من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ بعد الثلاثمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ بعد الثلاثمائة
إنّ السّيوف غدوّها ورواحهاتركت هوَازن مثل قرن الأعضب
لما تقدم قبله فَإِن قَوْله غدوها بدل من السيوف.
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: هُوَ بدل اشْتِمَال وَقد روعي الْمُبدل مِنْهُ فِي اللَّفْظ بإرجاع الضَّمِير إِلَيْهِ من الْخَبَر وَلم يراع الْبَدَل وَلَو روعي لقيل: تركا بالتثنية.
وَهَذَا أَيْضا كَلَام أبي عَليّ فِي إِيضَاح الشّعْر فَإِنَّهُ أورد هَذَا الْبَيْت مَعَ الْبَيْت الَّذِي قبله لما ذكر.
وَفِيه أَن يحْتَمل أَن نصب غدوها على الظّرْف كخفوق النَّجْم وَكَأَنَّهُ قَالَ: إِن السيوف وَقت غدوها ورواحها.
وهوازن: أَبُو قَبيلَة وَهُوَ هوَازن بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن خصفة بن قيس ابْن عيلان بن مُضر.
والأعضب بإهمال الْعين. قَالَ صَاحب الْعباب: العضباء: الشَّاة الْمَكْسُورَة الْقرن الدَّاخِل وَهُوَ المشاش.
وَيُقَال: هِيَ الَّتِي انْكَسَرَ أحد قرنيها وَقد عضبت بِالْكَسْرِ وكبش أعضب بَين الْبَعْض. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَهُوَ من قصيدة للأخطل عدتهَا سِتَّة عشر بَيْتا. مدح بهَا الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْعَبَّاس ﵁ فَأعْطَاهُ ألف دِينَار وَكَانَ يُقَال لَهُ الْمَذْهَب لجماله. رُوِيَ أَنه خرج على فرس لَهُ وَعَلِيهِ مطرف خَز فَأَشْرَفت امْرَأَة فَنَظَرت إِلَيْهِ فَقَالَت: مَا أحسن هَذَا فتقطر بِهِ فرسه فَمَاتَ.
وَهَذَا مطلع القصيدة:
بَان الشّباب وربّما علّلتهبالغانيات وبالشّراب الأصهب
وَلَقَد شربت الْخمر فِي حانوتهاولعبت بالقينات عفّ الملعب
وَقَالَ فِي مدحه:
لذّ تقبّله النّعيم كأنّمامسحت ترائبه بماءٍ مَذْهَب
)
ينظرن من خلل السّتور إِذا بدانظر الهجان إِلَى الفنيق المصعب
خضل الكياس إِذا تنشّى لم تكنخلفا مواعده كبرق الخلّب
وَإِذا تعوورت الزّجاجة لم يكنعِنْد الشّراب بفاحش متقطّب
اللذ بِالْفَتْح: المتلذذ. وتقبله النَّعيم إِذا استبان عَلَيْهِ. والربرب: جمَاعَة النِّسَاء. والهجان من الْإِبِل: كرامها وبيضها. والفنيق: الْفَحْل الْمَتْرُوك لَا يركب وَلَا يحمل عَلَيْهِ. والخضل: الندي والكياس. والتعاور: التداول.
وَبعد هَذَا اقتضب الْكَلَام فَقَالَ: إنّ السّيوف غدوّها ورواحها.............. الْبَيْت وَبعده:
وتركن عمّك من غنيّ ممسكاًبِإِزَاءِ منخرق كجحر الثّعلب
وتركن فلّ بني سليمٍ تَابعالبني ضبينة كاتّباع التّولب
ألقوا البرين بني سليمٍ إنّهاشانت وإنّ حزازها لم يذهب
وَلَقَد علمت بأنّها إِذْ علّقتسمة الذّليل بكلّ أنفٍ مغضب
وَالْخَيْل تعدو بالكماة كأنّهاأَسد الغياطل من فوارس تغلب
وَقَوله: وتركن عمك من غَنِي الخ غَنِي: قَبيلَة. قَالَ شَارِح ديوانه
السكرِي: هَذَا مثل يَقُول: لَا شَيْء بِأَيْدِيهِم كَأَنَّهُمْ تمسكوا بحوض صَغِير قد ذهب مَاءَهُ. وإزاء الْحَوْض: مَوضِع مصب الدَّلْو فِي مقدمه فَيُوضَع هُنَاكَ جُحر يصب عَلَيْهِ المَاء أَو عباءة لِئَلَّا يثور الطين فَيفْسد المَاء ويكدر.
وَقَوله: وتركن فل بني سليم الفل بِالْفَتْح: المنهزمون. وسليم بِالتَّصْغِيرِ. وضبينة بِفَتْح الْمُعْجَمَة وَكسر الْمُوَحدَة وَقبل الْهَاء نون هِيَ أم سعد مَنَاة بن غامد بن الأزد غلبت على نسب وَلَدهَا.
قَالَه السكرِي.
وَقَوله: ألقوا البرين الخ ألقوا: أَمر من الْإِلْقَاء. والبرين: جمع برة بِضَم الْمُوَحدَة وَهِي مَا يخزم بِهِ الْأنف. وَبني سليم: منادى. وَذَلِكَ أَن امْرَأَة من سليم خزمت أنفها لما قتل عُمَيْر بن الْحباب وَحلفت أَن لَا تنزعها حَتَّى تدْرك بثأره.
والغياطل: جمع غيطل وَهُوَ الشّجر الْكثير الملتف. وتغلب: قَبيلَة الأخطل. افتخر بفوارس)
قومه.
وترجمته تقدّمت فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين.
وَأنْشد بعده وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
إنّ عليّ الله أَن تبَايعاتُؤْخَذ كرها أَو تَجِيء طَائِعا
على أَن الْفِعْل قد يُبدل من الْفِعْل إِذا كَانَ الثَّانِي رَاجِح الْبَيَان على الأول كَمَا فِي الْبَيْت.
فتؤخذ بدل من تبَايع وتجيء: مَعْطُوف على تُؤْخَذ. وَهَذَا الْبَدَل أبين من الْمُبدل مِنْهُ وَالْبدل فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ مَجْمُوع الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ إِذْ لَا تكون الْمُبَايعَة إِلَّا على أحد الْوَجْهَيْنِ من إِكْرَاه أَو طَاعَة. وَهُوَ كَقَوْلِهِم: الرُّمَّان حُلْو حامض وَإِن كَانَ يُقَال بِاعْتِبَار اللَّفْظ إِن تَجِيء مَعْطُوف على تُؤْخَذ كَمَا يُقَال فِي مثل ذَلِك من الْخَبَر وَالْحَال.
وَالْآيَة قبل الْبَيْت من بدل الْكل قَالَ الْخَلِيل: لِأَن مضاعفة الْعَذَاب هِيَ لَقِي الأثام. وَالظَّاهِر أَن بدل الْفِعْل من الْفِعْل عِنْد الشَّارِح الْمُحَقق إِنَّمَا يكون فِي بدل الْكل وَهُوَ مَذْهَب السيرافي قَالَ: لَا يُبدل الْفِعْل إِلَّا من شَيْء هُوَ فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّض وَلَا يكون فِيهِ اشْتِمَال فتؤخذ كرها أَو تَجِيء طَائِعا هُوَ معنى الْمُبَايعَة لِأَنَّهَا تقع على أَحدهمَا.
وَقد يظْهر من كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مَا يرْتَفع بَين الجزمين.
وَقد جوز الْمُتَأَخّرُونَ الأبدال الْأَرْبَعَة فِي الْفِعْل مِنْهُم الشاطبي فِي شرح الألفية قَالَ: يتَصَوَّر فِي بدل الْفِعْل من الْفِعْل مَا تصور فِي بدل الِاسْم من الِاسْم فقد يكون فِيهِ بدل الْكل من الْكل مَتى تأتنا تلمم بِنَا فِي دِيَارنَا وَقد يكون فِيهِ بدل الْبَعْض كَقَوْلِك: إِن تصل تسْجد لله يَرْحَمك. وَبدل الاشتمال أَيْضا وَمِنْه قَوْله:
إنّ على الله أَن تبَايعا............. الْبَيْت لِأَن الْأَخْذ كرها والمجيء طَوْعًا من صِفَات الْمُبَايعَة. وَظَاهر كَلَام سِيبَوَيْهٍ يَقْتَضِي أَنه أنْشدهُ شَاهدا على بدل الاشتمال لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ مَعَ قَول الآخر: فَمَا كَانَ قيسٌ هلكه هلك واحدٍ وَقَول الآخر:)
وَمَا ألفيتني حلمي مضاعا وَذَلِكَ فِي بَاب من أَبْوَاب بدل الْبَعْض والاشتمال. وَإِذا ثَبت بدل الْبَعْض ثَبت بدل الاشتمال: لِأَنَّهُ مشبه بِهِ إِذْ عدوا وصف الشَّيْء كالجزء مِنْهُ. وَقد يكون فِيهِ بدل الإضراب والغلط نَحْو إِن تطعم زيدا تكسه أكرمك. وَقد سَأَلَ سِيبَوَيْهٍ الْخَلِيل عَن قَوْلك: إِن تأتنا تسألنا نعطك بجزم تسألنا.
فَقَالَ: هَذَا يجوز على أَن يكون مثل الأول لِأَن الأول الْفِعْل الآخر تَفْسِير لَهُ وَهُوَ هُوَ. يَعْنِي مَا قَالَ: وَلكنه يجوز على الْغَلَط وَالنِّسْيَان ثمَّ يتدارك. وَقَالَ بعد: فَلَو قلت إِن تأتني آتِك أقل ذَلِك. كَانَ غير جَائِز لِأَن القَوْل لَيْسَ بالإتيان إِلَّا أَن تجيزه على مَا جَازَ عَلَيْهِ تسألنا. فَهَذَا نَص لجَوَاز بدل الْغَلَط وَالنِّسْيَان. وَجَوَاز بدل الإضراب أولى. انْتهى كَلَام الشاطبي.
فَإِن قلت: بدل الاشتمال وَالْبَعْض لَا بُد لَهما من ضمير فَكيف الْحَال على قَول الشاطبي قلت: لَا يُمكن الضَّمِير هُنَا لظُهُور أَن ذَاك خَاص بالأسماء لتعذر عود الضَّمِير على الْأَفْعَال.
كَذَا فِي شرح التَّوْضِيح للشَّيْخ خَالِد.
وَقَول الشَّارِح الْمُحَقق: إِذا كَانَ الثَّانِي رَاجِح الْبَيَان مثله فِي التسهيل قَالَ: ويبدل فعل من فعل مُوَافق فِي الْمَعْنى مَعَ زِيَادَة بَيَان. انْتهى.
ولي يعْتَبر غَيرهمَا هَذَا الْقَيْد. وَلم يتَعَرَّض لَهُ أصلا أَبُو حَيَّان فِي الارتشاف. قيل: وَالْحق عدم اعْتِبَاره. وَأما اعْتِبَار الْمُوَافقَة فِي الْمَعْنى فقد اعتبروه مِنْهُمَا بن معطي قَالَ: وأبدلوا الْفِعْل من الْفِعْل إِذا كَانَ بِمَعْنَاهُ.
قَالَ ابْن الخباز: إِنَّمَا يكون ذَلِك إِذا ترادف اللفظان كَقَوْلِك من يَأْتِ يمش إِلَيّ ُأكَلِّمهُ... انْتهى.
وَهَذَا عِنْد الشَّارِح الْمُحَقق من بَاب التوكيد كَمَا صرح بِهِ هُنَا. وَقَوله: إِنَّمَا يكون فِي ترادف اللَّفْظَيْنِ مَمْنُوع.
وَهنا فَائِدَة حَسَنَة ذكرهَا ابْن هِشَام فِي حَوَاشِي الألفية وَهِي أَنه يَنْبَغِي أَن يشْتَرط لإبدال الْفِعْل من الْفِعْل مَا اشْترط لعطف الْفِعْل وَهُوَ الِاتِّحَاد فِي الزَّمَان فَقَط دون الِاتِّحَاد فِي النَّوْع حَتَّى يجوز: إِن جئتني تمش إِلَيّ أكرمك. انْتهى.
وَاعْلَم أَن إِبْدَال الْفِعْل من الْفِعْل هُوَ إِبْدَال مُفْرد من مُفْرد بِدَلِيل ظُهُور النصب كَمَا فِي الشَّاهِد وَظُهُور الْجَزْم كَمَا فِي الْآيَة.)
وَزعم ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي وَتَبعهُ ابْن خلف والعيني والحفيد فِي حَاشِيَة الْمُخْتَصر أَن هَذَا من إِبْدَال جملَة من جملَة. وَهُوَ سَهْو.
قَالَ الشَّيْخ خَالِد فِي شرح التَّوْضِيح: وَالْفرق بَين بدل الْفِعْل وَحده الْجُمْلَة أَن الْفِعْل يتبع مَا قبله فِي إعرابه لفظا أَو تَقْديرا وَالْجُمْلَة تتبع مَا قبلهَا محلا إِن كَانَ لَهُ مَحل. وَإِلَّا فإطلاق التّبعِيَّة عَلَيْهَا مجَاز إِذْ التَّابِع كل ثَان أعرب بإعراب سابقه الْحَاصِل والمتجدد. انْتهى.
وَقَضِيَّة هَذَا: أَنه لَا يتَصَوَّر فِي الْفِعْل الْمَرْفُوع أَن يكون بَدَلا من فعل مَرْفُوع
وَذَلِكَ لِأَن سَبَب الْإِعْرَاب متوفر فِيهِ مَعَ قطع النّظر عَن التّبعِيَّة وَهُوَ تجرده عَن الناصب والجازم فرفعه لتجرده لَا لكَونه تَابعا لغيره فَكيف يكون بَدَلا مَعَ انْتِفَاء التّبعِيَّة لانْتِفَاء الْإِعْرَاب بإعراب سابقه. وَهَكَذَا يُقَال فِي الْعَطف: لَا يتَصَوَّر عطف الْفِعْل الْمَرْفُوع على مثله.
وَمِمَّا يشكل فِي الْبَدَل قَول الْبَيْضَاوِيّ وَغَيره: إِن يتزكى فِي سُورَة اللَّيْل بدل من قَوْله: يُؤْتِي مَاله لِأَن يُؤْتِي مَرْفُوع لتجرده فَلم يعرب بإعراب سابقه.
وَأجَاب بَعضهم بِأَن المُرَاد أَن الْبَدَل جملَة يتزكى من جملَة يُؤْتِي مَاله. وَهَذَا لَا يدْفع الْإِشْكَال عَن كَلَام الْبَيْضَاوِيّ لَا عَن ظَاهر كَلَامهم أَن الْفِعْل يُبدل من الْفِعْل وعمومه شَامِل للْفِعْل الْمَرْفُوع.
وَجزم السَّيِّد عِيسَى الصفوي بِأَنَّهُ لَا يكون مضارع مَرْفُوع تَابعا لمضارع مَرْفُوع وَأجَاب عَمَّا أورد على الْبَيْضَاوِيّ بِأَن المُرَاد كل ثَان أعرب بإعراب سابقه وَلم يكن معرباً لمقتض للإعراب غير التّبعِيَّة.
قيل: قد يُقَال لَا مَانع من كَون الْمُضَارع عِنْد التّبعِيَّة مَرْفُوعا بالتبعية وَإِن كَانَ فِيهِ مُقْتَض آخر للرفع وَهُوَ التجرد بِنَاء على جَوَاز تعدد السَّبَب. وَفِيه نظر فَإِنَّهُم قَالُوا: الْعَامِل بِمَنْزِلَة الْمُؤثر الْحَقِيقِيّ وَلَا يجْتَمع مؤثران على أثر.
وَسكت الشَّارِح الْمُحَقق عَن إِبْدَال الْجُمْلَة من الْجُمْلَة وَعَن إِبْدَال الْجُمْلَة من الْمُفْرد وَعَكسه.
أما الأول فقد قَالَ الشَّيْخ خَالِد: تبدل الْجُمْلَة من الْجُمْلَة بدل بعض واشتمال وَغلط وَلَا تبدل بدل كل نَحْو: قعدت جَلَست فِي دَار زيد فَإِنَّهُ توكيد.
أما بدل الْبَعْض فنحو قَوْله تَعَالَى: أمدكم بِمَا تعلمُونَ. أمدكم بأنعام وبنين فجملة أمدكم الثَّانِيَة أخص من الأولى بِاعْتِبَار متعلقيهما فَتكون دَاخِلَة فِي الأولى.)
وَأما بدل الاشتمال فكقوله:
أَقُول لَهُ ارحل لَا تقيمنّ عندنَا فَقَوله: تقيمن عندنَا بدل اشْتِمَال من ارحل لما بَينهمَا من الملابسة اللزومية وَلَيْسَ توكيداً لَهُ لاخْتِلَاف لفظيهما وَلَا بدل بعض لعدم دُخُوله فِي الأول وَلَا بدل كل لعدم الِاعْتِدَاد بِهِ وَلَا غلط لوُقُوعه فِي الفصيح.
وَأما بدل الْغَلَط فنحو: قُم اقعد.
وَأما إِبْدَال الْجُمْلَة من الْمُفْرد فقد أورد لَهُ ابْن هِشَام فِي شرح الألفية قَول الفرزدق:
إِلَى الله أَشْكُو بِالْمَدِينَةِ حَاجَةوبالشّام أُخْرَى كَيفَ يَلْتَقِيَانِ
قَالَ أبدل كَيفَ يلتقاين وَهُوَ جملَة مستأنفة نبه بهَا على سَبَب الشكوى وَهُوَ استبعاد مَا بَين الحاجتين.
وَأما عكس هَذَا وَهُوَ إِبْدَال مُفْرد من جملَة فقد قَالَ أَبُو حَيَّان فِي الْبَحْر فِي قَوْله تَعَالَى: وَلم يجعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً قَالَ: قيمًا بدل من جملَة لم يَجْعَل لَهُ عوجا لِأَنَّهَا فِي معنى الْمُفْرد أَي: جعله وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي فِي بحث كَيفَ: إِن جملَة كَيفَ خلقت بدل من الْإِبِل بدل اشْتِمَال وَالْمعْنَى إِلَى الْإِبِل كَيْفيَّة خلقهَا. وَمثله: ألم تَرَ إِلَى ربِّك كَيفَ مدَّ الظِّلَّ وكل جملَة فِيهَا كَيفَ فَهِيَ بدل من اسْم مُفْرد. وَقَالَ السُّيُوطِيّ
فِي الهمع: إِن بدل الْجُمْلَة من الْمُفْرد بدل اشْتِمَال.
وَبَقِي إِبْدَال الْفِعْل من اسْم يُشبههُ وَبِالْعَكْسِ وإبدال الْحَرْف من مثله.
أما الأول فقد قَالَ ابْن هِشَام فِي حَوَاشِي الألفية: يَنْبَغِي أَن يجوز إِبْدَال الِاسْم من الْفِعْل وَبِالْعَكْسِ كَمَا جَازَ الْعَطف نَحْو: زيد متق يخَاف الله أَو يخَاف الله متق. انْتهى.
وَالظَّاهِر أَن يخَاف الله اسئناف بياني أَو الْبَدَل هُوَ الْجُمْلَة لَا الْفِعْل وَحده فِي الأول ومتق خبر بعد خبر فِي الثَّانِي وَالتَّقوى غير الْخَوْف فَإِن الْوِقَايَة فرط الصيانة.
وَأما الثَّانِي فقد ذكره سِيبَوَيْهٍ وَجعل مِنْهُ: أَيَعِدُكُمْ أنَّكمْ إِذا مِتُّمْ وكُنتم تُراباً وعظاما أنَّكُمْ مُخْرَجون فجلع أَن الثَّانِيَة بَدَلا من الأولى لَا توكيداً كَمَا قَالَ غَيره.
وَقَوله: إِن عَليّ الله الخ قَالَ ابْن خروف فِي شرح الْكتاب: الله مَنْصُوب على الْقسم وَيجوز أَن يكون اسْم إِن وَالْخَبَر الْجَار وَالْمَجْرُور وَأَن مفعول من أَجله.
وَأنْشد يحيى: الطَّوِيل)
وإنّ عليّ الله لَا تحملوننيعلى خطّةٍ إلاّ انْطَلَقت أَسِيرهَا
فلز حذفت إِن لَقلت: عَليّ عهد الله لأضربنك. قَالَ الْفراء: وَيجوز عَليّ الله أَن أضربك.
انْتهى.
وَقَالَ ابْن خلف: هَذَا الشَّاعِر حلف على مخاطبه بِاللَّه أَنه لَا بُد لَهُ من أَن يُبَايع فَلَمَّا حذف حرف الْقسم نصب الِاسْم وَأَن تبَايع: اسْم إِن وَعلي خبر إِن وَالْقسم معترض بَين الِاسْم وَالْخَبَر.
وَنقل الْعَيْنِيّ عَن بعض شرَّاح الْكتاب أَن عَليّ مُتَعَلق باستقرار مَحْذُوف فِي مَوضِع خبر إِن كَأَنَّهُ قَالَ: وَجب عَليّ الْيَمين بِاللَّه لِأَن هَذَا الْكَلَام قسم وَأَن تبَايعا يتَعَلَّق
بعلي أَعنِي بِمَا فِيهِ من معنى الِاسْتِقْرَار. انْتهى.
وَهَذَا التَّعَلُّق غير ظَاهر.
والمبايعة: بِمَعْنى الْبيعَة وَالطَّاعَة للسُّلْطَان. وأصل الْبيعَة الصَّفْقَة على إِيجَاب البيع. وأيمان الْبيعَة هِيَ الَّتِي رتبها الْحجَّاج مُشْتَمِلَة على أُمُور مُغَلّظَة من طَلَاق وَعتق وَصَوْم وَنَحْو ذَلِك. وَتُؤْخَذ بدل من تبَايع كَمَا تقدم.
قَالَ السيرافي: النصب فِي هَذِه الأبيات على الْبَدَل جيد وَلَو رفع على الِابْتِدَاء لَكَانَ أَكثر وَأعرف فَيَقُول: هلكه هلك وَاحِد وَمَا ألفيتني حلمي مضاع وَتَكون الْجُمْلَة فِي مَوضِع الْحَال وَتُؤْخَذ كرها أَو تَجِيء طَائِعا على معنى أَنْت تُؤْخَذ كرها فَيكون أَنْت تُؤْخَذ فِي مَوضِع الْحَال.
انْتهى.
وَهَذَا كَقَوْلِه:
مَتى تأته تعشو إِلَى ضوء نارهتَجِد خير نارٍ عِنْدهَا خير موقد
رفع تعشو بَين المجزومين أَعنِي الشَّرْط وَالْجَزَاء لِأَنَّهُ قصد بِهِ الْحَال أَي: مَتى تأته عاشياً أَي: نَاظرا إِلَى ضوء ناره. وَكَذَلِكَ كل مَا وَقع بَين مجزومين. وَعَلِيهِ قِرَاءَة: يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب بِالرَّفْع لم يَجعله جَوَابا وَإِنَّمَا جعله وَصفا أَي: وَارِثا من يَعْقُوب. فتدبره فَإِنَّهُ كثير. كَذَا فِي أَبْيَات الْمعَانِي لِابْنِ السَّيِّد.
وَقَوله: كرها مفعول مُطلق أَي: تُؤْخَذ أخذا كرها. وَيجوز أَن يكون حَالا بتأويله باسم الْفَاعِل.
وَهُوَ الْمُنَاسب لقَوْله: طَائِعا فَإِنَّهُ حَال.
)
وَهَذَا الْبَيْت قَلما خلا عَنهُ كتاب نحوي وَمَعَ شهرته لَا يعلم قَائِله وَهُوَ من أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ الْخمسين الَّتِي لم يعرف قَائِلهَا. وَالله أعلم.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع