَت عَادَة الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة أَن يلبس كل وَاحِد من الزَّوْجَيْنِ برد الآخر ثمَّ يتداولان على تخريقه حَتَّى لَا يبْقى فِيهِ لبس طلبا لتأكيد الْمَوَدَّة. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يزْعم النِّسَاء إِذا شقّ أحد الزَّوْجَيْنِ عِنْد البضاع شَيْئا من ثوب صَاحبه دَامَ الود بَينهمَا وَإِلَّا تهاجرا.)
وشق فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول وبردٌ وَمثله: نَائِبا الْفَاعِل وَالْبَاء للمقابلة. وَالْبرد: الثَّوْب من أَي شَيْء كَانَ وَقَالَ أَبُو حَاتِم: لَا يُقَال لَهُ برد حَتَّى يكون فِيهِ وشي فَإِن كَانَ من صوف فَهُوَ بردة. وَحَتَّى ابتدائية وكلنَا مُبْتَدأ وَغير لابس خَبره.
وروى الْعَيْنِيّ: لَيْسَ للبرد لابس كصاحب الصِّحَاح. وَهُوَ غير صَحِيح فَإِن القوافي مجرورة.
وَأثبت صَاحب الصِّحَاح هذاذيك مَوضِع دواليك وَالصَّوَاب مَا ذكرنَا. وأنشده سِيبَوَيْهٍ أَيْضا كصاحب الصِّحَاح فَيكون فِيهِ إقواء.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لسحيم عبد بني الحسحاس. وأولها:
كَأَن الصبيريات يَوْم لقينناظباءٌ حنت أعناقها للمكانس
وَهن بَنَات الْقَوْم إِن يشعروا بِنَايكن فِي ثِيَاب الْقَوْم إِحْدَى الدهارس
وَقبل الْبَيْت الشَّاهِد:
فكم قد شققنا من رداءٍ منيرٍعلى طفلةٍ ممكورةٍ غير عانس
قَالَ ابْن السَّيِّد: أَرَادَ بالصبيريات: نسَاء بني صبيرة بن يَرْبُوع. وحنت: أمالت. والمكانس: جمع مكنس بِمَعْنى الكناس وَهُوَ مَوضِع الظباء فِي الشّجر يكتن فِيهِ ويستتر وكنس الظبي يكنس بِالْكَسْرِ. والدهارس: بِفَتْح الدَّال: الدَّوَاهِي جمع دهرس كجعفر والدهاريس جمع الْجمع.
والرداء الْمُنِير: الَّذِي لَهُ نير بِالْكَسْرِ وَهُوَ علم الثَّوْب. وَجَارِيَة طفلة بِفَتْح الطَّاء أَي: ناعمة.
وَالْمُنَاسِب لقَوْله غير عانس أَن يكون طفلة بِكَسْر الطَّاء. والممكورة: المطوية الْخلق من النِّسَاء يُقَال: امْرَأَة ممكورة السَّاقَيْن أَي: جدلاء مفتولة.
وَقَالَ ابْن السَّيِّد: الممكورة: الطَّوِيلَة الْخلق. والعانس بالنُّون فِي الصِّحَاح: عنست الْجَارِيَة تعنس عنوساً وعناساً فَهِيَ عانس وَذَلِكَ إِذا طَال مكثها فِي منَازِل أَهلهَا بعد إِدْرَاكهَا حَتَّى خرجت من عداد الْأَبْكَار وَهَذَا مَا لم تتَزَوَّج فَإِن تزوجت مرّة فَلَا يُقَال عنست. يَقُول: إِذا شقّ هَؤُلَاءِ النِّسَاء اللَّاتِي يلعبن معي بردي شققت أَنا أَيْضا أرديتهن وبراقعهن حَتَّى نعرى جَمِيعًا. وَمثل هَذَا قَول رجل من بني أَسد:
كَأَن ثِيَابِي نازعت شوك عرفطٍترى الثَّوْب لم يخلق وَقد شقّ جَانِبه
وسحيمٌ عبد بني الحسحاس من المخضرمين: قد أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام. وَلَا يعرف لَهُ صُحْبَة. وَكَانَ أسود شَدِيد السوَاد. وَبَنُو الحسحاس قَالَ بن هِشَام فِي السِّيرَة: هم من بني أَسد)
بن خُزَيْمَة والحسحاس بمهملات هُوَ ابْن نفاثة بن سعد ابْن عَمْرو بن مَالك بن ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد بن خُزَيْمَة بن مدركة بن إلْيَاس. وَمن شعر سحيم:
إِن كنت عبدا فنفسي حرةٌ كرماًأَو أسود اللَّوْن إِنِّي أَبيض الْخلق
وَله القصيدة الْمَشْهُورَة الَّتِي مطْلعهَا وَهُوَ من شَوَاهِد مُغنِي اللبيب:
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: وَكَانَ عبد بني الحسحاس يرتضخ لكنةً حبشية فَلَمَّا أنْشد عمر بن الْخطاب ﵁ هَذَا المطلع قَالَ لَهُ عمر: لَو كنت قدمت الْإِسْلَام على الشيب لأجزتك.
فَقَالَ سحيم: مَا سعرت يُرِيد مَا شَعرت.
وَفِي الأغاني للأصبهاني من طَرِيق أبي عُبَيْدَة قَالَ: كَانَ سحيم أسود أعجمياً أدْرك النَّبِي ﷺ َ وَقد تمثل النَّبِي ﷺ َ من شعره روى المرزباني فِي تَرْجَمته والدينوري فِي المجالسة من طَرِيق عَليّ بن يزِيد عَن الْحسن ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ َ قَالَ: كفى بِالْإِسْلَامِ والشيب للمرء ناهياً فَقَالَ لَهُ أَبُو بكر ﵁ إِنَّمَا قَالَ الشَّاعِر: كفى الشيب وَالْإِسْلَام للمرء ناهياً فَأَعَادَهَا النَّبِي ﷺ َ كَالْأولِ فَقَالَ أَبُو بكر: أشهد إِنَّك لرَسُول الله وَمَا علمناه الشّعْر وَمَا يَنْبَغِي لَهُ. وَقَالَ عمر بن شبة: قدم سحيم بعد ذَلِك على عمر بن الْخطاب فأنشده هَذِه القصيدة فَقَالَ لَهُ عمر: لَو قدمت الْإِسْلَام لأجزتك.
وَقتل سحيم فِي خلَافَة عُثْمَان. قَالَ بن حجر فِي الْإِصَابَة: يُقَال إِن سَبَب قَتله أَن امْرَأَة من بني الحسحاس أسرها بعض الْيَهُود واستخصها لنَفسِهِ وَجعلهَا فِي حصن لَهُ فَبلغ ذَلِك سحيماً فَأَخَذته الْغيرَة فَمَا زَالَ يتحيل لَهُ حَتَّى تسور على الْيَهُودِيّ حصنه فَقتله وخلص الْمَرْأَة فأوصلها إِلَى قَومهَا فَلَقِيته يَوْمًا فَقَالَت لَهُ: يَا سحيم وَالله لَوَدِدْت أَنِّي قدرت على مكافأتك على تخليصي من الْيَهُودِيّ فَقَالَ لَهَا: وَالله إِنَّك لقادرة على ذَلِك عرض لَهَا بِنَفسِهَا فاستحيت وَذَهَبت ثمَّ لَقيته مرّة أُخْرَى فَعرض لَهَا بذلك فأطاعته فهويها وطفق يتغزل فِيهَا ففطنوا لَهُ فَقَتَلُوهُ خشيَة الْعَار.
وَقَالَ ابْن حبيب: أنْشد رَسُول الله ﷺ َ قَول سحيم عبد بني الحسحاس:
الْحَمد لله حمداً لَا انْقِطَاع لَهُفَلَيْسَ إحسانه عَنَّا بمقطوع
)
فَقَالَ: أحسن وَصدق وَإِن الله يشْكر مثل هَذَا وَلَئِن سدد وقارب إِنَّه لمن أهل الْجنَّة. انْتهى.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح شَوَاهِد الْجمل: اسْم عبد بني الحسحاس سحيم وَقيل اسْمه حَيَّة ومولاه جندل بن معبد من بني الحسحاس. وَكَانَ سحيم حَبَشِيًّا أعجمي اللِّسَان ينشد الشّعْر ثمَّ يَقُول: أهشند وَالله يُرِيد أَحْسَنت وَالله وَكَانَ عبد الله بن أبي ربيعَة قد اشْتَرَاهُ وَكتب إِلَى عُثْمَان بن عَفَّان ﵁: إِنِّي قد ابتعت لَك غُلَاما شَاعِرًا حَبَشِيًّا. فَكتب إِلَيْهِ عُثْمَان: لَا حَاجَة لي بِهِ فاردده فَإِنَّمَا قصارى أهل العَبْد الشَّاعِر إِن شبع أَن يشبب بنسائهم وَإِن جَاع أَن يهجوهم. فَرده عبد الله فَاشْتَرَاهُ أَبُو معبد فَكَانَ كَمَا قَالَ عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: شَبَّبَ فَمن ذَلِك قَوْله فِيهَا:
ألكني إِلَيْهَا عمرك الله يافتىبِآيَة مَا جَاءَت إِلَيْنَا تهادياً
وبتنا وسادانا إِلَى علجانةٍوحقفٍ تهاداه الرِّيَاح تهاديا
وهبت شمالٌ آخر اللَّيْل قرةٌوَلَا ثوب إِلَّا بردهَا وردائيا
توسدني كفا وَتثني بمعصمٍعَليّ وتحوي رجلهَا من ورائيا
فَمَا زَالَ بردي طيبا من ثِيَابهَاإِلَى الْحول حَتَّى أنهج الْبرد بَالِيًا
ألكني إِلَيْهَا: مَعْنَاهُ ابلغ رسالتي إِلَيْهَا. والألوك: الرسَالَة. وعلجانة: شَجَرَة مَعْرُوفَة. والحقف: مَا تراكم من الرمل. والقرة بِالضَّمِّ: الْبرد. وانهج: أخلق.
وَذكر مُحَمَّد بن حبيب فِي كتاب من قتل من الشُّعَرَاء: أَن سحيماً كَانَ صَاحب تغزل فاتهمه مَوْلَاهُ بابنته فَجَلَسَ لَهُ فِي مَكَان إِذا رعى سحيم قَالَ فِيهِ. فَلَمَّا اضْطجع تنفس الصعداء ثمَّ قَالَ:
يَا ذكرةً مَالك فِي الْحَاضِرتذكرها وَأَنت فِي السادر
من كل بَيْضَاء لَهَا كعشبٌمثل سَنَام الرّبع المائر
فَقَالَ لَهُ سَيّده وَظهر من مَوْضِعه الَّذِي كَانَ كمن فِيهِ وَمَالك فلجلج فِي مَنْطِقه. فَلَمَّا رَجَعَ وهم على قَتله خرجت غليه صاحبته فَحَدَّثته وأخبرته بِمَا يُرَاد بِهِ فَقَامَ ينفض برده ويعفي أَثَره.
فَلَمَّا انْطلق بِهِ ليقْتل ضحِكت امْرَأَة كَانَ بَينه وَبَينهَا شَيْء فَقَالَ:
إِن تضحكي مني فيا رب ليلةٍتركتك فِيهَا كالقباء المفرج
فَلَمَّا قدم ليقْتل قَالَ:)
شدوا وثاق العَبْد لَا يغلبكمإِن الْحَيَاة من الْمَمَات قريب
فَلَقَد تحدر من جبين فتاتكمعرقٌ على ظهر الْفراش وَطيب
فَقتل. انْتهى.
تَتِمَّة قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح شَوَاهِد الْجمل وَتَبعهُ ابْن خَافَ: إِن سحيماً مصغر أسحم وَهُوَ الْأسود تَصْغِير ترخيم وَيجوز أَن يكون مصغر سحم وَهُوَ ضرب من النَّبَات وَالْأول أَجود لِأَنَّهُ كَانَ عبدا أسود. وَأما الحسحاس فالأشبه أَن يكون
اسْما مرتجلاً مشتقاً من قَوْلهم: حسحست الشواء: إِذا أزلت عَنهُ الْجَمْر والرماد وَقد يُمكن أَن يكون مَنْقُولًا لأَنهم قَالُوا: ذُو الحسحاس: الرجل الْجواد قَالَ الراجز: فَهُوَ قطعا مَنْقُول مِنْهُ. وَقَوله: من حسحست الشواء.. قَالَ فِي الصِّحَاح: وحسست اللَّحْم وحسحسته بِمَعْنى: إِذا جعلته على الْجَمْر.. وحسست النَّار: إِذا رَددتهَا بالعصا على خبْزَة الْملَّة أَو الشواء من نواحيه لينضج. وَمن كَلَامهم: قَالَت الخبزة: لَوْلَا الْحس مَا باليت بالدس.
فَكَلَامه لَا يُوَافق شَيْئا من هَذَا فَتَأمل.
وَأنْشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع