تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الثلاثمائة

فيه ٥ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

الشَّاهِد السَّابِع وَالسِّتُّونَ بعد الثلاثمائة

إنّا وجدنَا بني جلاّن كلّهمكساعد الضّب لَا طولٍ وَلَا قصر

على أَنه يجوز ترك وصف النكرَة المبدلة من الْمعرفَة إِذا اسْتُفِيدَ من الْبَدَل مَا لَيْسَ فِي الْمُبدل مِنْهُ كَمَا هُنَا فَإِن قَوْله: طول الْمَنْفِيّ بدل من ساعد الضَّب وَمعنى الطول وَمَا عطف عَلَيْهِ مَوْجُود فِي ساعد الضَّب.

وَفِيه شَاهد آخر وَهُوَ إِبْدَال النكرَة من الْمعرفَة والنكرة بِغَيْر لفظ الْمعرفَة. قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة عِنْد قَول الماسي:

نهل الزّمان وعلّ غير مصرّدمن آل عتّابٍ وَآل الْأسود

غير أَنه أعَاد الْعَامِل مَعَه وَهُوَ الْجَار. وَبِهَذَا استدللنا على أَن الْبَدَل من جملَة غير الْجُمْلَة الَّتِي مِنْهَا الْمُبدل. وَهُوَ كثير فِي الْقُرْآن وَالشعر. وَأكْثر مَا يُعَاد الْعَامِل مَعَ الْبَدَل إِذا كَانَ الْعَامِل جاراً من حَيْثُ صَار الْجَار مَعَ مَا جَرّه بِمَنْزِلَة الْجُزْء الْوَاحِد. نعم وأبد النكرَة من الْمعرفَة والنكرة بِغَيْر لفظ الْمعرفَة.

وَهَذَا شَيْء يأباه البغداديون وَيَقُولُونَ: لَا تبدل النكرَة من الْمعرفَة حَتَّى يَكُونَا من لفظ وَاحِد نَحْو قَوْله تَعَالَى: بالناصية. نَاصِيَة كَاذِبَة خاطئة. ورد ذَلِك أَبُو الْحسن بِمَا أنْشدهُ من قَول الشَّاعِر: إنّا وجدنَا بني جلاّن كلّهم................... الْبَيْت وَمثله مَا أنْشدهُ أَبُو زيد: فَلَا وَأَبِيك خيرٌ مِنْك إنّي.................. الْبَيْت انْتهى.

وَإِنَّمَا أَوله الشَّارِح الْمُحَقق بقوله: أَي لَا ذِي طول وَلَا ذِي قصر ليَصِح جعله بدل كل من كل إِذْ لَوْلَا التَّأْوِيل لكانا متغايرين. وَإِنَّمَا لم يجعف لَا طول بِأحد التأويلات الثَّلَاثَة صفة كَقَوْلِه أَبِيك لتخالف الْمَوْصُوف وَالصّفة فيهمَا تعريفاً وتنكيراً فَلَو كَانَ مُعَرفا لَكَانَ صفة كَمَا فِي قَول أبي

فَلَا وَأَبِيك الْخَيْر لَا تجدينهجميل الْغنى وَلَا صبوراً على الْعَدَم
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

يَقُول: إِن تزوجت زوجا لَا تجدينه متعففاً وَلَا يصبر على الْعَدَم بِالضَّمِّ أَي: الْفقر.)

وجلان بِكَسْر الْجِيم وَتَشْديد اللَّام علم لَا ينْصَرف. قَالَ الْأَصْمَعِي فِي شرح هَذَا الْبَيْت من شعر ذِي الرمة:

وبالشّمائل من جلاّن مقتنصٌرذل الثّياب خفيّ الشّخص منزرب
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

الشَّمَائِل: جمع شمال. وجلان: قَبيلَة من عنزة وهم رُمَاة. ورذل الثِّيَاب: خلقهَا. وخفي الشَّخْص بِمَعْنى ضئيل الشَّخْص خلقَة. والمنزرب: الدَّاخِل فِي الزرب وَهُوَ قترة الصَّائِد. يُقَال: انزرب إِذا دخل. انْتهى.

وعنزة حَيَّان أَحدهمَا عنزة بن أَسد بن ربيعَة بن نزار. وَثَانِيهمَا: عنزة بن عَمْرو بن عَوْف بن عدي بن عَمْرو بن مَازِن بن الأزد. وَلَا أعرف عنزة الْمَنْسُوب إِلَيْهَا جلان أَي العنزتين.

وَقَوله: كلهم تَأْكِيد لبني جلان لَا لجلان. وَقَوله: كساعد الضَّب. الساعد: ذِرَاع الْيَد.

والضب ساعد جَمِيع أَفْرَاده على مِقْدَار معِين خلقَة لَا يزِيد ساعد فَرد من أَفْرَاده طولا على ساعد فَرد آخر وَكَذَلِكَ لَا ينقص عَن ساعد فَرد آخر بِخِلَاف سَائِر الْحَيَوَانَات فَإِن بَين ساعد أفرادها تَفَاوتا فِي الطول وَالْقصر بِحَسب الجثة.

وَهَذَا يَنْبَغِي أَن يكون من الْأَمْثَال فِي الْأَشْيَاء المتساوية كَقَوْلِهِم: هم كأسنان الْمشْط لكني لم أره فِي كتب الْأَمْثَال. أَرَادَ أَن جلان متساوون فِي فَضِيلَة رشق السِّهَام لَا يرْتَفع أحدهم على الآخر فِيهَا وَلَا ينحط عَنهُ.

وَهَذَا الْبَيْت لم أَقف على قَائِله. وَالله أعلم.

وَأنْشد بعده: فَلَا وَأَبِيك خيرٍ مِنْك الْبَيْت السَّابِق ذكره آنِفا لما تقدم فِي الْبَيْت قبله. لَكِن قدم الشَّارِح الْمُحَقق أَنه بِتَقْدِير رجل خير مِنْك فالبدل إِنَّمَا هُوَ النكرَة الموصوفة غَايَته أَنه حذف الْمَوْصُوف وَبقيت صفته.

وَيُمكن أَن يُقَال: مَا تقدم لأجل جمود الْبَدَل لَا لأجل وصف النكرَة المبدلة فَإِن اشْتِرَاط الْوَصْف مَذْهَب الْكُوفِيّين.

قَالَ السمين عِنْد قَول صَاحب الْكَشَّاف فِي قَوْله تَعَالَى: نَاصِيَة كَاذِبَة: جَازَ إِبْدَال النكرَة من الْمعرفَة لِأَنَّهَا وصفت فاستقلت بفائدة. قلت: هَذَا مَذْهَب الْكُوفِيّين لَا يجيزون إِبْدَال نكرَة من غَيرهَا إِلَّا بِشَرْط وصفهَا أَو كَونهَا بِلَفْظ الأول. وَمذهب الْبَصرِيين: لَا يشْتَرط شَيْء.)

وأنشدوا: انْتهى وَقَالَ ابْن عقيل فِي شرح التسهيل: وَلم يشْتَرط البصريون فِي إِبْدَال الْمعرفَة من النكرَة والنكرة من الْمعرفَة اتِّحَاد لفظ وَلَا وجود وصف. وَنقل ابْن مَالك عَن الْكُوفِيّين أَنهم لَا يبدلون النكرَة من الْمعرفَة إِلَّا إِن كَانَت من لفظ الأول وَنسب هَذَا

بعض النَّحْوِيين لنحاة بَغْدَاد. وَنقل عَن الْكُوفِيّين أَيْضا أَنهم لَا يَفْعَلُونَ ذَلِك وَعَكسه إِلَّا بِالشّرطِ الْمَذْكُور. وَكَلَام الْكُوفِيّين على خلاف هَذَا.

قَالَ الْكسَائي وَالْفراء فِي قتال فِيهِ إِنَّه على نِيَّة عَن وَصرح ب عَن فِي قِرَاءَة عبد الله. وَأَجَازَ الْفراء فِي هرون أخي كَونه مترجماً لوزيراً. قَالَ: فَيكون نصا للتكرير.

وَنقل أَيْضا عَن الْكُوفِيّين والبغداديين اشْتِرَاط وصف النكرَة المبدلة من الْمعرفَة وتابعهم السُّهيْلي وَابْن أبي الرّبيع.

وَنقل عَن بعض الْكُوفِيّين فِي إِبْدَال النكرَة المبدلة من النكرَة اشْتِرَاط وصف المبدلة.

وَيدل للبصريين حدائق وأعنابا وَقَوله:

فَأَلْقَت قناعاً دونه الشّمس واتّقتبِأَحْسَن موصولين كفٍّ ومعصم

وَقَوله: فَلَا وَأَبِيك خيرٍ مِنْك...................... الْبَيْت وَأنْشد بعده: لِحَافِي لِحَاف الضّيف وَالْبرد برده

هَذَا صدر بَيت وعجزه: وَلم يلهني عَنهُ غزالٌ مقنّع على أَن اللَّام قد تنوب عَن الضَّمِير كَمَا هُنَا فَإِن الأَصْل وبردي برده. وَتقدم شرح هَذَا الْبَيْت فِي الشَّاهِد الثَّالِث وَالتسْعين بعد الْمِائَتَيْنِ.

وَأنْشد بعده

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»