من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده وَهُوَ الشَّاهِد الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بعد الْمِائَة)
وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:...
يَا تيم تيم عدي لَا أَبَا لكملَا يلقينكم فِي سوءةٍ عمر
على أَن تيماً الأول يجوز فِيهِ الضَّم وَالنّصب وَفِي الثَّانِي النصب لَا غير وَبَينه الشَّارِح قَالَ اللَّخْمِيّ فِي شرح أَبْيَات الْجمل: وأضاف تيماً إِلَى عدي للتخصيص. وَاحْترز بِهِ عَن تيم مرّة فِي قُرَيْش وهم بَنو الأدرم وَعَن تيم غَالب بن فهر فِي قُرَيْش أَيْضا وَعَن تيم قيس بن ثَعْلَبَة وَعَن تيم شَيبَان وَعَن تيم ضبة. وعدي الْمَذْكُور هُوَ أَخُو تيم فَإِنَّهُمَا ابْنا عبد مَنَاة بن أد بن طابخة بن الياس بن مُضر.
وَمعنى لَا أَبَا لكم الغلظة فِي الْخطاب وَأَصله أَن ينْسب الْمُخَاطب إِلَى غير أَب مَعْلُوم شتماً لَهُ واحتقاراً ثمَّ كثر فِي الِاسْتِعْمَال حَتَّى جعلت فِي كل خطاب يغلظ فِيهِ على الْمُخَاطب. وَحكى أَبُو الْحسن بن الْأَخْضَر: أَن الْعَرَب كَانَت تستحسن لَا أَبَا لَك وتستقبح لَا أم لَك لِأَن الْأُم مشفقة حنينة وَالْأَب جَائِر مَالك. وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ مفصلا فِي الشَّاهِد الثَّانِي عشر بعد الْمِائَة.
وَقَوله: لَا يلقينكم بِالْقَافِ من الْإِلْقَاء وَهُوَ الرَّمْي قَالَ ابْن سَيّده: من رَوَاهُ بِالْفَاءِ فقد صحف وحرف. وَرُوِيَ: لَا يوقعنكم وَالنَّهْي وَاقع فِي اللَّفْظ على عمر وَهُوَ فِي الْمَعْنى وَاقع عَلَيْهِم. والسوءة بِالْفَتْح: الفعلة القبيحة أَي: لَا يوقعنكم عمر فِي بلية ومكروه لأجل تعرضه لي أَي: امنعوه من هجائي حَتَّى
تأمنوا أَن ألقيكم فِي بلية فَإِنَّكُم قادرون على كَفه فَإِذا تركْتُم نَهْيه فكأنكم رَضِيتُمْ بهجوه إيَّايَ.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لجرير يهجو بهَا عمر بن لَجأ التَّيْمِيّ ولجأ بِفَتْح اللَّام وَالْجِيم وَآخره همزَة
تعرضت تيم لي عمدا لأهجوهاكَمَا تعرض لاست الخارئ الْحجر
أَنْت ابْن بَرزَة منسوبٌ إِلَى لجإٍعِنْد العصارة والعيدان تعتصر
)
خل الطَّرِيق لمن يَبْنِي الْمنَار بِهِ وابرز ببرزة حَيْثُ اضطرك الْقدر
أحين صرت سماماً يَا بني لجأٍوخاطرت بِي عَن أحسابها مُضر
وَهِي قصيدة طَوِيلَة أفحش فِيهَا. فَلَمَّا توعدهم فِيهَا أَتَوْهُ بِهِ موثقًا وحكموه فِيهِ فَأَعْرض عَن هجوهم.
وَقَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: لما بلغ ذَلِك تيماً أَتَوا عمر وَقَالُوا: عرضتنا لجرير وسألوه الْكَفّ فَأبى وَقَالَ: أكف بعد ذكره أُمِّي وبَرزَة هِيَ أم عمر بن لَجأ. يُقَال: فلَان عصارة فلَان أَي: وَلَده. وَهُوَ سبّ. وَقَوله: خل الطَّرِيق.. الخ هَذَا من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ أوردهُ على أَن فِيهِ إِظْهَار الْفِعْل قبل الطَّرِيق وَالتَّصْرِيح بِهِ وَلَو أضمره لَكَانَ حسنا على مَا بَينه.
يَقُول: خل طَرِيق الْمَعَالِي والشرف والمفاخرة واتركه لمن يفعل أفعالاً مَشْهُورَة كَأَنَّهَا الْأَعْلَام الَّتِي تنصب على الطَّرِيق وتبنى من حِجَارَة ليهتدى بهَا وعيره بِأَنَّهُ يَقُول: ابرز بهَا عَن النَّاس وصر إِلَى مَوضِع يمكنك أَن تكون فِيهِ لما قضي عَلَيْك. وَقيل: مَعْنَاهُ: دع سَبِيل الرشاد لطالبيه وأبرز
والسمام بِالْكَسْرِ: جمع سم وَهُوَ الشَّيْء الْقَاتِل. وخاطره على كَذَا أَي: راهنه من الْخطر وَهُوَ السَّبق بتحريكهما وَهُوَ الشَّيْء الَّذِي يتراهن عَلَيْهِ. وَرُوِيَ بدله: وحاضرت بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالضَّاد الْمُعْجَمَة يُقَال: حاضرته عِنْد السُّلْطَان وَهُوَ كالمغالبة والمكابرة.
وأجابه عمر بن لَجأ بقصيدة مِنْهَا:
لقد كذبت وَشر القَوْل أكذبهمَا خاطرت بك عَن أحسابها مُضر
بل أَنْت نزوة خوار على أمةٍلن يسْبق الحلبات اللؤم والخور
مَا قلت من هَذِه إِنِّي سأنقضهايَا ابْن الأتان بمثلي تنقض المرو
والنزوة: مصدر نزا الذّكر على الْأُنْثَى وَهَذَا يُقَال: فِي الْحَافِر والظلف وَالسِّبَاع. والخوار: من الخور وَهُوَ ضعف الْقلب وَالْعقل. والحلبات بِالْحَاء الْمُهْملَة.
وَكَانَ سَبَب التهاجي بَين جرير وَعمر بن لَجأ هُوَ مَا حَكَاهُ الْمبرد فِي كتاب الاعتنان عَن أبي عُبَيْدَة: أَن الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ سَأَلَ جَرِيرًا عَن سَبَب التهاجي بَينه وَبَين شعراء عصره فَبين لَهُ جرير سَبَب كل وَاحِد. إِلَى أَن قَالَ الْحجَّاج: ثمَّ من قَالَ: ثمَّ التَّيْمِيّ عمر بن لَجأ. قَالَ: وَمَا لَك وَله قَالَ: حسدني فعاب عَليّ بَيْتا كنت قلته فحرفه:)
لقومي أحمى للْحَقِيقَة مِنْكُموأضرب للجبار وَالنَّقْع سَاطِع
فَقَالَ لي: إِنَّمَا قلت:
وأوثق عِنْد المردفات عَشِيَّة فصيرت نِسَاءَك قد أردفن عدوة ولحقتهن عَشِيَّة وَقد فضحن وَلم أَقَله كَمَا حكى. قَالَ الْحجَّاج: فَمَا قلت لَهُ قَالَ: قلت: لَهُ أحذره وَأحذر قومه: يَا تيم تيم عدي لَا أَبَا لكم... الْبَيْت قَالَ: فنقض عَليّ بأشد مِمَّا قلت لَهُ فَقَالَ: لقد كذبت وَشر القَوْل أكذبه... الْبَيْت قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: وَأما كردين المسمعي فَأَخْبرنِي قَالَ: كَانَ بَدْء الشَّرّ بَين ابْن لَجأ وَجَرِير: أَن لُقْمَان الْخُزَاعِيّ قدم على صدقَات الربَاب فحضرته وُجُوه الربَاب وَفِيهِمْ عمر بن لَجأ فأنشده:
تأوبني ذكرٌ لزولة كالخبلوَمَا حَيْثُ تلقى بالكثيب وَلَا السهل
تريدين أَن أرْضى وَأَنت بخيلةٌوَمن ذَا الَّذِي يُرْضِي الأخلاء بالبخل
حَتَّى فرغ مِنْهَا. فَقَالَ لَهُ لُقْمَان: مَا زلنا نسْمع بِالشَّام أَن هَذِه لجرير فَقَالَ عمر بن لَجأ: إِنِّي لأكذب شيخ فِي الأَرْض إِن ادعيت شعر جرير. ثمَّ أنشدته على رُؤُوس النَّاس وجماعات الربَاب فأبلغ لُقْمَان جَرِيرًا مقَالَة عمر قَالَ: فَزعم عمر أَنَّك سرقتها مِنْهُ فَقَالَ جرير: وَأَنا أحتاج إِلَى أَن أسرق شعر عمر وَهُوَ الْقَائِل فِي إبِله ووصفها حَتَّى جعلهَا كالجبال ثمَّ جعل فَحلهَا كالظرب وَهُوَ الْجَبَل الصَّغِير فِي الغلظ من الأَرْض فَقَالَ: كالظرب الْأسود من وَرَائِهَا ثمَّ قَالَ: جر الْعَرُوس الثني من ردائها وَالله مَا شعره من نمط وَاحِد وَإنَّهُ لمختلف الْعُيُون فأبلغ لُقْمَان عمر قَول جرير وَمَا عَابَ من قَوْله فَقَالَ عمر: أيعيب جرير قولي:
جر الْعَرُوس الثني من ردائها وَإِنَّمَا أردْت لينه وَلم أرد أَثَره وَقد قَالَ هُوَ أقبح من هَذَا حِين يَقُول: وأوثق عِنْد المردفات عَشِيَّة)
فلحقهن بعد مَا نكحن وفضحن فَقَالَ جرير: حرف قولي إِنَّمَا قلت: عِنْد المرهفات عَشِيَّة.
فَوَقع الشَّرّ بَينهمَا. انْتهى.
وترجمة جرير تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أَوَائِل الْكتاب.
وَأنْشد بعده وَهُوَ وَهُوَ من شَوَاهِد س:...
يَا زيد زيد اليعملات الذبلتطاول اللَّيْل عَلَيْك فَانْزِل
لما ذكر فِي الْبَيْت قبله. وَهُوَ ظَاهر. واليعملات. بِفَتْح الْيَاء وَالْمِيم: الْإِبِل القوية على الْعَمَل. والذبل: جمع ذابل أَي: ضامرة من طول السّفر. وأضاف زيدا إِلَيْهَا لحسن قِيَامه عَلَيْهَا ومعرفته بحدائها. وَقَوله: تطاول اللَّيْل عَلَيْك.. الخ رُوِيَ: هديت بدل عَلَيْك وَهُوَ الْمُنَاسب. أَي: انْزِلْ عَن راحلتك وَاحِد الْإِبِل فَإِن اللَّيْل قد طَال وَحدث لِلْإِبِلِ الكلال فنشطها بالحداء وأزل عَنْهَا الإعياء.
وَهَذَا الْبَيْت لعبد الله بن رَوَاحَة الصَّحَابِيّ ﵁ لَا لبَعض ولد جرير خلافًا لشراح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ. وَهُوَ بيتان لَا ثَالِث لَهما قالهما فِي غَزْوَة مُؤْتَة وَهِي
بِأَدْنَى البلقاء من أَرض الشَّام وَكَانَت فِي جُمَادَى الأولى من سنة ثَمَان من الْهِجْرَة.
قَالَ ابْن عبد الْبر فِي الِاسْتِيعَاب: ذكر ابْن إِسْحَاق عَن عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم قَالَ: كَانَ زيد بن أَرقم يَتِيما فِي حجر عبد الله بن رَوَاحَة فَخرج بِهِ مَعَه إِلَى مُؤْتَة يحملهُ على حقيبة رَحْله فَسَمعهُ زيد بن أَرقم من اللَّيْل وَهُوَ يتَمَثَّل أبياته الَّتِي يَقُول فِيهَا:
إِذا أديتني وحملت رحليمسيرَة أربعٍ بعد الحساء
وَجَاء الْمُؤْمِنُونَ وغادرونيبِأَرْض الشَّام مُنْتَهى الثواء
فَبكى زيد بن أَرقم فخفقه عبد الله بن رَوَاحَة بِالدرةِ وَقَالَ: مَا عَلَيْك يَا لكع أَن يَرْزُقنِي الله الشَّهَادَة وَترجع بَين شُعْبَتَيْ الرحل.. ولزيد بن أَرقم يَقُول عبد الله بن رَوَاحَة: يَا زيد زيد اليعملات الذبل تطاول اللَّيْل هديت فَانْزِل وَقيل: بل قَالَ ذَلِك فِي غزرة مُؤْتَة لزيد بن حَارِثَة انْتهى.
وَهَذَا الثَّانِي بعيد فَإِنَّهُ يستبعد أَن يُقَال لأمير الْجَيْش: انْزِلْ عَن راحلتك وَاحِد الْإِبِل فَإِن زيد بن حَارِثَة كَانَ أَمِير الْجَيْش فِي غَزْوَة مُؤْتَة كَمَا سَيَأْتِي.)
وَقَوله: وخلاك ذمّ أَي: تجاوزك الذَّم دُعَاء لَهَا. وَقَوله: وَلَا أرجع مجزوم بِالدُّعَاءِ وَمَعْنَاهُ اللَّهُمَّ لَا أرجع انْتهى. وعبد الله بن رَوَاحَة أَنْصَارِي خزرجي. وَهُوَ أحد النُّقَبَاء. شهد الْعقبَة وبدراً وأحداً وَالْخَنْدَق وَالْحُدَيْبِيَة وَعمرَة الْقَضَاء والمشاهد كلهَا إِلَّا الْفَتْح وَمَات بعده لِأَنَّهُ قتل يَوْم مُؤْتَة شَهِيدا. وَهُوَ أحد الْأُمَرَاء فِي غَزْوَة مُؤْتَة وَأحد الشُّعَرَاء الْمُحْسِنِينَ الَّذين كَانُوا يردون الْأَذَى عَن رَسُول الله ﷺ َ. وَفِيه وَفِي صَاحِبيهِ حسان وَكَعب بن مَالك نزلت: إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات وَذكروا الله كثيرا الْآيَة.
وَسبب غَزْوَة مُؤْتَة: أَن رَسُول الله ﷺ َ بعث الْحَارِث بن عُمَيْر الْأَزْدِيّ بكتابه إِلَى الشَّام إِلَى ملك الرّوم وَقيل إِلَى ملك بصرى فَعرض لَهُ شُرَحْبِيل ابْن عَمْرو الغساني فأوثقه رِبَاطًا وَضرب عُنُقه صبرا وَلم يقتل لرَسُول الله ﷺ َ رسولٌ غَيره فَاشْتَدَّ ذَلِك عَلَيْهِ حِين بلغه الْخَبَر فَبعث بَعثه ﷺ َ إِلَى مُؤْتَة وَاسْتعْمل عَلَيْهِم زيد بن حَارِثَة وَقَالَ: إِن أُصِيب زيدٌ فجعفر ابْن أبي طَالب فَإِن أُصِيب فعبد الله بن رَوَاحَة. فتجهز ثَلَاثَة آلَاف رجل ثمَّ مضوا حَتَّى إِذا كَانُوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هِرقل وَالْعرب فِي مشارف من قرى البلقاء وانحاز الْمُسلمُونَ إِلَى قَرْيَة يُقَال لَهَا مُؤْتَة وَكَانَ الرّوم مائَة ألف. وانضم إِلَيْهِم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلي مائَة ألف أُخْرَى ثمَّ الْتَقَوْا فَاقْتَتلُوا. فقاتل زيد بن حَارِثَة براية رَسُول الله ﷺ َ حَتَّى قتل شَهِيدا فَأَخذهَا جَعْفَر ثمَّ قتل ثمَّ أَخذهَا عبد الله بن رَوَاحَة فَقتل فَأخذ الرَّايَة خَالِد بن الْوَلِيد ودافع النَّاس ثمَّ انحاز وانحيز عَنهُ حَتَّى انْصَرف بِالنَّاسِ إِلَى رَسُول الله ﷺ َ.
وَأما زيد بن أَرقم فَهُوَ أَنْصَارِي خزرجي من بني الْحَارِث بن الْخَزْرَج. وَزيد ابْن أَرقم هُوَ الَّذِي رفع إِلَى رَسُول الله ﷺ َ عَن عبد الله بن أبي ابْن سلول قَوْله: لَئِن رَجعْنَا)
إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل فأكذبه عبد الله بن أبي وَحلف فَأنْزل الله تَصْدِيق زيد بن أَرقم فبشره أَبُو بكر بِتَصْدِيق الله إِيَّاه. وَجَاء إِلَى النَّبِي ﷺ َ فَأخذ بأذن زيد وَقَالَ: وفت أُذُنك يَا غُلَام. وَشهد مَعَ عَليّ وقْعَة صفّين وَهُوَ مَعْدُود فِي خَاصَّة أَصْحَابه.
وَنزل الْكُوفَة وسكنها وابتنى بهَا دَارا وَبهَا كَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان وَسِتِّينَ.
وَأما زيد بن حَارِثَة فَهُوَ مولى رَسُول الله ﷺ َ كَانَ أَصَابَهُ سباء فِي الْجَاهِلِيَّة فَاشْتَرَاهُ حَكِيم بن حزَام لِعَمَّتِهِ خَدِيجَة بنت خويلد فَوَهَبته خَدِيجَة لرَسُول الله ﷺ َ فَتَبَنَّاهُ رَسُول الله ﷺ َ بِمَكَّة قبل النُّبُوَّة وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين. ثمَّ إِن نَاسا من كلب حجُّوا فَرَأَوْا زيدا فعرفهم وعرفوه فَقَالَ لَهُم: أبلغوا أَهلِي هَذِه الأبيات فَإِنِّي أعلم أَنهم قد جزعوا عَليّ فَقَالَ:
أحن إِلَى قومِي وَإِن كنت نَائِيافَإِنِّي قعيد الْبَيْت عِنْد المشاعر
فَإِنِّي بِحَمْد الله فِي خير أسرةٍكرامٍ معد كَابِرًا بعد كَابر
فَانْطَلق الكلبيون فأعلموا أَبَاهُ فَقَالَ: ابْني وَرب الْكَعْبَة ووصفوا لَهُ مَوْضِعه وَعند من هُوَ.
فَخرج حَارِثَة وَكَعب أَخُوهُ لفدائه وقدما مَكَّة فدخلا على النَّبِي ﷺ َ فِي الْمَسْجِد فَقَالَا: يَا ابْن عبد الْمطلب يَا ابْن هَاشم يَا ابْن سيد قومه أَنْتُم أهل حرم الله وجيرانه تفكون العاني وتطلقون الْأَسير جئْنَاك فِي ابننا عَبدك فَامْنُنْ علينا وَأحسن إِلَيْنَا فِي فدائه. قَالَ: من هُوَ قَالَا: زيد بن
حَارِثَة. فَقَالَ ﷺ َ: ادعوهُ فأخيره فَإِن اختاركم فَهُوَ لكم وَإِن اختارني فوَاللَّه مَا أَنا بِالَّذِي أخْتَار على من اختارني أحدا. قَالَا: قد زدتنا على النّصْف وأحسنت.
فَدَعَاهُ فَقَالَ: هَل تعرف هَؤُلَاءِ قَالَ: نعم هَذَا أبي وَهَذَا عمي قَالَ: فَأَنا من قد علمت وَرَأَيْت صحبتي لَك فاخترني أَو اخترهما. قَالَ زيد: مَا أَنا بِالَّذِي أخْتَار عَلَيْك أحدا أَنْت مني مَكَان الْأَب وَالْعم فَقَالَا: وَيحك يَا زيد أتختار الْعُبُودِيَّة على الْحُرِّيَّة قَالَ: نعم قد رَأَيْت من هَذَا الرجل شَيْئا مَا أَنا بِالَّذِي أخْتَار عَلَيْهِ أحدا فَلَمَّا رأى رَسُول الله ﷺ َ ذَلِك أخرجه إِلَى الْحجر فَقَالَ: يَا من حضر اشْهَدُوا أَن زيدا ابْني يَرِثنِي وَأَرِثهُ. فَلَمَّا رأى ذَلِك أَبوهُ وَعَمه طابت نفوسهما فانصرفا. ودعي زيد بن مُحَمَّد حَتَّى جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ فَنزلت: ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ فدعي يومئذٍ زيد بن حَارِثَة وَكَانَ)
يُقَال: لَهُ زيد بن حَارِثَة حب رَسُول الله ﷺ َ وَشهد بَدْرًا وزوجه مولاته أم أَيمن فَولدت لَهُ أُسَامَة.
وَقتل زيد بمؤتة سنة ثَمَان من الْهِجْرَة وَهُوَ كَانَ الْأَمِير على تِلْكَ الْغَزْوَة. رُوِيَ عَنهُ ﷺ َ أَنه قَالَ: أحب النَّاس إِلَيّ من أنعم الله عَلَيْهِ وأنعمت عَلَيْهِ يَعْنِي زيد بن حَارِثَة.
أنعم الله عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ وأنعم عَلَيْهِ ﷺ َ بِالْعِتْقِ.
ولخصت التراجم من الِاسْتِيعَاب والغزوة من سيرة ابْن سيد النَّاس.
وَاعْلَم أَنِّي رَأَيْت فِي نَوَادِر ابْن الْأَعرَابِي أرجوزة عدتهَا اثْنَان وَعِشْرُونَ بَيْتا مطْلعهَا: يَا زيد زيد اليعملات الذبل قَالَ: أَنْشدني بكير بن عبيد الربعِي. وَلَا أعلم من هُوَ: أهوَ سَابق على عبد الله بن رَوَاحَة أم لَاحق لَهُ. وَالظَّاهِر أَنه بعده فَإِن الرجز فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَ لَا يتَجَاوَز الأبيات الثَّلَاثَة والربعة وَإِنَّمَا قَصده وأطاله الْأَغْلَب الْعجلِيّ كَمَا تقدم بَيَانه
فِي تَرْجَمته. وَالله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع