تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة

فيه ١٠ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

إِن المنايا يطلعن على الأناس الآمنينا

على أَن اجْتِمَاع أل والهمزة فِي الأناس لَا يكون إِلَّا فِي الشّعْر وَالْقِيَاس النَّاس فَإِن أَصله أنَاس فحذفت الْهمزَة وَعوض عَنْهَا أل إِلَّا أَنَّهَا لَيست لَازِمَة إِذْ يُقَال فِي السعَة نَاس.

أَقُول: هَذَا يدل على أَن أل فِي الْبَيْت لَيست عوضا من الْهمزَة إِذْ لَو كَانَت عوضا لم يجز أَن يُقَال نَاس: من غير همزَة وَلَا أل إِذْ لَا يجوز الْخُلُو عَن الْعِوَض والمعوض عَنهُ. وَمَا ذكره من كَونه عوضا من الْهمزَة هُوَ مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَتَبعهُ الزَّمَخْشَرِيّ وَالْقَاضِي وَغَيرهمَا.

وَذهب أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي الأغفال: وَهُوَ كتاب ذكر فِيهِ مَا أغفله شَيْخه أَبُو إِسْحَاق الزّجاج. أَن أل لَيست عوضا من همزَة أنَاس.

وَقد عزا إِلَيْهِ السَّيِّد فِي حَاشِيَة الْكَشَّاف خلاف هَذَا فَقَالَ: وتوهم أَبُو عَليّ فِي الأغفال أَن اللَّام فِي النَّاس أَيْضا عوض إِذْ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الأناس إِلَّا ضَرُورَة. ورد بِكَثْرَة اسْتِعْمَال نَاس مُنْكرا دون إِلَه وبامتناع يَا النَّاس دون يَا الله. انْتهى.

فقد انعكس النَّقْل عَلَيْهِ من هَذَا الْكتاب مَعَ أَنه قد رد عَلَيْهِ ابْن خالويه فِيمَا كتبه على الأغفال وَتعقبه أَبُو عَليّ فِيمَا كتبه ثَانِيًا وَهُوَ رد على ابْن خالويه وَسَماهُ نقض الهاذور وَبسط الْكَلَام فِيهِ كل الْبسط. وَأَنا أوردهُ مُخْتَصرا لتقف على حَقِيقَة الْحَال. وَهَذِه عِبَارَته: ثمَّ ذكر هذراً لَيْسَ من حكمه أَن نتشاغل بِهِ وَإِن كَانَ جَمِيع مَا هذر بِهِ غير خَارج من هَذَا الحكم.. ثمَّ حكى قَوْلنَا وَهُوَ: فَإِن قَالَ قَائِل: أَو لَيْسَ قد حذفت الْهمزَة من النَّاس كَمَا حذفت من هَذَا الِاسْم حذفا فَهَل تَقول: إِنَّهَا عوض مِنْهَا كَمَا أَن اللَّام عوض من الْهمزَة المحزوفة فِي اسْم الله.. إِلَى آخر الْفَصْل.

فَقَالَ الْمُعْتَرض: أما ادعاؤه أَن أل لَيست عوضا من الْهمزَة فِي أنَاس كَمَا كَانَت فِي هَذَا الِاسْم فَلَيْسَ على مَا ذكر.. فَلم يزدْ على الْإِنْكَار والادعاء لتركنا طَريقَة سِيبَوَيْهٍ وَحمل كَلَامه الْمُطلق على الْمُقَيد الْمَخْصُوص وتظني المتعرض أَن الْهمزَة سَقَطت مِنْهُمَا على حد وَاحِد وَأَن أل فِي النَّاس عوض من حذف الْهمزَة كَمَا كَانَ ذَلِك فِي اسْم الله تظن على عكس مَا الْأَمر عَلَيْهِ:)

وَذَلِكَ أَن قَول سِيبَوَيْهٍ: وَمثل ذَلِك

أنَاس فَإِذا أدخلت الْألف وَاللَّام عَلَيْهِ قلت النَّاس لَيْسَ يدل قَوْله: وَمثل ذَلِك أنَاس أَن التَّمَاثُل بَينهمَا يَقع على جَمِيع مَا الاسمان عَلَيْهِ إِنَّمَا يدل على أَن الْمُمَاثلَة تقع على شَيْء وَاحِد. أَلا ترى أَن مثلا إِذا أضيفت إِلَى معرفَة جَازَ أَن يُوصف بِهِ النكرَة لِأَن مَا يتشابهان بِهِ كثير وَإِنَّمَا يتشابهان فِي شَيْء من أَشْيَاء. وَمن ثمَّ كَانَ نكرَة وَكَانَ هَذَا الْأَغْلَب.

وَلَو كَانَ التشابه يَقع بَينهمَا فِي كل مَا يُمكن أَن يتشابها بِهِ لَكَانَ مَخْصُوصًا غير مُبْهَم ومحصوراً غير شَائِع. وَفِي أَن الْأَمر بِخِلَاف هَذَا دلَالَة على أَن الظَّاهِر من كَلَام سِيبَوَيْهٍ لَيْسَ على مَا قدره هَذَا الْمُعْتَرض يدل على ذَلِك مَا ذهب إِلَيْهِ أهل الْعلم فِي قَوْله تَعَالَى: فجزاءٌ مثل مَا قتل من النعم فَقَالَ قَائِلُونَ: جَزَاء مثل مَا قتل فِي الْقيمَة وَقَالَ قَائِلُونَ: جزاءٌ مثله فِي الصُّورَة وَلم يذهب أحد فِيمَا علمناه إِلَى أَن الْمَعْنى جزاءٌ مثل مَا قتل فِي الْقيمَة وَالصُّورَة جَمِيعًا.

فَكَذَلِك قَول سِيبَوَيْهٍ: وَمثل ذَلِك أنَاس إِنَّمَا يُرِيد مثله فِي حذف الْفَاء فِي ظَاهر الْأَمر لَو لم تدل دلَالَة على أَن قَوْلهم النَّاس لَيْسَ كاسم الله: فِي كَون الْألف وَاللَّام عوضا من الْهمزَة المحذوفة.

فَكيف وَقد قَامَت الْأَدِلَّة على أَن قَوْلهم النَّاس: قد فَارق مَا عَلَيْهِ هَذَا الِاسْم فِي بَاب الْعِوَض على مَا سَنذكرُهُ إِن شَاءَ الله وَإِذا كَانَ الْأَمر فِي إِضَافَة مثل مَا قُلْنَا تبين أَن هَذَا الْمُعْتَرض لم يعرف قَول سِيبَوَيْهٍ. وَلَيْسَ فِي لفظ سِيبَوَيْهٍ شَيْء يدل على أَن الْهمزَة فِي أنَاس مثل الْهمزَة فِي الِاسْم الآخر: فِي أَنه عوض مِنْهَا شَيْء كَمَا عوض هُنَاكَ. وَيبين ذَلِك: أَنه حَيْثُ أَرَادَ أَن يرى النَّظَائِر فِي الْعِوَض أفرد ذكر الِاسْم فَقَالَ: وَهِي فِي إِلَه بِمَنْزِلَة شَيْء غير مُنْفَصِل من الْكَلِمَة كَمَا كَانَت الْمِيم فِي اللَّهُمَّ غير مُنْفَصِلَة وكما كَانَت التَّاء فِي الجحاجحة وَالْألف فِي يمَان وأختيها بَدَلا من الْيَاء. فَأَما الدّلَالَة على أَن حرف التَّعْرِيف لَيْسَ بعوض فَهِيَ أَن الْألف وَاللَّام تدخل مَعَ

إِن المنايا يطلعن على الأناس الآمنينا

وَأَن الأناس وأناس فِي الْمَعْنى وَاحِد إِلَّا فِيمَا أحدث حرف التَّعْرِيف من التَّعْرِيف. وَقد جَاءَ فِي كَلَامهم ناسٌ وأناس. فَمن يَقُول أنَاس يَقُول الأناس وَمن

يَقُول نَاس يَقُول النَّاس. وَأنْشد مُحَمَّد بن يزِيد:

وناسٌ من سراة بني سليمٍوناسٌ من بني سعد بن بكر

وَمِمَّا يغلب أَن هَذِه الْهمزَة لَا يلْزم أَن يكون مِنْهَا عوض أَن من يرد الْأُصُول المحذوفة فِي التحقير وَمن لَا يرد اتَّفقُوا عندنَا جَمِيعًا على أَن حقروا أُنَاسًا: نويسا. فَدلَّ ترك رد الأَصْل فِي التحقير)

مِمَّن يرد على أَن هَذَا الْحَذف قد صَار عِنْدهم كالحذف اللَّازِم فِي أَكثر الْأَمر نَحْو: حاش لله وَنَحْو لَا أدر. وَمَا كَانَ من الْحَذف عِنْدهم هَكَذَا يبعد أَن يعوض مِنْهُ وَقد كَانَ أولى من التعويض رد مَا هُوَ مِنْهُ إِلَيْهِ فَلَمَّا لم يَقُولُوا أنيس عِنْد سِيبَوَيْهٍ فِي تحقير نَاس وَلَا عِنْد يُونُس وَأبي عُثْمَان كَانَ أَن لَا يعوض مِنْهُ أولى.

وَمِمَّا يبين حسن الْحَذف مِنْهُ وسهولته: أَنه جمع والجموع قد تخفف بِمَا لَا يُخَفف الْآحَاد بِهِ أَلا ترى أَنهم قَالُوا: عصي ودلي فَأَجْمعُوا على الْقلب فِي هَذَا النَّحْو وَكَذَلِكَ نَحْو بيضٍ فَكَمَا خففوا هَذَا النَّحْو من الْجمع كَذَلِك قَوْلهم أنَاس بالحذف مِنْهُ.. ويدلك على أَنه جمع: أَنهم قَالُوا فِي الْإِضَافَة إِلَى أنَاس: إنساني كَمَا قَالُوا فِي الْإِضَافَة إِلَى الْجَمِيع: جمعي. فَعلمت أَن أُنَاسًا فِي جمع إِنْسَان كتؤام فِي جمع توأم وبراء فِي جمع بَرِيء ورخال وظؤار وثناء وَنَحْو ذَلِك. فَكَمَا أجروه مجْرى الْجمع فِي هَذَا كَذَلِك أجروه مجْرَاه فِي الْحَذف مِنْهُ كَمَا خففوا مَا ذكرنَا بِالْقَلْبِ فِيهِ.

وَمِمَّا يغلب أَن قَوْلنَا النَّاس على الْحذاء الَّذِي ذكرنَا من التَّخْفِيف بالحذف أَن مَا فِي التَّنْزِيل من هَذَا النَّحْو عَلَيْهِ نَحْو: الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم وَنَحْو: أعوذ بِرَبّ النَّاس.

ملك النَّاس فَهَذَا إِنَّمَا أدغم لَام الْمَعْنى فِي النُّون على حد مَا أدغم فِي: النشر والنشز والنعمان لَا على حد تَقْدِير الْهمزَة فِيهِ وتخفيفها.

أَلا ترى أَنه لَو كَانَ على تَقْدِير أنَاس لم يدغم لِأَن الحرفين ليسَا مثلين كَمَا كَانَا

مثلين فِي الِاسْم الآخر إِنَّمَا هما متقاربان وَالْأَكْثَر فِي المتقاربين إِذا تحرّك الأول مِنْهُمَا فالأقيس أَن لَا يدغم الأول فِي الثَّانِي كَمَا يدغم المثلان.

وَذَلِكَ: أَن مباينة الحرفين فِي الْمخْرج إِذا انْضَمَّ إِلَيْهِمَا الْحَرَكَة قَوِيا على منع الْإِدْغَام فَامْتنعَ كَمَا يمْتَنع لحجز الْحَرْف بَينهمَا وَلَيْسَ كَذَلِك المثلان إِذا حجزت بَينهمَا الْحَرَكَة لِأَن الْحَرَكَة أقل وأيسر فِي الصَّوْت من الْحَرْف فَلم يبلغ من قوتها أَن تحجز بَين المثلين وَيمْنَع الْإِدْغَام كَمَا يمْنَع مِنْهُ فِي أَكثر الْأَمر إِذا انْضَمَّ إِلَى الْحَرَكَة الِاخْتِلَاف فِي مخرجي الْحَرْف.

وَأما قَول صَاحب الهاذور: وَالدَّلِيل على صِحَة ذَلِك وَأَن هَذَا هُوَ الَّذِي ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ وَإِن كَانَ عِنْده عوضا فِي هَذَا الْموضع أَيْضا: أَنه تعاطى الْفرق بَينهمَا.. فتعاطيه الْفرق بَينهمَا لَا يدل أَن كَانَ تعاطى على اتِّفَاقهمَا عِنْده وَلَيْسَ لنسخه كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِي جملَة الهذر فَائِدَة وَلَا معنى لاحتجاج من احْتج بِشَيْء لَا يعرفهُ وَلَا يفهمهُ وَإِنَّمَا وكده فِي غَالب رَأينَا بتسويد الْوَرق)

وإفساده.

وَأما تَفْسِير الْمُعْتَرض لقولنا إنَّهُمَا لَو كَانَتَا هَهُنَا عوضا كَمَا هما فِي هَذَا الِاسْم لفعل بهما مَا فعل بِالْهَمْزَةِ فِي اسْم الله. فَإِن عني بِهِ أَنَّهُمَا كَانَتَا تلزمان ثمَّ كَانَت الْألف تَنْقَطِع فِي النداء فَلَيْسَ على مَا قدر وَلَكِن المُرَاد بِهِ: أَن الْألف وَاللَّام فِي الاسمين لَو كَانَا على حد وَاحِد لَكَانَ النَّاس إِذا سقط مِنْهُ حرف التَّعْرِيف لَا يدل على مَا كَانَ يدل عَلَيْهِ والحرف لاحقٌ بِهِ كَمَا أَنه فِي اسْم الله إِذا خرج مِنْهُ لَا يدل على مَا يدل عَلَيْهِ وَهُوَ فِيهِ.

وَأما قَوْله: حاكياً لكلامنا: فَأَما استدلاله على أَنَّهُمَا فِي النَّاس غير عوض بقول الشَّاعِر: على الأناس الآمنينا وَأَنه لَو كَانَ عوضا لم يكن ليجتمع مَعَ المعوض مِنْهُ فَهَذَا يلْزمه بِعَيْنِه فِيمَا ذهب إِلَيْهِ فِي اسْم الله. وَذَلِكَ أَنه يُقَال لَهُ: أَلَسْت تَقول الْإِلَه فَتدخل الْألف وَاللَّام على إِلَه وَلَا تحذف الْهمزَة مَعَ دُخُولهَا.. إِلَى آخر الهذر.

أَقُول: لَيْسَ الْأَمر كَمَا تظناه هَذَا الْعَاميّ الْمَرِيض لما ذكر سعيد عَن قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى: هَل تعلم لَهُ سميا: لَا سمي لله وَلَا عدل لَهُ كل خلقه مقرّ لَهُ

ومعترف لَهُ أَنه خالقه.

ثمَّ يقْرَأ: وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلقهمْ ليَقُولن الله فالاسم الَّذِي لَا سمي للقديم ﷾ فِيهِ لَا يخلوا من أَن يكون الله أَو الرَّحْمَن فَلَا يجوز أَن يكون الرَّحْمَن لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ اسْما من أَسمَاء الله فقد تسمي بِهِ وَقد قَالُوا لمُسَيْلمَة: رحمان وَقَالُوا أَيْضا فِيهِ: رحمان الْيَمَامَة وَذكر بعض الروَاة: أَنهم لما سمعُوا النَّبِي ﷺ َ يذكر الرَّحْمَن قَالَت قُرَيْش: أَتَدْرُونَ مَا الرَّحْمَن هُوَ كَاهِن الْيَمَامَة فَهَذَا يدل على أَنهم كَانُوا لَا يحظرون التَّسْمِيَة بِهِ. فَإِذا كَانَ قد سمي بِهِ ثَبت أَن الِاسْم الَّذِي لَا سمي لَهُ فِيهِ هُوَ الله وَهَذَا الِاسْم إِنَّمَا يكون بِهَذَا الْوَصْف إِذا لزمَه الْألف وَاللَّام فَأَما إِذا أخرجَا مِنْهُ وَألْحق الْهمزَة فَقيل: إِلَه والإله فَلَيْسَ على حد قَوْلهم: الله فِي الِاسْتِعْمَال وَلَا فِي الْمَعْنى أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ إِلَه صَار مُشْتَركا غير مَخْصُوص وَجَاز فِيهِ الْجمع وَأما فِي الْمَعْنى: فَإِنَّهُ يعْمل على الْفِعْل كَقَوْلِه تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَه الظّرْف يتَعَلَّق بِمَا فِي إِلَه من معنى الْفِعْل وَإِذا دَخلته الْألف وَاللَّام لم يعْمل هَذَا الْحَد لِخُرُوجِهِ عَن حد المصادر.

فَإِن قلت: وَهُوَ الله فِي السَّمَاوَات وَفِي الأَرْض يعلم سركم وجهركم فَإِن الظّرْف لَا يتَعَلَّق بِالِاسْمِ على حد مَا تعلق بإله إِلَّا على حد مَا أذكرهُ لَك: وَهُوَ أَن الِاسْم لما عرف مِنْهُ معنى التَّدْبِير للأشياء وَالْحِفْظ لَهَا وتصورها فِي نَحْو: إِن الله يمسك السَّمَوَات وَالْأَرْض أَن تَزُولَا صَار إِذا)

ذكر كَأَنَّهُ قد ذكر الْمُدبر والحافظ الْمُثبت فَيجوز أَن يتَعَلَّق الظّرْف بِهَذَا الْمَعْنى الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الِاسْم بعد أَن صَار مَخْصُوصًا وَفِي أَحْكَام الْأَسْمَاء الْأَعْلَام الَّتِي لَا معنى فعلٍ فِيهَا فَبِهَذَا يتَعَلَّق الظّرْف.

وعَلى هَذَا تَقول: هُوَ حاتمٌ جواداً وزهيرٌ شَاعِرًا فَتعلق الْحَال بِمَا دخل فِي هَذِه الْأَسْمَاء من معنى الْفِعْل لاشتهارها بِهَذِهِ الْمعَانِي وَلَوْلَا ذَلِك لم يجز. فَإِذا كَانَ كَذَلِك علمت أَن هَذَا الِاسْم إِذا أخرجت مِنْهُ الْألف وَاللَّام فَقلت إِلَه لم يكن على

حد قَوْلنَا الله وَلَيْسَ كَذَلِك النَّاس والأناس لِأَن الْمَعْنى فِي كلا الْحَالين فِيهِ وَاحِد أَلا ترى أَنه اسْم الْعين لَا مُنَاسبَة بَينه وَبَين الْفِعْل وَهَذَا الَّذِي عناه سِيبَوَيْهٍ عندنَا بقوله: وَذَلِكَ أَنه من قبل أَنه اسْم يلْزمه الْألف وَاللَّام لَا يفارقانه فَصَارَ كَأَن الْألف وَاللَّام فِيهِ بِمَنْزِلَة اللف وَاللَّام اللَّتَيْنِ من نفس الْحَرْف.

وَلَيْسَ فِي النَّاس والأناس كَذَلِك أَلا ترى أَنَّك إِذا أخرجتهما من الِاسْم دلّ على أَن الْأَعْيَان الَّتِي يدل عَلَيْهَا حَسْبَمَا يدل عَلَيْهِ وهما فِيهِ وَلَيْسَ فِي اسْم الله كَذَلِك فَإِذا كَانَ الْأَمر فِيهِ على مَا ذكرنَا وضح الْفَصْل بَين الاسمين إِذا أخرج مِنْهُمَا الْألف وَاللَّام. مِمَّا وَصفنَا لم يكن إِخْرَاج الْألف وَاللَّام من اسْم الله سُبْحَانَهُ كإخراجه من النَّاس حَذْو القذة بالقذة. انْتهى كَلَام أبي عَليّ. وَقد وَاعْلَم أَنهم اخْتلفُوا فِي نَاس فَقَالَ الْجُمْهُور: أَصله أنَاس فَقيل: جمع إِنْسَان وَقيل اسْم جمع لَهُ.

وَقَالَ الْكسَائي: هُوَ اسْم تَامّ وعينه وَاو من نَاس ينوس إِذا تحرّك. وعَلى هَذَا فإطلاقه على الْجِنّ وَاضح قَالَ فِي الْقَامُوس: وَالنَّاس يكون من الْإِنْس وَالْجِنّ إِلَّا أَن قَوْله أَصله أنَاس مَعَ جعله من مَادَّة نوس غير صَحِيح وَصرح بِهِ جمَاعَة من أهل اللُّغَة فَإِن الْعَرَب تَقول: ناسٌ من الْجِنّ وَفِي الحَدِيث: جَاءَ قومٌ فوقفوا. فَقيل من أَنْتُم قَالُوا: نَاس من الْجِنّ وَلذَا جوز بَعضهم فِي قَوْله تَعَالَى: من الْجنَّة وَالنَّاس أَن يكون بَيَانا للنَّاس. وَقيل أَصله نسيٌ من النسْيَان فَقدمت اللَّام على الْعين وقلبت ألفا فَصَارَ نَاسا.

وَهَذَا الْبَيْت من أَبْيَات لذِي جدن الْحِمْيَرِي الْملك كَمَا فِي كتاب المعمرين لأبي حَاتِم السجسْتانِي قَالَ: عَاشَ ثلثمِائة سنة وَقَالَ فِي ذَلِك:

لكل جنبٍ اجتنى مُضْطَجعوَالْمَوْت لَا ينفع مِنْهُ الْجزع
الْيَوْم تُجْزونَ بأعمالكمكل امرئٍ يحصد مِمَّا زرع
لَو كَانَ شيءٌ مفلتاً حتفهأفلت مِنْهُ فِي الْجبَال الصدع

)

وَقَالَ أَيْضا:

يَا اجتني مهلا ذريناأَفِي سفاءٍ تعذلينا
يومٌ يُغير ذَا النعيم وَتارَة يشفي الحزينا
إِن المنايا يطلعن على الأناس الآمنينا
فيدعنهم شَتَّى وَقدكَانُوا جَمِيعًا ففرينا

فَقَوله: اجتنى اسْم امْرَأَة مَنْقُول من الْفِعْل الْمَاضِي من اجتنى الثَّمَرَة وَهُوَ منادى بِحرف النداء الْمَحْذُوف. ومفلتا: اسْم فَاعل من أفلته: إِذا أطلقهُ. والصدع بِفَتْح الصَّاد وَالدَّال: الوعل. والسفاء بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة: مصدر سافاه مسافاة وسفاء: إِذا سافهه. واستعتب: طلب الإعتاب والإعتاب: مصدر أعتبه: إِذا أَزَال عتابه وشكواه فالهمزة للسلب. وعتب عَلَيْهِ من بَاب ضرب وَقتل: إِذا لامه فِي تسخط. والعتاب: مصدر عاتبه.

وَقَوله: تعتبينا هُوَ جَوَاب الْقسم بِتَقْدِير لَا النافية كَقَوْلِه تَعَالَى: تا لله تفتؤ تذكر يُوسُف وَهَذَا بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول.

وَقَوله: يومٌ أَي: للدهر يومٌ يُغير صَاحب النَّعيم نعيمه. ويشفى بِالْفَاءِ. والمنايا: جمع منية وَهُوَ الْمَوْت. ويطلعن: يشرفن ويقربن. والْآمنينَ: جمع آمن. بِمَعْنى مطمئن يُقَال: أَمن الْبَلَد: إِذا اطْمَأَن.

وَقَوله: فيدعنهم رُوِيَ بدله: فيذرنهم. وشتى: مُتَفَرّقين وَهُوَ جمع شتيت. ووافرين: جمع وَزعم بَعضهم فِيمَا كتبه على تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ: أَن بَيت الشَّاهِد من قصيدة

لِعبيد بن الأبرص قَالَ: وأولها كَمَا فِي الحماسة البصرية:

نَحن الألى فاجمع جموعك ثمَّ وجههم إِلَيْنَا

وَفِيه نظر من وجهيين: الأول أَن هَذَا الْبَيْت لم يذكرهُ صَاحب الحماسة فِي تِلْكَ القصيدة وَالثَّانِي: أَن أول القصيدة إِنَّمَا هُوَ: يَا ذَا المخوفنا بقتل أَبِيه إذلالاً وحينا وَالْبَيْت الَّذِي أوردهُ من أواخرها كَمَا تقدم. وذُو جدن بِفَتْح الْجِيم وَالدَّال: اسْم مرتجل وَهُوَ من أذواء الْيمن. والأذواء بَعضهم مُلُوك وَبَعْضهمْ أقيال والقيل دون الْملك قَالَ فِي الصِّحَاح: والقيل: ملك من مُلُوك حمير دون الْملك)

الْأَعْظَم وَالْمَرْأَة قيلة. وَأَصله قيل بِالتَّشْدِيدِ كَأَنَّهُ الَّذِي لَهُ قَول أَي: ينفذ قَوْله وَالْجمع أَقْوَال وأقيال أَيْضا وَمن جمعه على أقيال لم يَجْعَل الْوَاحِد مِنْهُ مشدداً. وَالْمقول بِالْكَسْرِ: القيل أَيْضا بلغَة أهل الْيمن وَالْجمع المقاول.

وَمن الأذواء الْأَوَائِل أَبْرَهَة ذُو الْمنَار والمنار مفعل من النُّور وَابْنه عَمْرو ذُو الأذعار بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الذَّال الْمُعْجَمَة زَعَمُوا أَنه حمل مَعَه إِلَى الْيمن نسناساً فذعر النَّاس مِنْهُ.

وصحفه ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ بِالدَّال الْمُهْملَة فَقَالَ: والأدعار جمع دعر أَي: بِفَتْح فَكسر وَهُوَ الْعود الْكثير الدُّخان. وَأنكر عَلَيْهِ

فِي بَغْدَاد فأصر عَلَيْهِ.. وَبعد ذِي الأذعار بدهر ذُو معاهر واسْمه حسان. ومعاهر من العهر وَهُوَ الْفُجُور. وَبعده ذُو رعين الْأَكْبَر واسْمه يريم ورعين: اسْم حصن كَانَ لَهُ وَهُوَ فِي الأَصْل تَصْغِير رعن وَهُوَ أنف الْجَبَل. ويريم: من قَوْلك رام من مَكَانَهُ أَي: برح وانفصل مِنْهُ. وذُو رعين الْأَصْغَر واسْمه عبد كلال بِضَم الْكَاف وَتَخْفِيف اللامين. وَبعده بدهر ذُو شناتر واسْمه ينوف من ناف الشَّيْء ينوف: إِذا طَال وارتفع. والشناتر بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالنُّون: الْأَصَابِع فِي لُغَة الْيمن.

وَمِنْهُم ذُو القرنين واسْمه الصعب. وَذُو غيمان وَهُوَ من الْغَيْم الَّذِي هُوَ الْعَطش وحرارة الْجوف بالغين الْمُعْجَمَة. وذُو أصبح بِفَتْح الْهمزَة وَإِلَيْهِ نسبت السِّيَاط الأصبحية. وذُو سحر بِفَتْح الْمُهْمَلَتَيْنِ وذُو شعْبَان.. وذُو فائش واسْمه سَلامَة: وفائش: من الفياش وَهُوَ الْمُفَاخَرَة وذُو حمام وَالْحمام بِضَم الْمُهْملَة: حمى الْإِبِل.

وذُو ترخم بِضَم الْمُثَنَّاة وَالْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتحهَا وَسُكُون الرَّاء: من قَوْلهم: مَا أَدْرِي أَي ترخم هُوَ: أَي: أَي النَّاس. وترخم قَبيلَة بِالْيمن أَيْضا. وذُو يحصب من قَوْلهم حصبة يحصبه: إِذا رَمَاه بالحصباء وَهِي الْحَصَى الصغار. وذُو عسيم بِفَتْح الْعين وَكسر السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ من العسم بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ يبس فِي الْمرْفق أَو من العسم بِالسُّكُونِ وَهُوَ الطمع. وذُو قثاث بِضَم الْقَاف وَتَخْفِيف المثلثتين من قَوْلهم قث يقث: إِذا جمع. وذُو حوال بِالضَّمِّ واسْمه عَامر. وحوال من المحاولة وَهِي الطّلب. وذُو مهدم وَهُوَ مفعل بِالْكَسْرِ من هدمت الْبَيْت. وَذُو الْجنَاح واسْمه شمر.. وذُو أنس والأنس بِفتْحَتَيْنِ: الْجَمَاعَة من النَّاس.) وَسمي بذلك لضفرتين كَانَتَا تنوسان على عَاتِقه وَكَانَ غُلَاما حسنا من أَبنَاء الْمُلُوك أَرَادَهُ على نَفسه ذُو الشناتر فوجأه بخنجر كَانَ قد أعده لَهُ فَقتله ورضيته حمير لنَفسهَا لما أراحها من ذِي الشناتر.

وَذُو نواس هُوَ صَاحب الْأُخْدُود الَّذِي ذكره الله ﷿ وَكَانَ يَهُودِيّا فَخدَّ الْأُخْدُود لقومٍ من أهل نَجْرَان تنصرُوا على يَد رجل من قبل آل جَفْنَة دعاهم إِلَى الْيَهُودِيَّة فَأَبَوا فحرقهم ثمَّ ظَهرت الْحَبَشَة على الْيمن فحاربوا ذَا نواس أَشد حَرْب فَلَمَّا أَيقَن بِالْهَلَاكِ اعْترض الْبَحْر بفرسه فَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ.

وَمِنْهُم ذُو الكلاع الْأَكْبَر وذُو الكلاع الْأَصْغَر وَأدْركَ الْأَصْغَر الْإِسْلَام كتب إِلَيْهِ النَّبِي ﷺ َ مَعَ جرير بن عبد الله البَجلِيّ فَأسلم وَأعْتق يَوْم أسلم أَرْبَعَة آلَاف عبد وَهَاجَر بقَوْمه فِي أَيَّام أبي بكر ﵁ إِلَى الْمَدِينَة ثمَّ سكنوا حمص.

واشتقاق الكلاع بِضَم الْكَاف وَفتحهَا من الكلع بِالتَّحْرِيكِ وَهُوَ شقاقٌ ووسخ يكون فِي الْقدَم يُقَال: مِنْهُ كلعت رجله.

وَمِنْهُم ذُو عثكلان بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْمُثَلَّثَة وَهُوَ اسْم مرتجل. وذُو ثعلبان بِالضَّمِّ وَهُوَ ذكر الثعالب. وذُو زهران وذُو مكارب أَي: ذُو مفاصل شَدَّاد جمع مكرب كمكرم. وذُو مناخ بِالضَّمِّ وَكَانَ نزل ببعلبك.

وذُو ظليم واسْمه حَوْشَب وَهُوَ الْعَظِيم الْبَطن. والظليم: ذكر النعام. وَشهد ذُو ظليم صفّين مَعَ مُعَاوِيَة ﵁.

وَمِنْهُم ذُو يزن ملك الْيمن بعد ذِي نواس فهزمته الْحَبَش واقتحم الْبَحْر فَهَلَك. ويزن: اسْم مرتجل وَهُوَ غير منصرف لِأَن أَصله يزأن على وزن يسْأَل فخففوا همزته فَصَارَ وَزنه يفل وَمِنْهُم من رد عينه فِي النّسَب فَقَالَ رمح يزأني: وَقيل إِن أَصله من وزن يزن فحذفت الْوَاو ثمَّ)

أبدلت الكسرة فَتْحة.

وَاسم ذِي يزن: عَامر بن أسلم بن زيد بن غوث الْحِمْيَرِي وَالله أعلم.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»