من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الرَّابِع وَالْعشْرُونَ بعد الْمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
فلسنا بالجبال وَلَا الحديدا على أَن قَوْله: الحديدا مَعْطُوف على مَحل الْجَار وَالْمَجْرُور وَهُوَ قَوْله: بالجبال وَهُوَ خبر لَيْسَ وَهُوَ عجزٌ وصدره: معاوي إننا بشرٌ فَأَسْجِحْ ومعاوي: منادى مرخم مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان. وأسجح بِقطع الْهمزَة وَتَقْدِيم الْجِيم على الْمُهْملَة وَمَعْنَاهُ ارْفُقْ وَسَهل. وخد أسجح أَي: سهل.
وَقد رد الْمبرد على سِيبَوَيْهٍ رِوَايَته لهَذَا الْبَيْت بِالنّصب وَتَبعهُ جماعةٌ مِنْهُم العسكري صَاحب التَّصْحِيف قَالَ: وَمِمَّا غلط فِيهِ النحويون من الشّعْر وَرَوَوْهُ مُوَافقا لما أرادوه مَا رُوِيَ عَن سِيبَوَيْهٍ عِنْدَمَا احْتج بِهِ فِي نسق الِاسْم الْمَنْصُوب على المخفوض. وَقد غلط على الشَّاعِر لِأَن هَذِه القصيدة مَشْهُورَة وَهِي مخفوضةٌ كلهَا. وَهَذَا الْبَيْت أَولهَا. وَبعده:
فهبنا أمة ذهبت ضيَاعًايزِيد أميرها وَأَبُو يزِيد
أكلْتُم أَرْضنَا فجردتموهافَهَل من قائمٍ أَو من حصيد
أتطمع فِي الخلود إِذا هلكناوَلَيْسَ لنا وَلَا لَك من خُلُود
ذَروا خون الْخلَافَة واستقيمواوتأمير الأراذل وَالْعَبِيد
وأعطونا السوية لَا تزركمجنودٌ مردفاتٌ بالجنود
وَهَذَا الشّعْر لعقيبة بن هُبَيْرَة الْأَسدي شاعرٌ جاهليٌ إسلامي. وَفد على مُعَاوِيَة ابْن أبي سُفْيَان فَدفع إِلَيْهِ رقْعَة فِيهَا هَذِه الأبيات فَدَعَاهُ مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ: مَا جرأك عَليّ قَالَ: نَصَحْتُك إِذْ غشوك وصدقتك إِذْ كَذبُوك فَقَالَ: مَا أَظُنك إِلَّا صَادِقا فَقضى حَوَائِجه.)
ويروى أَن أَبَا بردة بن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ جَاءَ إِلَى مُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن عقيبة أَخا بني أَسد هجاني فَقَالَ: وَمَا قَالَ لَك قَالَ: قَالَ لي: فَمَا أَنا من حداث أمك بالضحى فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَة: لَيْسَ من حداثها قَالَ: وَقَالَ لي: وَلَا من يزكيها بِظهْر مغيب فَقَالَ مُعَاوِيَة: لَكِن الله وَرَسُوله والمهاجرين وَالْأَنْصَار يزكونها وَكَانَت تخْدم رَسُول الله ﷺ َ. قَالَ: وَقَالَ لي:
وَأَنت امرؤٌ فِي الأشعرين مُقَابل فَقَالَ: صدق. قَالَ: وَقَالَ لي: وَفِي الْبَيْت والبطحاء حق غَرِيب فَقَالَ: صدق لَيْسَ لَك فِي الْبَيْت وَلَا فِي الْبَطْحَاء حق قَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فندعه على هَذَا قَالَ: مَا قَالَ لي أَشد مِمَّا قَالَ لَك.. وَقَرَأَ لَهُ الأبيات فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا تصنع بِهِ قَالَ: وعقيبة بِالْقَافِ يحْتَمل أَن يكون مصغر عقبَة كظلمة وَهِي بَقِيَّة المرق وَنَحْو ذَلِك ترد فِي الْقدر المستعارة أَو مصغر الْعقبَة بِمَعْنى النّوبَة يُقَال: تمت عقبتك. وهما يتعاقبان أَي: يتناوبان.
وَقَوله: فجردتموها أَي: قشرتموها كَمَا يجرد اللَّحْم من الْعظم وَقَوله: فَهَل من قَائِم يَعْنِي: الْقرى الَّتِي أهلكت مِنْهَا قَائِم قد بقيت حيطانه وَمِنْهَا حصيد قد أمحى أَثَره والخون بِفَتْح الْخَاء وَسُكُون الْوَاو: مصدر كالخيانة. والتأمير: تفعيل من الْإِمَارَة. والسوية: الْمُسَاوَاة: والنصفة.
وَلم أر لعقيبة هَذَا ذكرا فِي كتب الصَّحَابَة وَلم يذكرهُ ابْن حجر أَيْضا فِي الْإِصَابَة من المخضرمين. وَالظَّاهِر أَنه من المخضرمين.
وَأجَاب الزَّمَخْشَرِيّ تبعا لما قَالَه ابْن الْأَنْبَارِي فِي الْإِنْصَاف بِأَن هَذَا الْبَيْت رُوِيَ مَعَ أَبْيَات مَنْصُوبَة وَمَعَ أَبْيَات مجرورة فَمن رَوَاهُ بِالْجَرِّ روى مَعَه الأبيات الْمُتَقَدّمَة وَمن رَوَاهُ بِالنّصب روى مَعَه:
أديروها بني حربٍ عَلَيْكُموَلَا ترموا بهَا الْغَرَض البعيدا
)
يَقُول: ضمُّوا الْخلَافَة وَالْولَايَة إِلَيْكُم وَلَا ترموا بهَا أقْصَى المرامي أَي: لَا
تطرحوا النّظر فِي أمرنَا وَهَذَا الشّعْر لعبد الله بن الزبير الْأَسدي. قَالُوا: وَلَيْسَ يُنكر أَن يكون بيتٌ من شعرين مَعًا لِأَن الشُّعَرَاء قد يستعير بَعضهم من كَلَام بعض وَرُبمَا أَخذ الْبَيْت بِعَيْنِه وَلم يُغَيِّرهُ كَقَوْل الفرزدق:...
ترى النَّاس مَا سرنا يَسِيرُونَ خلفناوَإِن نَحن أومأنا إِلَى النَّاس وقفُوا
فَإِن هَذَا الْبَيْت لجميل بن عبد الله انتحله الفرزدق.
وَأورد ابْن خلف نَظِير هَذَا فِي شرح أَبْيَات الْكتاب مَا يزِيد على مائَة بَيت. وَمثل مَا نَحن فِيهِ قَول الْأَخْنَس بن شهَاب الْيَشْكُرِي:
إِذا قصرت أسيافنا كَانَ وَصلهَاخطانا إِلَى أَعْدَائِنَا فنضارب
وَالْقَصِيدَة مَرْفُوعَة القوافي وَأَخذه قيس بن الخطيم وَجعله فِي قصيدة مجرورة القوافي وَسَيَأْتِي شَرحه إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الظروف.
وَزعم السيرافي: أَن شعر عقيبة الْأَسدي يجوز فِي إنشاد قوافيه الْجَرّ وَالنّصب. قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وَهَذَا وهم لِأَن فِيهَا مَا يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ عِنْد الْبَصرِيين وَمِنْهَا مَا لَا يجوز فِيهِ عِنْدهم إِلَّا وجهٌ وَاحِد وَلَا يجوز أَن ينشد بعض القصيدة مَنْصُوبًا وَبَعضهَا مَرْفُوعا على طَرِيق الإقواء لِأَن الإقواء فِي الْغَالِب إِنَّمَا يكون بَين الْمَرْفُوع وَالْمَجْرُور لما بَينهمَا من الْمُنَاسبَة فَأَما مايصح فِيهِ الْوَجْهَانِ فالبيت الأول وَالثَّالِث وَالْخَامِس وَالنّصب فِيهِ عطف على خون الْخلَافَة وَيجوز أَن يكون مَعْطُوفًا على تأمير الأراذل على حذف مُضَاف فَأَما البيتان الباقيان فَلَا يَصح فيهمَا النصب
على مَذْهَب الْبَصرِيين وَيجوز على مَذْهَب الْكُوفِيّين لأَنهم يجيزون ترك صرف مَا ينْصَرف فِي الشّعْر ضَرُورَة.
وَلَا يخفى أَن الْكُوفِيّين إِنَّمَا يجيزون ترك صرف المنصرف إِذا كَانَ علما يكتفون بِشَرْط الْعلَّة كَمَا هُوَ الْمَشْهُور وَقدمنَا فِي أول بَاب مَا لَا ينْصَرف مَا يُغني عَن إِعَادَته هُنَا.
وَقيل: إِنَّه من شعر آخر لعبد الله بن الزبير وَهُوَ:
رمى الْحدثَان نسْوَة آل حربٍبِمِقْدَار سمدن لَهُ سمودا
فَرد شعورهن السود بيضًاورد وجوههن الْبيض سُودًا
فَإنَّك لَو سَمِعت بكاء هندٍورملة إِذْ تصكان الخدودا
سَمِعت بكاء باكيةٍ حزينٍأبان الدَّهْر وَاحِدهَا الفقيدا
)
معاوي إننا بشرٌ فاسجح................. الْبَيْت وَلَا يخفى أَن هَذَا الْبَيْت أَجْنَبِي من هَذِه الأبيات وَيدل عَلَيْهِ: أَن أَبَا تَمام أنْشد هَذِه الأبيات لمن ذكرنَا فِي بَاب المراثي من الحماسة بون الْبَيْت الْأَخير وَلم يذكرهُ أحد من شراحه. والْحدثَان بِالتَّحْرِيكِ: الْحَادِثَة ونائبة الدَّهْر. والْمِقْدَار: مَا قدره الله تَعَالَى. وَفِيه قلبٌ وابْن الزبير هُوَ عبد الله بن الزبير بن الأشيم بن الْأَعْشَى بن بجرة بِفَتْح الْمُوَحدَة وَالْجِيم وَيَنْتَهِي نسبه إِلَى أَسد بن خُزَيْمَة. وَالزُّبَيْر بِفَتْح الزَّاي وَكسر الْمُوَحدَة.
وَعبد الله شَاعِر كُوفِي المنشأ والمنزل. وَهُوَ من شعراء الدولة الأموية وَمن شيعتهم والمتعصب لَهُم فَلَمَّا غلب مُصعب بن الزبير على الْكُوفَة أُتِي بِهِ أَسِيرًا فَمن عَلَيْهِ وَوَصله وَأحسن إِلَيْهِ فمدحه وَأكْثر من مدحه وَانْقطع إِلَيْهِ فَلم يزل مَعَه حَتَّى قتل وَعمي بعد ذَلِك وملت فِي خلَافَة عبد الْملك بن مَرْوَان. وَكَانَ الْحجَّاج أرْسلهُ فِي بعثٍ إِلَى الرّيّ فَمَاتَ بهَا. وَكَانَ أحد الهجائين يخَاف النَّاس شَره وَله حكايات مسطورة فِي الأغاني.
وَمن شعره يمدح عَمْرو بن عُثْمَان بن عَفَّان وَكَانَ رَآهُ عَمْرو فِي ثِيَاب رثَّة فاقترض ثَمَانِيَة آلَاف دِرْهَم بِاثْنَيْ عشر ألفا وأرسلها إِلَيْهِ مَعَ رزمة ثِيَاب فَقَالَ: وَهُوَ من أَبْيَات تَلْخِيص الْمِفْتَاح:
سأشكر عمرا إِن تراخت منيتيأيادي لم تمنن وَإِن هِيَ جلت
فَتى غير مَحْجُوب الْغنى عَن صديقهوَلَا مظهرٍ الشكوى إِذا النَّعْل زلت
رأى خلتي من حَيْثُ يخفى مَكَانهَافَكَانَت قذى عَيْنَيْهِ حَتَّى تجلت
ومدح أَسمَاء بن خَارِجَة الْفَزارِيّ بقصيدة مِنْهَا:
ترَاهُ إِذا مَا جِئْته متهللاًكَأَنَّك تعطيه الَّذِي أَنْت سائله
فأثابه أَسمَاء ثَوابًا لم يرضه فَغَضب وَقَالَ يهجوه:
بنت لكم هندٌ بتلذيع بظرهادكاكين من جصٍّ عَلَيْهَا الْمجَالِس
فو الله لَوْلَا رهز هندٍ ببظرها لعد أَبوهَا فِي اللئام العوابس فَبلغ ذَلِك أَسمَاء فَركب إِلَيْهِ وَاعْتذر إِلَيْهِ من ضيق يَده وأرضاه وَجعل لَهُ على نَفسه وَظِيفَة فِي كل سنة. فَكَانَ بعد ذَلِك يمدحه ويفضله. وَكَانَ أَسمَاء يَقُول لِبَنِيهِ: وَالله مَا رَأَيْت قطّ جصاً فِي بِنَاء إِلَّا ذكرت بظر أمكُم هِنْد فخجلت.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع