من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشاهد الثَّانِي وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وهوالشاهد الثَّانِي وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة)
طلب المعقب حَقه الْمَظْلُوم على أَن فَاعل الْمصدر وَإِن كَانَ مجروراً بِإِضَافَة الْمصدر إِلَيْهِ مَحَله الرّفْع فالمعقب فَاعل وَهَذَا عجز وصدره: حَتَّى تهجر فِي الرواح وهاجها وَهُوَ من قصيدة للبيد بن ربيعَة الصَّحَابِيّ. وصف بِهِ مَعَ أَبْيَات حمارا وأتانه شبه بِهِ نَاقَته.
وَقَبله:
لَوْلَا تسليك اللبانة حرةٌحرجٌ كأحناء الغبيط عقيم
لَوْلَا هُنَا تخصصية. والتسلية: إِزَالَة الْهم وَضَمنَهُ معنى النسْيَان. واللبانة: الْحَاجة. والْحَرج بِفَتْح الْحَاء وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالثَّالِث جِيم: النَّاقة الضامرة. والغبيط بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة: الرحل وَهُوَ للنِّسَاء يشد عَلَيْهِ الهودج. وأحناؤه: عيدانه فِي الصِّحَاح: الحنو بِالْكَسْرِ: وَاحِد أحناء السرج والقتب. وحنو كل شَيْء أَيْضا: اعوجاجه. والْعَقِيم: الَّتِي لَا تَلد يُرِيد: أَنَّهَا قَوِيَّة صلبة لم يصبهَا مَا يوهنها من فقد أَوْلَادهَا وَغير ذَلِك.
حرفٌ أضرّ بهَا السفار كَأَنَّهَابعد الكلال مسدمٌ محجوم
الْحَرْف: النَّاقة الشَّدِيدَة. وأضرّ بالضاد الْمُعْجَمَة بِمَعْنى لصق ودنا دنواً شَدِيدا يُقَال أضرّ بفلان كَذَا: أَي: لصق بِهِ ودنا مِنْهُ. والسفار: فَاعل أضرّ وَهُوَ مصدر سَافر يُسَافر مسافرة وسفاراً. والكلال: مصدر كل من الْمَشْي: إِذا أعيا. والمسدم: اسْم مفعول يُقَال: فَحل مسدم. إِذا جعل على فَمه الكعام بِالْكَسْرِ وَهُوَ شَيْء يَجْعَل فِي فَم الْبَعِير يُقَال: كعمت الْبَعِير: إِذا شددت بِهِ فَمه فِي هياجه فَهُوَ مكعوم. والسدم بِكَسْر الدَّال: الْفَحْل الهائج المشتهي الضراب. والمحجوم: من حجمت الْبَعِير أحجمه: إِذا جعلت على فَمه حجاماً وَذَلِكَ إِذا هاج للضراب والحجام بِتَقْدِيم الْمُهْملَة الْمَكْسُورَة على الْجِيم: شَيْء يَجْعَل فِي مقدم أنف الْبَعِير كي لَا يعَض عِنْد هيجانه.
أَو مسحلٌ شنجٌ عضادة سمحجٍبسراته ندبٌ لَهَا وكلوم
المسحل بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين وَفتح الْحَاء الْمُهْمَلَتَيْنِ: الْحمار الوحشي وصف نَاقَته بأبلغ مَا يُمكن من النشاط وَالْقُوَّة على السّير وَذَلِكَ أَنه شبهها بعد أَن كلت وأعيت بالفحل الهائج أَو)
بالحمار الوحشي وهما مَا هما فِي الْقُوَّة وَالْجَلد فَمَا ظَنك بِهَذِهِ النَّاقة قبل الإعياء وشنج بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَسُكُون النُّون من الشنج وَهُوَ فِي الأَصْل التقبض وَأَرَادَ بِهِ هُنَا الملازم. والعضادة بِالْكَسْرِ: الْجنب. والسمحج بِفَتْح السِّين وَسُكُون الْمِيم وَآخره جِيم قبلهَا مُهْملَة: الأتان الطَّوِيلَة على الأَرْض. والسراة بِفَتْح الْمُهْملَة: الظّهْر. والنّدب بِفَتْح النُّون وَالدَّال أثر الْجرْح. والكلوم: الْجِرَاحَات جمع كلم بِالْفَتْح وَهَذَا الْبَيْت من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ: أوردهُ على عضادة مَنْصُوب بشنج نصب الْمَفْعُول بِهِ يَقُول: إِنَّه ملازم لأتانه ولشدته وصلابته قد لازمها وَقبض النَّاحِيَة الَّتِي بَينهَا وَبَينه وَلم يحجزه عَن ذَلِك رمحها وعضها اللَّذَان بظهره مِنْهَا ندب وكلوم.
ثمَّ أَخذ يصفه مَعَ أتانه: بِأَنَّهُمَا كَانَا فِي خصب زَمَانا حَتَّى إِذا هاج النَّبَات ونضب المَاء أسْرع مَعهَا إِلَى كل نجدٍ يُريدَان أطيب الْكلأ وأهنأ المرعى إِلَى أَن قَالَ:
يُوفي ويرتقب النجاد كَأَنَّهُذُو إربةٍ كل المرام يروم
حَتَّى تهجر فِي الرواح وهاجهاطلب المعقب حَقه الْمَظْلُوم
قرباً يشج بهَا الحزون عَشِيَّةربذٌ كمقلاء الْوَلِيد شتيم
يُوفي: يشرف وفاعله ضمير مسحل. والنجاد: جمع نجد وَهُوَ الْمُرْتَفع من الأَرْض أَي: يشرف على الْأَمَاكِن المرتفعة كالرقيب وَهُوَ الرجل الَّذِي يكون ربيئة الْقَوْم يرْتَفع على مَكَان عالٍ متجسساً. والإربة بِالْكَسْرِ: الْحَاجة. وكل مفعول مقدم ليروم. والتهجر: السّير فِي الهاجرة وَهِي نصف النَّهَار عِنْد اشتداد الْحر. وَحَتَّى بِمَعْنى إِلَى. والرواح: اسْم للْوَقْت من زَوَال الشَّمْس إِلَى اللَّيْل وَهُوَ نقيض الغدو لَا الصَّباح خلافًا للجوهري. وهاجها: أزعجها. وطلب: مصدر تشبيهي أَي: هاج هَذَا المسحل أنثاه لطلب المَاء طلبا حثيثاً كَطَلَب المعقب وَهُوَ اسْم فَاعل من التعقيب وَهُوَ الَّذِي يطْلب حَقه مرّة وَاسْتشْهدَ بِهِ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: لَا معقب لحكمه على أَن المعقب: الْمُقْتَضِي الَّذِي يطْلب الدَّين من الْغَرِيم يُقَال: عقب فِي الْأَمر: إِذا تردد فِي طلبه مجداً. والْقرب محركة: سير اللَّيْل لورد الْغَد وَهُوَ مَنْصُوب بيشج: أَي: يقطع يُقَال: شججت الْمَفَازَة: إِذا قطعتها وَالْبَاء بِمَعْنى مَعَ. والحزون: جمع حزن بِالْفَتْح وَهُوَ مَا غلظ من الأَرْض. وربذ: أَي: هُوَ ربذ بِفَتْح الرَّاء وَكسر الْمُوَحدَة وبالذال الْمُعْجَمَة وَهُوَ السَّرِيع الْخَفِيف القوائم فِي)
الْمَشْي. والمقلاء بِالْكَسْرِ وَالْمدّ كمفعال والْقلَّة بِالضَّمِّ وَالتَّخْفِيف: هما عودان يلْعَب بهما الصّبيان وَالْأول يضْرب بِهِ وَالثَّانِي ينصب ليضْرب يُقَال: قلوت الْقلَّة بالمقلاء أقلو
قلواً. أَي: أَنه يَسُوقهَا كَمَا أَن المقلاء يَسُوق الْقلَّة. والشتيم: الكريه الْوَجْه يشْتم لعنفه وغلظته وَهُوَ صفة ربذ.
وَقَوله: طلب المعقب حَقه يجوز أَن يكون حَقه مفعول الْمصدر وَهُوَ الطّلب وَيكون مفعول المعقب محذوفاً وَأَن يكون مفعول المعقب لِأَنَّهُ بِمَعْنى الطَّالِب والمقتضي وَيكون مفعول الْمصدر محذوفاً: على التَّنَازُع. وَإِلَى هَذَا جنح الْفَارِسِي وَقَالَ: فَلَو قدم الْمَظْلُوم على حَقه لم يجز لِأَنَّك لَا تصف الْمَوْصُول وَهُوَ أل هُنَا حَتَّى يتم بصلته وصلته لم تتمّ بعد لِأَن حَقه من صلَة المعقب وَمن تَمَامه.
وتوجيه هَذَا الشَّاهِد على مَا ذكره الشَّارِح الْمُحَقق هُوَ الْمَشْهُور والمتداول بَين النَّاس وَهُوَ ليعقوب بن السّكيت. وَقَالَ أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته: أنْشدهُ الْفراء وَهِشَام. وهاجه بتذكير الضَّمِير على أَنه عَائِد على الْحمار وَقَالَ: الطّلب عِنْدهمَا فِي هَذِه الرِّوَايَة مَرْفُوع. وَفِي الْبَيْت تخاريج أخر. ثَانِيهمَا لأبي حَاتِم السجسْتانِي قَالَ: الْمَظْلُوم جَار على الضَّمِير الَّذِي فِي المعقب: يُرِيد أَنه بدل كل من الضَّمِير لتساويهما فِي الْمَعْنى. وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هُوَ بدل اشْتِمَال من الضَّمِير. وَفِيه أَن بدل الاشتمال لابد لَهُ من ضمير. ثالثهما لأبي عَليّ الْفَارِسِي فِي الْمسَائِل البصرية والقصرية: وَهُوَ أَن يكون الْمَظْلُوم فَاعل الْمصدر وَيكون الْمصدر مُضَافا لمفعوله والمعقب حِينَئِذٍ مَعْنَاهُ الماطل يُقَال عقبني حَقي أَي: مطلني.
وعَلى هَذَا فحقه مفعول المعقب لَا غير وَحِينَئِذٍ لَا يجوز تَقْدِيم الْمَظْلُوم عَلَيْهِ لما تقدم. وَكَأَنَّهُ قَالَ: طلب الْمَظْلُوم الماطل حَقه فَتكون الْهَاء رَاجِعَة إِلَى الْمَظْلُوم على نَحْو: ضرب غُلَامه زيدٌ لِأَنَّهَا مُتَّصِلَة بالمفعول أَي: طلب الْمَدِين الماطل حَقه أَي: حق الْمَدِين فَإِن الْحق لَهُ لَا للمستدين.
وَقد يجوز أَن تكون رَاجِعَة للمستدين يُرِيد حَقه أَي: الَّذِي يجب عَلَيْهِ الْخُرُوج مِنْهُ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: وليلبسوا عَلَيْهِم دينهم فأضاف الدَّين إِلَيْهِم لما كَانَ وَاجِبا عَلَيْهِم الْأَخْذ بِهِ وَإِن لم وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: زينا لكل أمةٍ عَمَلهم أَي: الْعَمَل الَّذِي أمروا بِهِ وندبوا إِلَيْهِ وَشرع لَهُم..
قَالَ: وعَلى هَذَا يحْتَمل أَن تكون رَاجِعَة إِلَى المعقب بأسره
وَأَن تكون رَاجِعَة إِلَى أل على قَول)
أبي بكر وَأَن تكون رَاجِعَة إِلَى الَّذِي دلّت عَلَيْهِ أل على قَول أبي عُثْمَان.. وَنسب أَبُو حَيَّان فِي تَذكرته قَول الْفَارِسِي إِلَى جمَاعَة من قدماء اللغويين وَقَالَ: تلخيصه: وهاج الْحمار الأتان هيجاناً مثل طلب المعقب حَقه. وَقَالُوا: مَوضِع المعقب نصبٌ بِالطَّلَبِ وناصب الْحق المعقب وفاعل الطّلب الْمَظْلُوم. وَتَفْسِير يعقب حَقه يَطْلُبهُ مرّة بعد أُخْرَى.
وَلَا يخفى أَن هَذَا تَخْلِيط بَين الْقَوْلَيْنِ. رَابِعهَا لِابْنِ جني فِي الْمُحْتَسب: أَن الْمَظْلُوم فَاعل حَقه. قَالَ فِي سُورَة النَّحْل فِي تَوْجِيه قِرَاءَة ابْن سِيرِين: وَإِن عقبتم فعقبوا. أَي: إِن تتبعتم فتتبعوا بِقدر الْحق الَّذِي لكم وَلَا تَزِيدُوا عَلَيْهِ قَالَ لبيد:
(حَتَّى تهجر فِي الرواح وهاجه... طلب المعقب........... الخ)
أَي: هاجه طلبا مثل طلب المعقب حَقه الْمَظْلُوم أَي: عازه وَمنعه الْمَظْلُوم فحقه على هَذَا فعل حَقه يحقه أَي: لواه حَقه. وَيجوز طلب المعقب حَقه فتنصب حَقه بِنَفس الطّلب مَعَ نصب طلب كَمَا تنصبه مَعَ رَفعه والمظلوم صفة المعقب على مَعْنَاهُ دون لَفظه أَي: أَن طلب هَذَا كَلَامه. وَعَلِيهِ فَينْظر: مَا فَاعل حَقه مَعَ نصب طلب وَأما مَعَ رَفعه فَهُوَ فَاعل هاجه.
وَينظر أَيْضا: مَا مَوضِع جملَة حَقه الْمَظْلُوم من الْإِعْرَاب. على أَن حَقه بِمَعْنى لواه حَقه لم أَجِدهُ فِي كتب اللُّغَة.
وَقَوله: كَمَا تنصبه أَي: تنصب الْحق. وَقَوله: مَعَ رَفعه أَي: مَعَ رفع الطّلب. وَقَوله: فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا أَي: فِي نصب الطّلب وَرَفعه وَبِالْجُمْلَةِ كَلَامه هُنَا خلاف كَلَام النَّاس وَفِيه تعقيد لَا يظْهر مَعَه المُرَاد. فَلْيتَأَمَّل.
وَقَالَ ابْن بري فِي شرح أَبْيَات الْإِيضَاح لأبي عَليّ. قَوْله: وهاجه أَي: أثاره يَعْنِي العير وَالْفَاعِل التهجر أَو الطّلب وَالتَّقْدِير: هاجه مثل طلب المعقب فَحذف الْمُضَاف ويروى: هاجها أَي: هاج العير الأتان وطلب مَنْصُوب على الْمصدر بِمَا دلّ عَلَيْهِ الْمَعْنى أَي: طلب المَاء كَطَلَب المعقب وَإِن شِئْت
جعلته مَفْعُولا من أَجله أَي: هاجها للطلب وحَقه مفعول بِالْمَصْدَرِ والمعقب فَاعل أضيف إِلَيْهِ الْمصدر وَهُوَ الَّذِي يتبع عقب الْإِنْسَان فِي طلب حق أَو نَحوه والمظلوم نعت للمعقب على الْموضع. وَقَالَ يَعْقُوب: المعقب: الماطل عقبني حَقي أَي: مطلني. فعلى هَذَا يكون المعقب مَفْعُولا والمظلوم فَاعِلا. وَقيل: الْمَظْلُوم بدل من الضَّمِير فِي)
الصَّحَابِيّ ﵁. قدم على النَّبِي ﷺ َ سنة وَفد قومه بَنو جَعْفَر بن كلاب فَأسلم وَحسن إِسْلَامه. وَكَانَ لبيد وعلقمة بن علاثة العامريان من الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم وَهُوَ مَعْدُود فِي فحول الشُّعَرَاء المجودين كَذَا فِي بَاب الِاسْتِيعَاب.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: كنيته أَبُو عقيل. وَكَانَ من شعراء الْجَاهِلِيَّة وفرسانهم.
وَكَانَ الْحَارِث بن أبي شمر الغساني وَهُوَ الْأَعْرَج وَجه إِلَى الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء مائَة فارسٍ وَأمره عَلَيْهِم فَسَارُوا إِلَى معسكر الْمُنْذر وأظهروا أَنهم أَتَوْهُ داخلين عَلَيْهِ فِي طَاعَته فَلَمَّا تمكنوا مِنْهُ قَتَلُوهُ وركبوا خيلهم فَقتل أَكْثَرهم وَنَجَا لبيد فَأتى ملك غَسَّان فَأخْبرهُ فَحمل الغسانيون على عَسْكَر الْمُنْذر فهزموهم فَهُوَ يَوْم حليمة.
وحليمة: بنت ملك غَسَّان وَكَانَت طيبت هَؤُلَاءِ الفتيان وألبستهم الأكفان.
وَلما أسلم مَعَ قومه رَجَعَ قومه إِلَى بِلَادهمْ وَقدم هُوَ الْكُوفَة فَأَقَامَ بهَا إِلَى أَن مَاتَ فَدفن فِي صحراء بني جَعْفَر بن كلاب. وَيُقَال: إِن وَفَاته كَانَت فِي أول مُدَّة مُعَاوِيَة ﵁ وَمَات وَهُوَ ابْن مائَة وَسبع وَخمسين سنة. انْتهى.
وَقَالَ فِي الِاسْتِيعَاب: قد قيل: إِنَّه مَاتَ بِالْكُوفَةِ أَيَّام الْوَلِيد بن عقبَة فِي خلَافَة عُثْمَان وَهُوَ أصح. فَبعث الْوَلِيد إِلَى منزله عشْرين جزوراً فنحرت عَنهُ.
ثمَّ قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وَلم يقل شعرًا فِي الْإِسْلَام إِلَّا بَيْتا وَاحِدًا قَالَ أَبُو الْيَقظَان وَهُوَ قَوْله: وَقَالَ غَيره: بل هُوَ قَوْله:
مَا عَاتب الْمَرْء الْكَرِيم كنفسهوالمرء يصلحه الجليس الصَّالح
وَكتب عمر بن الْخطاب إِلَى عَامله الْمُغيرَة بن شُعْبَة بِالْكُوفَةِ: أَن استنشد من عنْدك من شعراء مصرك مَا قَالُوهُ فِي الْإِسْلَام. فَأرْسل إِلَى الْأَغْلَب الْعجلِيّ أَن أَنْشدني فَقَالَ:
لقد طلبت هيناً مَوْجُوداأرجزاً تُرِيدُ أم قصيدا
ثمَّ أرسل إِلَى لبيد: أَن أَنْشدني فَقَالَ: إِن شِئْت مَا عُفيَ عَنهُ يَعْنِي الْجَاهِلِيَّة قَالَ: لَا مَا قلت فِي الْإِسْلَام. فَانْطَلق إِلَى بَيته فَكتب سُورَة الْبَقَرَة فِي صحيفَة ثمَّ أَتَى بهَا فَقَالَ: أبدلني الله هَذِه فِي الْإِسْلَام مَكَان الشّعْر. فَكتب بذلك الْمُغيرَة إِلَى عمر فنقص من عَطاء الْأَغْلَب خَمْسمِائَة وزادها فِي عَطاء لبيد فَكَانَ عطاؤه أَلفَيْنِ
وَخَمْسمِائة. فَكتب الْأَغْلَب إِلَى عمر: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تنقص عطائي أَن أطعتك فَرد عَلَيْهِ خَمْسمِائَة وَأقر لبيداً على الْأَلفَيْنِ والخمسمائة فَلَمَّا كَانَ زمن)
مُعَاوِيَة ﵁ وَأَرَادَ أَن يَجْعَل عطايا النَّاس أَلفَيْنِ قَالَ لَهُ: هَذَانِ الفودان فَمَا هَذِه العلاوة فَقَالَ لَهُ لبيد: أَمُوت وَيبقى لَك الفودان والعلاوة وَإِنَّمَا أَنا هَامة الْيَوْم أَو غَد فرق لَهُ وَترك عطاءه على حَاله. فَمَاتَ بعد ذَلِك بِيَسِير وَلم يقبضهَا.
وَفِي الِاسْتِيعَاب: ذكر الْمبرد وَغَيره: أَن لبيداً كَانَ شريفاً فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَكَانَ نذر أَن لَا تهب الصِّبَا إِلَّا نحر وَأطْعم وَأَن الصِّبَا هبت يَوْمًا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ مقتر مملق فَعلم بذلك الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط وَكَانَ أَمِيرا عليهالعثمان فَخَطب النَّاس فَقَالَ: إِنَّكُم قد عَرَفْتُمْ نذر أبي عقيل وَمَا وكد على نَفسه فأعينوا أَخَاكُم. ثمَّ نزل فَبعث إِلَيْهِ بِمِائَة نَاقَة وَبعث النَّاس إِلَيْهِ فَقضى نَذره وَفِي خبر غير الْمبرد. فاجتمعت عِنْده ألف رَاحِلَة وَكتب إِلَيْهِ الْوَلِيد:
أرى الجزار يشحذ شفرتيهإِذا هبت ريَاح أبي عقيل
أغر الْوَجْه أَبيض عامريٌطَوِيل الباع كالسيف الصيقل
وَفِي ابْن الْجَعْفَرِي بحلفتيهعلى العلات وَالْمَال الْقَلِيل
بنحر الكوم إِذْ سحبت عَلَيْهِذيول صبا تجاوب الْأَصِيل
فَقَالَ لبيد لابنته: أجيبيه فقد رَأَيْتنِي وَمَا أعيا بِجَوَاب شَاعِر فأنشأت تَقول:
إِذا هبت ريَاح أبي عقيلٍدَعونَا عِنْد هبتها الوليدا
أَشمّ الْأنف أصيد عبشمياًأعَان على مروءته لبيدا
بأمثال الهضاب كَأَن ركباًعَلَيْهَا من بني حامٍ قعُودا
أَبَا وهبٍ جَزَاك الله خيرانحرناها وأطعمنا الثريدا
فعد إِن الْكَرِيم لَهُ معادٌوظني بِابْن أروى أَن يعودا
فَقَالَ لَهَا لبيد: قد أَحْسَنت لَوْلَا أَنَّك استزدته فَقَالَت: وَالله مَا استزدته إِلَّا لِأَنَّهُ ملك وَلَو كَانَ سوقة لم أفعل.
وَقَالَت عَائِشَة ﵂: رحم الله لبيداً حَيْثُ يَقُول:
ذهب الَّذين يعاش فِي أَكْنَافهموَبقيت فِي خلفٍ كَجلْد الأجرب
لَا ينفعون وَلَا يُرْجَى خَيرهمْويعاب قَائِلهمْ وَإِن لم يشغب
قَالَت: فَكيف لَو أدْرك زَمَاننَا انْتهى.. وَالْخلف بِسُكُون اللَّام:
النَّسْل الطالح وبفتح اللَّام: النَّسْل الصَّالح. والشغب: تهييج الشَّرّ والفتنة.)
ثمَّ قَالَ ابْن قُتَيْبَة: وملاعب الأسنة عَم لبيد. وَهُوَ عَامر بن مَالك. وَسمي ملاعب الأسنة بقول أَوْس بن حجر:
ولاعب أَطْرَاف الأسنة عامرٌفراح لَهُ حَظّ الكتيبة أجمع
وَكَانَ ملاعب الأسنة أَخذ أَرْبَعِينَ مرباعاً فِي الْجَاهِلِيَّة. وأَرْبَد بن قيس الَّذِي أَتَى رَسُول الله ﷺ َ غادراً مَعَ عَامر بن الطُّفَيْل هُوَ أَخُو لبيد لأمه فَدَعَا الله عَلَيْهِمَا فَمَاتَ عَامر بالطاعون وَنزلت صَاعِقَة على أَرْبَد فَأَحْرَقتهُ.
وَيُقَال: فِيهِ نزلت: وَيُرْسل الصَّوَاعِق فَيُصِيب
بهَا من يَشَاء. ورثاه لبيد بأشعار كَثِيرَة. انْتهى.
وروى أَبُو حَاتِم السجسْتانِي فِي كتاب المعمرين بِسَنَدِهِ إِلَى الشّعبِيّ قَالَ: أرسل إِلَيّ عبد الْملك بن مَرْوَان وَهُوَ شاكٍ فَدخلت عَلَيْهِ فَقلت: كَيفَ أَصبَحت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: أَصبَحت كَمَا قَالَ ابْن قميئة الشَّاعِر:
كَأَنِّي وَقد جَاوَزت تسعين حجَّةخلعت بهَا عني عذار لجامي
رمتني بَنَات الدَّهْر من حَيْثُ لَا أرىفَكيف بِمن يرْمى وَلَيْسَ برام
فَلَو أَنَّهَا نبلٌ إِذا لاتقيتهاولكنني أرمى بِغَيْر سِهَام
إِذا مَا رَآنِي النَّاس قَالُوا: ألم تكنجليداً شَدِيد الْبَطْش غير كهام
فنيت وَلم يفن من الدَّهْر لَيْلَةوَلم يغن مَا أفنيت سلك نظام
على الراحتين مرّة وعَلى الْعَصَاأنوء ثَلَاثًا بعدهن قيامي
فَقلت: لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَكِنَّك كَمَا قَالَ لبيد بن ربيعَة:
نَفسِي تشكى إِلَيّ الْمَوْت مجهشةًوَقد حَملتك سبعا بعد سبعينا
فَإِن تزادي ثَلَاثًا تحدثي أملاًوَفِي الثَّلَاث وفاءٌ للثمانينا
فَعَاشَ وَالله حَتَّى بلغ تسعين حجَّة فَقَالَ:
كَأَنِّي وَقد جَاوَزت تسعين حجَّةخلعت بهَا عَن مَنْكِبي ردائيا
أَلَيْسَ فِي مائَة قد عاشها رجلٌوَفِي تَكَامل عشرٍ بعْدهَا عمر
فَعَاشَ وَالله حَتَّى بلغ عشْرين سنة وَمِائَة فَقَالَ فِي ذَلِك:
وغنيت سبتاً بعد مجْرى داحسٍلَو كَانَ للنَّفس اللجوج خُلُود
فَعَاشَ وَالله حَتَّى بلغ أَرْبَعِينَ وَمِائَة سنة فَقَالَ فِي ذَلِك:)
وَلَقَد سئمت من الْحَيَاة وطولهاوسؤال هَذَا النَّاس: كَيفَ لبيد
فَقَالَ عبد الْملك: وَالله مَا بِي بَأْس اقعد حَدثنِي مَا بَيْنك وَبَين اللَّيْل. فَقَعَدت فَحَدَّثته حَتَّى أمسيت ثمَّ فارقته فَمَاتَ فِي ليلته.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع