من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ بعد الْمِائَتَيْنِ
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
أضحت خلاءً وأضحى أَهلهَا احتملواأخنى عَلَيْهَا الَّذِي أخنى على لبد
على أنّ خبر أضحى يجوز أَن يكون فعلا مَاضِيا بِدُونِ قد فأهلها اسْم أضحى وَجُمْلَة احتملوا فِي مَحل نصب على أَنَّهَا خبر أضحى وَلَا تقدّر قد كَمَا ذهب إِلَيْهِ ابْن مَالك خلافًا للمبرّد كَمَا تقدّم بَيَانه.
وَهَذَا الْبَيْت من قصيدةً للنّابغة الذُّبيانيّ مدح بهَا النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَاعْتذر إِلَيْهِ مِمَّا بلغه عَنهُ وَهِي من الاعتذاريّات وَقد ألحقوها لجودتها بالمعلقات السَّبع. وَهَذَا أوّلها:
(يَا دَار ميّة بالعلياء فالسّند... أقوت وَطَالَ عَلَيْهَا سالف الْأَبَد
)
وقفت فِيهَا اصيلاً كي أسائلهاعيّت جَوَابا وَمَا بالرّبع من أحد
إلاّ أواريّ لأياً مَا أبيّنهاوالنؤي كالحوض بالمظلومة الْجلد
ردّت عَلَيْهِ أقاصيه ولبّدهضرب الوليدة بالمسحاة فِي الثّأد
أضحت خلاءً أَهلهَا احتملوا............ الْبَيْت قَوْله: يَا دَار ميّة الخ قَالَ الأصبهانيّ فِي الأغاني: قَالَ الأصمعيّ: يُرِيد يَا أهل دَار ميّة. وَقَالَ الْقُرَّاء: نَادَى الديار لَا أَهلهَا أسفا عَلَيْهَا وتشوّقاً إِلَيْهَا. وَقَالَ: أقوت وَلم يقل أقويت لأنّ من شَأْن الْعَرَب أَن يخاطبوا الشَّيْء ثمَّ يَتْرُكُوهُ ويكنون عَنهُ. هـ. العلياء بِالْفَتْح وَالْمدّ: الْمَكَان الْمُرْتَفع من الأَرْض. قَالَ ابْن السكّيت: قَالَ بالعلياء فجَاء بِالْيَاءِ لأنّه بناها على عليت بِالْكَسْرِ. والسّند: سَنَد الْوَادي فِي الْجَبَل وَهُوَ ارتفاعه حَيْثُ يسند)
فِيهِ أَي: يصعد. وأقوت: خلت من أَهلهَا.
والسالف: الْمَاضِي. والْأَبَد: الدّهر. وَيَأْتِي الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت إِن شَاءَ الله تَعَالَى بِأَكْثَرَ من هَذَا فِي الْفَاء من حُرُوف الْعَطف.
قَوْله: وقفت فِيهَا الخ الْأَصِيل مَا بعد الظّهر إِلَى الْغُرُوب وَرُوِيَ أصيلاناً مصغر أصلان وَهُوَ جمع الْكَثْرَة إِذا صغر ردّ إِلَى مفرده. وَرُوِيَ: وقفت فِيهَا طَويلا أَي: وقوفاً طَويلا.
وَقَوله: عيّت يُقَال: عييت بِالْأَمر إِذا لم تعرف وَجهه. وجواباً قيل مَنْصُوب على الْمصدر أَي: عيّت أَن تجيب وَمَا بهَا أحدٌ. والرّبع: الْمنزل فِي الرّبيع ثمَّ كثر حتّى قيل كل منزل ربع.
وَقَوله: إلاّ أواريّ بِالنّصب لأنّه اسْتثِْنَاء مُنْقَطع. والنّؤي مَعْطُوف عَلَيْهِ. وَرُوِيَ: إلاّ أواريّ بِالرَّفْع على أنّه بدل من مَوضِع قَوْله: من أحد الْوَاقِع فَاعِلا للظرف والأواريّ هِيَ الأواخيّ جمع آريّ وآخيّة بِالْمدِّ وَالتَّشْدِيد فيهمَا. والآريّ: محبس الدّابة والآخية قِطْعَة من حَبل يدْفن طرفاه فِي الأَرْض وَفِيه عصيّة أَو حجر فتظهر مِنْهُ مثل عُرْوَة تشدّ إِلَيْهِ الدّابّة وَقد تسمى الآخية آرياً وفعلهما آريت الدابّة وأخيّتها بتَشْديد الثَّانِي. واللأي بِفَتْح اللَّام وَسُكُون الْهمزَة: البطء يُقَال: فعل كَذَا بعد لأي أَي: بعد شدّة لأياً والتأى أَي: أَبْطَأَ إبطاءً. وَالْمعْنَى: بعد بطء تعرّفتها.
والنّؤي بِضَم النُّون وَسُكُون الْهمزَة: حفيرة حول الخباء وَالْبَيْت يَجْعَل ترابها حاجزاً حولهما لئلاّ يصل إِلَيْهِمَا مَاء الْمَطَر. والمظلومة: الأَرْض الَّتِي قد حفر فِيهَا فِي غير مَوضِع الْحفر. والْجلد بِفَتْح الْجِيم وَاللَّام: الأَرْض الغليظة الصّلبة من غير حِجَارَة وإنّما قصد إِلَى الْجلد لأنّ الْحفر فِيهَا يصعب فَيكون ذَلِك أشبه شيءٍ بالنؤي.
قَالَ ابْن السّكّيت: إنّما قَالَ بالمظلومة لأَنهم مرّوا فِي تربةٍ فَحَفَرُوا فِيهَا حوضاً وَلَيْسَت بِموضع حَوْض فَجعل الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه.
وَهَذَا الْبَيْت يَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ أَيْضا إِن شَاءَ الله فِي خبر مَا وَلَا.
وَقَوله: ردّت عَلَيْهِ أقاصيه الخ أقاصيه نَائِب فَاعل ردّت وَالضَّمِير للنّؤي. والأقاصي: الْأَطْرَاف وَمَا بعد مِنْهُ أَي: والأقصى على الْأَدْنَى ليرتبع. ولبّدة: سكّنه أَي: سكنّه حفر وَقَوله: خلّت سَبِيل أتيّ الخ الأتيّ: السّيل الَّذِي يَأْتِي وَيُقَال للنهر الصَّغِير. يَقُول: لما انسدّ سَبِيل السّيل سهّلت لَهُ طَرِيقا حتّى جرى أَي: تركت الْأمة سَبِيل المَاء فِي الأتيّ ورفعته أَي: قدّمت الْحفر إِلَى مَوضِع السّجفين أوصلته إِلَيْهِمَا. وَلَيْسَ الترفيع هُنَا من ارْتِفَاع العلوّ بل هُوَ من)
قَوْلهم: ارْتَفع الْقَوْم إِلَى السُّلْطَان. والسّجفان: ستران رقيقان يكونَانِ فِي مقدّم الْبَيْت. والنّضد بِفَتْح النُّون وَالضَّاد الْمُعْجَمَة: مَا نضد من مَتَاع الْبَيْت.
وَقَوله: أضحت خلاء الخ أَي: أضحت الدَّار. والْخَلَاء بِالْفَتْح وَالْمدّ: الْمَكَان الَّذِي لَا شَيْء بِهِ. واحتملوا: حمّلوا جمَالهمْ وَارْتَحَلُوا. قَالَ فِي الصِّحَاح: وأخنى عَلَيْهِ الدّهر: أَتَى عَلَيْهِ وأهلكه. وَمِنْه قَول النّابغة: أخنى عَلَيْهَا الَّذِي أخنى على لبد ولبد: آخر نسور لُقْمَان بن عَاد وَهُوَ منصرف لأنّه لَيْسَ بمعدول وَفِي الْمثل: أعمر من لبد.
قَالَ الزّمخشريّ: وَهُوَ نسر لُقْمَان العاديّ سمّاه لبداً مُعْتَقدًا فِيهِ أَنه أبدٌ فَلَا يَمُوت وَلَا يذهب ويزعمون أَنه حِين كبر قَالَ لَهُ: انهض لبد فَأَنت نسر الْأَبَد.
قَالَ فِي الصِّحَاح: وتزعم الْعَرَب أنّ لُقْمَان هُوَ الَّذِي بعثته عادٌ فِي وفدها إِلَى الْحرم يَسْتَسْقِي لَهَا فَلَمَّا أهلكوا خيّر لُقْمَان بَين بَقَاء سَبْعَة أنسرٍ كلما هلك نسر خلف بعده نسر فَاخْتَارَ أضحت خلاءً وأضحى أَهلهَا احتملوا... الْبَيْت ولقمان هُوَ مِمَّن آمن بهودٍ ﵇ وَهلك قومه لكفرهم بِهِ ﵇ فأهلكهم الله تَعَالَى بالرّيح سبع لَيَال وَثَمَانِية أيّام حسوما فَلم تدع مِنْهُم أحدا وَسلم هودٌ وَمن آمن مَعَه. وَأرْسلت عَلَيْهِم يَوْم الْأَرْبَعَاء فَلم تدر الْأَرْبَعَاء وعَلى الأَرْض مِنْهُم حيّ.
وَأما لُقْمَان الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن فَهُوَ غَيره قَالَ صَاحب الكشّاف: هُوَ لُقْمَان بن باعوراء ابْن أُخْت أيّوب أَو ابْن خَالَته وَقيل: كَانَ يُفْتِي قبل مبعث دَاوُد فلمّا بعث قطع الْفَتْوَى فَقيل لَهُ فَقَالَ: أَلا أكتفي إِذا كفيت وَقيل: كَانَ قَاضِيا فِي بني إِسْرَائِيل. وَأكْثر الْأَقَاوِيل أَنه كَانَ حكيماً وَلم يكن نَبيا.
وَعَن ابْن عبّاس ﵄: لُقْمَان لم يكن نَبيا وَلَا ملكا وَلَكِن كَانَ رَاعيا أسود فرزقه الله الْعتْق وَرَضي قَوْله ووصيّته فقصّ أمره فِي الْقُرْآن ليتمسّكوا بوصيته.
وَقَالَ عِكْرِمَة والشّعبي: كَانَ نبيّا. وَقيل: خيّر بَين النّبوّة وَالْحكمَة. وَعَن ابْن المسّيب: كَانَ أسود من سودان مصر خياطاً. وَعَن مُجَاهِد: كَانَ عبدا أسود غليظ الشّفتين متشقق الْقَدَمَيْنِ. وَقيل: كَانَ نجاراً وَقيل كَانَ رَاعيا وَقيل: كَانَ يختطب لموالاة كل يَوْم حزمة. هـ.
وَهُوَ مُتَأَخّر عَن لُقْمَان العاديّ لِأَن هوداً متقدمٌ على أَيُّوب وَدَاوُد يُقَال للعاديّ: لُقْمَان)
وانشد بعده وَهُوَ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع