من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد التَّاسِع وَالسِّتُّونَ بعد الثلاثمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد التَّاسِع وَالسِّتُّونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س: على أَن قَوْله حلمي بدل اشْتِمَال من الْيَاء فِي: ألفيتني.
قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: إِنَّمَا يجوز الْبَدَل من ضمير الْمُتَكَلّم وَضمير الْمُخَاطب إِذا كَانَ بدل الْبَعْض أَو بدل الاشتمال نَحْو قَوْلك: عجبت مِنْك عقلك وضربتك رَأسك. وَمن أَبْيَات الْكتاب: ذَرِينِي إنّ أَمرك لن يطاعا.............. الْبَيْت ف حلمي: بدل من ني. وَلَو قلت: قُمْت زيد أَو مَرَرْت بِي جَعْفَر أَو كلمتك أَبُو عبد الله على الْبَدَل لم يجز من حَيْثُ كَانَ ضمير الْمُتَكَلّم والمخاطب غَايَة فِي الِاخْتِصَاص فَبَطل الْبَدَل لِأَن فِيهِ ضربا من الْبَيَان وَقد اسْتغنى الْمُضمر بتعرفه. انْتهى.
وَكَذَلِكَ الْفراء فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: مثلُ الَّذين كَفَروا بربِّهم أعمالُهمْ كَرمادٍ. الْحلم: مَنْصُوب بالإلفاء على التكرير يَعْنِي الْبَدَل وَلَو رَفعه كَانَ صَوَابا. وَأوردهُ أَيْضا عِنْد قَوْله تَعَالَى: ويومَ الْقِيَامَة تَريَ الذينَ كَذَبُوا على اللَّهِ وجوهُهم مسودَّة.
وَتَبعهُ الزّجاج فِيهَا وَنسبه إِلَى عدي بن زيد قَالَ فِي الْآيَة: ترفع وُجُوههم ومسودة لِأَن الْفِعْل قد)
وضع على الَّذين ثمَّ جَاءَ بعد الَّذين اسْم لَهُ فعل فَرَفَعته بِفِعْلِهِ وَكَانَ فِيهِ معنى نصب. وَكَذَلِكَ فافعل بِكُل اسْم أوقعت عَلَيْهِ الظَّن والرأي وَمَا أشبههما فارفع مَا يَأْتِي بعده من الْأَسْمَاء إِذا كَانَ أفاعيلها بعْدهَا كَقَوْلِك: رَأَيْت عبد الله أمره مُسْتَقِيم. فَإِن قدمت الاسْتقَامَة نصبتها وَرفعت الِاسْم فَقلت: رَأَيْت عبد الله مُسْتَقِيمًا أمره. وَلَو نصبت الثَّلَاثَة فِي الْمَسْأَلَة الأولى على التكرير كَانَ جَائِزا فَتَقول: رَأَيْت عبد الله أمره مُسْتَقِيمًا. وَقَالَ عدي بن زيد: ذَرِينِي إنّ أَمرك لن يطاعا............. الْبَيْت فنصب الْحلم والمضاع على التكرير.
وَمثله: مَا للجمال مشيها وئيدا فخفض الْجمال وَالْمَشْي على التكرير. فَلَو قَرَأَ قَارِئ: وُجُوههم مسودةً على هَذَا لَكَانَ صَوَابا.
انْتهى.
وَقَوله: ذَرِينِي خطاب لامْرَأَته أَي: اتركيني ودعيني. وَجُمْلَة: إِن حكمك الخ مستأنفة للتَّعْلِيل.
وروى سِيبَوَيْهٍ: إِن أَمرك وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. وَجُمْلَة: مَا ألفيتني الخ معطوفة على الْجُمْلَة المستأنفة.
وروى الْعَيْنِيّ: وَلَا ألفيتني. وألفى بِمَعْنى وجد من أَخَوَات ظن تنصب مفعولين وَالتَّاء الْمَكْسُورَة فاعلها وَالنُّون نون الْوِقَايَة وَالْيَاء مفعول وحلمي بدل من الْيَاء. وتساهل النّحاس فِي شرح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وَتَبعهُ ابْن السَّيِّد فِي أَبْيَات الْمعَانِي فَقَالَا: حلمي بدل من النُّون وَالْيَاء.
وَمن الْعَجَائِب قَول الْعَيْنِيّ: حلمي بدل من النُّون وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن يتبع النّحاس فَيسْقط من قلمه أَو من قلم النَّاسِخ عطف الْيَاء على النُّون. والحلم بِالْكَسْرِ: الْعقل.
يَقُول لَهَا: ذَرِينِي من عذلك فَإِنِّي لَا أطيع أَمرك وَلَا وجدتني سَفِيها مضيع الْحلم وعقلي يَأْمُرنِي بِإِتْلَاف مَالِي فِي اكْتِسَاب الْحَمد. ومضاعا مفعول ثَانِي لألفى وَهُوَ اسْم مفعول من الإضاعة وَلَا يَصح أَن يكون كَمَا زعم بَعضهم.
وَنقل الْعَيْنِيّ عَن تذكرة أبي حَيَّان بِأَنَّهُ يجوز حلمي مضاع بِالرَّفْع على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر وَالْجُمْلَة مفعول ثَان. وَفِيه أَن هَذَا الْبَيْت من قصيدة قوافيها مَنْصُوبَة.
قَالَ ابْن السَّيِّد: لَا يجوز رفعهما لِأَن القوافي كلهَا مَنْصُوبَة.
وَالْبَيْت نسبه سِيبَوَيْهٍ لرجل من خثعم أَو بجيلة. وَتَبعهُ ابْن السراج فِي أُصُوله. وَعَزاهُ الْفراء)
والزجاج إِلَى عدي بن زيد الْعَبَّادِيّ وَهُوَ الصَّحِيح.
وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحب الحماسة البصرية وَأورد من القصيدة بعده هَذِه الأبيات:
أَلا تِلْكَ الثّعالب قد تعاوتعليّ وحالفت عرجاً ضباعا
فَإِن لم تندموا فثكلت عمراوَهَاجَرت المروّق والسّماعا
وَلَا ملكت يداي عنان طرفٍوَلَا أَبْصرت من شمسٍ شعاعا
قَوْله: تعاوت تفاعلت من العواء وَهُوَ صياح الْكَلْب وَالذِّئْب والثعلب. وَأَرَادَ بالثعالب الَّذين لاموه على جوده حسداً ولؤماً. والثعلب سبع جبان مستضعف ذُو مكر وخديعة وَلكنه لفرط الْمَكْر وَالْحِيلَة والخبث والخديعة يجْرِي مَعَ كبار السبَاع.
قَالَ الجاحظ: وَمن أَشد سلَاح الثَّعْلَب الروغان وَفِي الْمثل: أروغ من ثَعْلَب. والروغان بِالتَّحْرِيكِ: مصدر راغ الثَّعْلَب يروغ روغاً وروغاناً أَي: ذهب يمنة ويسرة فِي سرعةٍ خديعة فَهُوَ لَا يسْتَقرّ فِي جِهَة. وحالفت بِالْحَاء الْمُهْملَة أَي: عَاهَدت يُقَال: تحَالفا أَي: تعاهدا وتعاقدا على أَن يكون أَمرهمَا وَاحِدًا فِي النُّصْرَة والحماية. وَبَينهمَا حلف بِالْكَسْرِ أَي: عهد. والحليف: الْمعَاهد.
وضباعاً: مفعول حالفت. وعرجا كَانَ فِي الأَصْل صفة لضباعاً فَلَمَّا تقدم صَار حَالا مِنْهُ.
أَي: عَاهَدت تِلْكَ الثعالب من هُوَ أَسْوَأ حَالا مِنْهَا. والضباع بِالْكَسْرِ: جمع ضبع وَهِي يضْرب بهَا الْمثل فِي حمقها فَيُقَال: أَحمَق من ضبع.
قَالَ صَاحب الْمِصْبَاح: الضبع بِضَم الْبَاء فِي لُغَة قيس وبسكونها فِي لُغَة تَمِيم وَهِي أُنْثَى وَقيل: يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى وَرُبمَا قيل فِي الْأُنْثَى ضبعة كَمَا قيل سبع وَسَبْعَة بِالسُّكُونِ مَعَ الْهَاء للتَّخْفِيف. وَالذكر ضبعان وَالْجمع ضباعين مثل سرحان وسراحين. وَيجمع الضبع بِضَم الْبَاء وَالْعَرج: جمع عرجاء كصفر جمع صفراء. والضبع تُوصَف بالعرج وَلَيْسَ بعرجاء وَإِنَّمَا يخيل ذَلِك للنَّاظِر. وَسبب ذَلِك التخيل لدونة فِي مفاصلها وَزِيَادَة رُطُوبَة فِي الْجَانِب الْأَيْمن على الْأَيْسَر مِنْهَا. كَذَا فِي حَيَاة الْحَيَوَان للدميري.
وَمن الغرائب قَول الْعَيْنِيّ هُنَا: قَوْله: تعاوت من عواء الْكَلْب. وَقَوله: ضباعاً جمع ضبع وَهُوَ الْحَيَوَان الْمَعْرُوف وَهَذَا الْجمع للذّكر وَالْأُنْثَى مثل سِبَاع وَسبع.
وَقَوله: عرجاً بِفَتْح الْعين وَكسر الرَّاء صفة للضباع قدمت عَلَيْهِ للضَّرُورَة. وتوصف الضباع)
بالعرج كَمَا تُوصَف بالخمع.
وَالْعَرج أَيْضا يُقَال: للقطيع من الْإِبِل نَحْو الثَّمَانِينَ أَو الْمِائَة وَالْخمسين. فعلى هَذَا يكون قَوْله ضباعاً بِالْكَسْرِ:
جمع ضابع إِذا كَانَت شَدِيدَة الجري. هَذَا كَلَامه بِحُرُوفِهِ. وَأي فَائِدَة فِي تسطيره وَلَا يُزَاد الطَّالِب مِنْهُ إِلَّا جَهَالَة.
وَقَوله: فَإِن لم تندموا الخ هَذَا الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب. وَأَرَادَ بالندم الرُّجُوع عَن لؤمه فَإِن النَّدَم لَازمه. وَجُمْلَة ثكلت دعائية. وَعَمْرو: ابْنه. وَهَاجَرت بِمَعْنى قاطعت من الهجر بِالْفَتْح أَي: التّرْك. والمروق أَرَادَ: بِهِ الْخمر. يُقَال: خمر مروق. وَالسَّمَاع أَرَادَ بِهِ آلَة الطَّرب وَاللَّهْو.
والطرف بِالْكَسْرِ: الْكَرِيم من الْخَيل. والخطة بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة: الْحَالة والخصلة وَهُوَ مفعول مقدم لكلفت. وذراعاً: تَمْيِيز محول عَن الْفَاعِل. ورحب الذِّرَاع واسعها. وبسطها: طولهَا.
وضيق الذِّرَاع والذرع قصرهَا.
وَوَجهه أَن الْقصير الذِّرَاع لَا ينَال مَا يَنَالهُ الطَّوِيل الذِّرَاع وَلَا يُطيق طاقته فَضرب الَّذِي سَقَطت قوته دون بُلُوغ الْأَمر والاقتدار عَلَيْهِ. وَبِالْعَكْسِ طول الذِّرَاع وبسطها.
وَقد تقدّمت تَرْجَمَة عدي بن زيد مفصلة فِي الشَّاهِد السِّتين. وَهُوَ شَاعِر جاهلي.
والعبادي بِكَسْر الْعين وَتَخْفِيف الْمُوَحدَة نِسْبَة إِلَى عباد وهم قبائل شَتَّى من الْعَرَب اجْتَمعُوا على النَّصْرَانِيَّة بِالْحيرَةِ. وَزعم الْجَوْهَرِي أَنه بِالْفَتْح. وَالصَّوَاب مَا ذكرنَا.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع