من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ بعد الثلاثمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّالِث وَالسَّبْعُونَ بعد الثلاثمائة
وَكنت كذي رجلَيْنِ رجلٌ صحيحةٌورجلٌ رمى فِيهَا الزّمان فشلّت
على أَنه يرْوى رجل بِالْجَرِّ على أَنه بدل مَعَ أُخْرَى مفصل من رجلَيْنِ. ويروى بِالرَّفْع على أَنه بدل مَقْطُوع.
أنْشدهُ سِيبَوَيْهٍ فِي بَاب مجْرى النَّعْت على المنعوت وَالْبدل على الْمُبدل مِنْهُ قَالَ: وَمثل مَا يَجِيء فِي هَذَا الْبَاب على الِابْتِدَاء وعَلى الصّفة وَالْبدل قَوْله جلّ وَعز: قَد كَانَ لَكُمْ آيةٌ فِي فِئَتَينَ التَقتا فئةٌ تقاتلُ فِي سَبيل اللَّه وَأُخْرَى كَافِرةٌ. وَمن النَّاس من يجر والجر على وَجْهَيْن: على الصّفة وعَلى الْبَدَل.
وَمِنْه قَول كثير عزة: وَكنت كذي رجلَيْنِ رجل صَحِيحَة............. الْبَيْت وَقَوله: وَمثل مَا يَجِيء فِي هَذَا الْبَاب الخ يُرِيد أَنه يرفع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف وَالتَّقْدِير: إِحْدَاهمَا فِئَة تقَاتل الخ. وَالْجُمْلَة صفة لفئتين.
وَقَوله: وَمن النَّاس من يجر الخ يُرِيد أَن فِئَة بدل من فئتين. وَالصّفة جَائِزَة كَمَا تَقول: سررت برجلَيْن قَائِم وقاعد. وَإِنَّمَا جعل فِئَة صفة لفئتين لِأَن فِئَة مَوْصُوفَة فَكَانَ اعْتِمَاد الصّفة فِي فئتين على صفة فِئَة كَمَا تَقول: مَرَرْت برجلَيْن
رجل صَادِق وَرجل كَاذِب.
وَقَول كثير: وَرجل على رِوَايَة الرّفْع إِمَّا خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره هما رجل صَحِيحَة وَرجل أُخْرَى أَو تَقْدِيره إِحْدَاهمَا رجل صَحِيحَة وَالْأُخْرَى رجل. فَالْكَلَام على الأول جملَة وَاحِدَة وعَلى الثَّانِي جملتان. وَإِمَّا مُبْتَدأ مَحْذُوف الْخَبَر وَالتَّقْدِير: مِنْهُمَا رجل صَحِيحَة ومنهما رجل فَالْكَلَام جملتان.
وَقَالَ الْعَيْنِيّ: وَيجوز نصب رجل فِي الْمَوْضِعَيْنِ على إِضْمَار أَعنِي. وعَلى رِوَايَة جر رجل يكون على الْإِبْدَال من رجلَيْنِ بدل نكرَة من نكرَة. وَجه أوردهُ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي والمرادي فِي شرح الألفية. وَإِنَّمَا أبدل لأجل الصّفة وَهُوَ وصف الرجل الأولى بصحيحة وَالثَّانيَِة بجملة رمى.)
وَلما كَانَ الْمُبدل مِنْهُ مثنى وَجب الْإِتْيَان باسمين. وَيعرف نَحْو هَذَا الْإِبْدَال بِبَدَل الْمفصل من الْمُجْمل لِأَنَّهُ أجمل أَولا ثمَّ فصل ثَانِيًا. وَجُمْلَة رمى الخ صفة لرجل الثَّانِيَة. ومفعول رمى مَحْذُوف تَقْدِيره: رمى فِيهَا الزَّمَان دَاء فشلت.
وشلت: أَصله سللت تشل شللاً من بَاب فَرح. والشلل: آفَة تصيب الْيَد أَو الرجل فتيبس مِنْهَا وَقيل تسترخي. يُقَال: سلت يَده وأشلها الله.
وَقبل هَذَا الْبَيْت:
وكنّا سلكنا فِي صعودٍ من الْهوىفلمّا توافينا ثبتّ وزلّت
أُرِيد الثّواء عِنْدهَا وأظنّهاإِذا مَا أطلنا عِنْدهَا الْمكْث ملّت
فليت قلوصي عِنْد عزّة قيّدتبِجعْل ضعيفٍ عزّ مِنْهَا فضلّت
وغودر فِي الحيّ المقيمين رَحلهَاوَكَانَ لَهَا باغٍ سواي فبلّت
الصعُود بِالْفَتْح: خلاف الهبوط. والثواء بِالْفَتْح: الْإِقَامَة. وَعز مِنْهُ
بِمَعْنى غَلبه وَقَوي عَلَيْهِ.
وَفِي الْعباب: قَالَ الْفراء: يُقَال بلت مطيته على وَجههَا إِذا هَمت ضَالَّة. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت وَهُوَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة.
وَاخْتلف أَصْحَاب الْمعَانِي فِي معنى الْبَيْت الشَّاهِد فَقَالَ الأعلم: تمنى أَن تشل إِحْدَى رجلَيْهِ وَهُوَ عِنْدهَا وَتضِل نَاقَته فَلَا يرحل عَنْهَا فَيكون قَوْله: وَكنت كذي رجلَيْنِ الخ مَعْطُوفًا على قَوْله: قيدت ليدْخل فِي التَّمَنِّي.
وَقَالَ ابْن سَيّده: لما خانته عزة الْعَهْد فزلت عَن عَهده وَثَبت هُوَ على عهدها صَار كذي رجلَيْنِ رجل صَحِيحَة وَهُوَ ثباته على عهدها وَأُخْرَى مَرِيضَة وَهُوَ زللها عَن عَهده.
وَقَالَ عبد الدَّائِم: معنى الْبَيْت أَنه بَين خوف ورجاء وَقرب وثناء كَمَا قَالَ المتنبي:
وَأحلى الْهوى مَا شكّ فِي الْوَصْل ربّهوَفِي الهجر فَهُوَ الدّهر يَرْجُو ويتّقي
وَقَالَ غَيرهم: تمنى أَن تضيع قلوصه فَيبقى فِي حَيّ عزة فَيكون بِبَقَائِهِ فِي حيها كذي رجل حكى هَذِه الْأَقْوَال اللَّخْمِيّ وَقَالَ: وَهَذَا القَوْل الْأَخير هُوَ الْمُخْتَار الْمعول عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي يدل عَلَيْهِ مَا قبل الْبَيْت وَهُوَ اخْتِيَار الْأُسْتَاذ أبي عبد الله بن أبي الْعَافِيَة. وَقد أَخذ كثير هَذَا الْبَيْت من النَّجَاشِيّ وَهُوَ قَوْله:
وَكنت كذي رجلَيْنِ رجل صحيحةٍورجلٍ رمت فِيهَا يَد الْحدثَان
)
فأمّا الَّتِي صحّت فأزد شنوءةٍوأمّا الَّتِي شلّت فأزد عمان
وَقد أوردهُ ابْن رَشِيق فِي الْعُمْدَة فِي السرقات الشعرية وَسَماهُ الاهتدام. قَالَ: فَأخذ كثير الْقسم الأول واهتدم بَاقِي الْبَيْت فجَاء بِالْمَعْنَى فِي غير اللَّفْظ.
وَهَذِه القصيدة كلهَا نسيب بعزة وَهِي من منتخبات قصائده وَالْتزم فِيهَا مَا لَا يلْزم الشَّاعِر وَذَلِكَ اللَّام قبل حرف الروي اقتداراً فِي الْكَلَام وَقُوَّة فِي الصِّنَاعَة وَمَا خرم ذَلِك إِلَّا فِي بَيت وَاحِد هُوَ:
فَمَا أنصفت أمّا النّساء فبغّضتإليّ وأمّا بالنّوال فضنّت
وَهِي قصيدة. وَهَذَا مطْلعهَا مَعَ جملَة أَبْيَات مِنْهَا وَقعت شَوَاهِد للنحويين:
خليليّ هَذَا ربع عزّة فاعقلاقلوصيكما ثمّ ابكيا حَيْثُ حلّت
وَمَا كنت أَدْرِي قبل عزّة مَا البكاوَلَا موجعات الْقلب حتّى تولّت
وإنّي وتهيامي بعزّة بعد مَاتخلّيت فِيمَا بَيْننَا وتخلّت
لكالمبتغي ظلّ الغمامة كلّماتبوّا مِنْهَا للمقيل اضمحلّت
يكلّفها الغيران شتمي وَمَا بهَاهواني وَلَكِن للحليل استذلّت
هَنِيئًا مريئاً غير داءٍ مخامرٍلعزّة من أعراضنا مَا استحلّت
أسيئي بِنَا أَو أحسني لَا ملومةًلدينا وَلَا مقليّة إِن تقلّت
وَقَوله: وَمَا كنت أَدْرِي قبل عزة الخ اسْتشْهد بِهِ ابْن هِشَام فِي شرح الألفية على نصب موجعات عطفا على مَحل مفعول أَدْرِي الْمُعَلق بِمَا الاستفهامية لِأَن الْمُعَلق أبطل عمله لفظا لَا محلا.
وَقَالَ فِي مُغنِي اللبيب: فَائِدَة الحكم على مَحل الْجُمْلَة فِي التَّعْلِيق بِالنّصب ظُهُور ذَلِك فِي التَّابِع فَتَقول: عرفت من زيد وَغير ذَلِك من أُمُوره.
وَاسْتدلَّ ابْن عُصْفُور بِنصب موجعات من هَذَا الْبَيْت. وَلَك أَن تَدعِي أَن الْبكاء مفعول وَأَن مَا زَائِدَة أَو أَن الْوَاو للْحَال وموجعات اسْم لَا أَي وَمَا كنت أَدْرِي قبل عزة وَالْحَالة أَنه لَا موجعات للقلب مَوْجُودَة مَا البكا. انْتهى.
وَقَوله: وَإِنِّي وتهيامي بعزة الخ التهيام بِالْفَتْح: مُبَالغَة الهيام بِالضَّمِّ وَهُوَ كالجنون من الْعِشْق.
قَالَ ابْن جني فِي سر الصِّنَاعَة: سَأَلت أَبَا عَليّ عَن قَول كثير: وَإِنِّي وتهيامي بعزة الْبَيْت وَجعل)
الْجُمْلَة اعتراضاً بَين اسْم إِن وخبرها لِأَن فِيهَا ضربا من التسديد للْكَلَام. وَيحْتَمل أَن تكون الْوَاو للقسم فالباء على هَذَا مُتَعَلقَة بتهيامي. وَعرضت هَذَا على أبي عَليّ فَقبله. انْتهى.
وَقد نقل ابْن هِشَام مَا حكيته عَنْهُمَا فِي الْجُمْلَة المعترضة من الْمُغنِي.
وَقَوله: هَنِيئًا مريئاً غير دَاء الخ أوردهُ صَاحب الْكَشَّاف عِنْد قَوْله تَعَالَى: كلوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتمُ تَعْملُون على أَن الْبَاء زَائِدَة وَمَا: فَاعل هَنِيئًا وَهُوَ صفة اسْتعْملت اسْتِعْمَال الْمصدر الْقَائِم مقَام الْفِعْل كَأَنَّهُ قَالَ: هنأكم الْأكل وَالشرب.
وهنيئاً لعزة مَا استحلت من أعراضنا. الهنيء والمريء صفتان من هنؤ الطَّعَام ومرؤ كشرف إِذا كَانَ سائغاً لَا تنغيص فِيهِ. والمخامر: المخالط.
وَقَوله: أسيئي بِنَا أَو أحسني الخ هَذَا الْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب.
وَأوردهُ صَاحب الْكَشَّاف أَيْضا عِنْد قَوْله تَعَالَى: أَنْفقُوا طَوْعاً أَو كَرْهاً لن يُتقبَّل مِنْكُم على تَسَاوِي الإنفاقين فِي عدم الْقبُول كَمَا سَاوَى كثير بَين الْإِحْسَان والإساءة فِي عدم اللوم.
والنكتة فِي مثل ذَلِك إِظْهَار نفي تفَاوت الْحَال بتفاوت فعل الْمُخَاطب كَأَنَّهُ يأمرها بذلك لتحقيق أَنه على الْعَهْد. ومقلية بِمَعْنى مبغضة من القلي وَهُوَ البغض. وَقَوله: إِن تقلت الْتِفَات وروى صَاحب الأغاني بِسَنَدِهِ عَن هَيْثَم بن عدي قَالَ: سَأَلَ عبد الْملك بن مَرْوَان كثيرا عَن أعجب خبر لَهُ مَعَ عزة فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ حججْت سنة وَحج زوج عزة مَعهَا وَلم يعلم أَحَدنَا بِصَاحِبِهِ فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْض الطَّرِيق أمرهَا زَوجهَا بابتياع سمن تصلح بِهِ طَعَاما لرفقته فَجعلت تَدور الْخيام خيمة خيمة حَتَّى دخلت إِلَيّ وَهِي لَا تعلم أَنَّهَا خَيْمَتي وَكنت أبري سَهْما فَلَمَّا رَأَيْتهَا جعلت أبري لحمي وَأنْظر حَتَّى بريت ذراعي وَأَنا لَا أعلم بِهِ وَالدَّم يجْرِي فَلَمَّا علمت ذَلِك دخلت إِلَيّ فَأَمْسَكت يَدي وَجعلت تمسح الدَّم بثوبها وَكَانَ عِنْدِي نحي سمن فَحَلَفت لتأخذنه.
فَأَخَذته وَجَاءَت زَوجهَا فَلَمَّا رأى الدَّم سَأَلَهَا عَن خَبره فكاتمته حَتَّى حلف عَلَيْهَا لتصدقنه. فصدقته فضربها وَحلف عَلَيْهَا لتشتمني فِي وَجْهي فوقفت عَليّ وَهُوَ مَعهَا وَقَالَت لي وَهِي تبْكي: يَا ابْن الزَّانِيَة ثمَّ انصرفا وَذَلِكَ حَيْثُ أَقُول:
يكلّفها الغيران شتمي وَمَا بهَا الأبيات الثَّلَاثَة.)
وروى صَاحب الأغاني أَيْضا قَالَ: وقفت على جمَاعَة تكلمُوا فِي وَفِي جميل: أَيّنَا أصدق عشقاً وهم لَا يعرفونني ففضول جميلاً فَقلت لَهُم: قد ظلمتم كثيرا كَيفَ يكون جميل أصدق
رمى الله فِي جفني بثينة بالقذىوَفِي الغرّ من أنيابها بالقوادح
وَكثير حِين أَتَاهُ مَا يكره من عزة قَالَ: هَنِيئًا مريئاً غير دَاء مخامر............. الْبَيْت وَهَذِه القصيدة جَيِّدَة فَلَا بَأْس بإيرادها على رِوَايَة أبي عَليّ القالي فِي أَمَالِيهِ قَالَ: قَرَأت هَذِه القصيدة على أبي بكر بن دُرَيْد فِي شعر كثير وَهِي من منتخبات كثير وأولها:
خليليّ هَذَا ربع عزّة فاعقلاقلوصيكما ثمّ ابكيا حَيْثُ حلّت
ومسّا تُرَابا كَانَ قد مسّ جلدهَاوبيتاً وظلاّ حَيْثُ باتت وظلّت
وَلَا تيأسا أَن يمحو الله عنكماذنوباً إِذا صلّيتما حَيْثُ صلّت
وَمَا كنت أَدْرِي قبل عزّة مَا البكاوَلَا موجعات الْقلب حتّى تولّت
وَقد حَلَفت جهداً بِمَا نحرت لَهُقريشٌ غَدَاة المأزمين وصلّت
أناديك مَا حجّ الحجيج وكبّرتبفيفا غزالٍ رفقةٌ وأهلّت
وَكَانَت لقطع الْعَهْد بيني وَبَينهَاكُنَّا ذرةٍ نذرا فأوفت وحلّت
ويروى: وفت فأحلت
فَقلت لَهَا يَا عزّ كلّ مصيبةٍإِذا وطّنت يَوْمًا لَهَا النّفس ذلّت
كأنّي أنادي صَخْرَة حِين أَعرَضتمن الصّمّ لَو تمشي بهَا العصم زلّت
صفوحاً فَمَا تلقاك إلاّ بخيلةًفَمن ملّ مِنْهَا ذَلِك الْوَصْل ملّت
أَبَاحَتْ حمى لم يرعه النّاس قبلهَاوحلّت تلاعاً لم تكن قبل حلّت
فليت قلوصي عِنْد عزّة قيّدتبقيدٍ ضعيقٍ فرّ مِنْهَا فضلّت
وغودر فِي الحيّ المقيمين رَحلهَاوَكَانَ لَهَا باغٍ سواي فبلّت
وَكنت كذي رجلَيْنِ فِي رجلٍ صحيحةٍورجلٍ رمى فِيهَا الزّمان فشلّت
وَكنت كذات الظّلع لمّا تحاملتعلى ظلعها بعد العثار استقلّت
أُرِيد الثّواء عِنْدهَا وأظنّهاإِذا مَا أطلنا عِنْدهَا الْمكْث ملّت
فَمَا أنصفت أمّا النّساء فبغّضتإِلَيْنَا وأمّا بالنّوال فضنّت
يكلّفها الغيران شتمي وَمَا بهَاهواني وَلَكِن للمليك استذلّت
هَنِيئًا مريئاً غير داءٍ مخامرٍلعزّة من أعراضنا مَا استحلّت
قَالَ أَبُو عَليّ: قي لكثير: أَنْت أشعر أم جميل فَقَالَ: بل أَنا. فَقيل لَهُ: أَتَقول هَذَا وَأَنت راويته قَالَ جميل الَّذِي يَقُول: وَأَنا أَقُول: هَنِيئًا مريئاً غير داءٍ مخامر............. الْبَيْت
ووالله مَا قاربت إلاّ تَبَاعَدتبصرمٍ وَلَا أكثرت إلاّ أقلّت
فَإِن تكن العتبى فأهلاً ومرحباًوحقّت لَهَا العتبى لدينا وقلّت
وَإِن تكن الْأُخْرَى فإنّ وَرَاءَنَامنادح لَو سَارَتْ بهَا العيس كلّت
خليليّ إنّ الحاجبيّة طلّحتقلوصيكما وناقتي قد أكلّت
فَلَا يبعدن وصلٌ لعزّة أَصبَحتبعاقبةٍ أَسبَابه قد تولّت
أسيئي بِنَا أَو أحسني لَا ملومةًلدينا وَلَا مقليّةً إِن تقلّت
وَلَكِن أنيلي واذكري من مودّةٍلنا خلّةً كَانَت لديك فضلّت
وإنّي وَإِن صدّت لمثنٍ وصادقٌعَلَيْهَا بِمَا كَانَت إِلَيْنَا أزلّت
فَمَا أَنا بالدّاعي لعزّة بالجوىوَلَا شامتٌ إِن نعل عزّة زلّت
فَلَا يحْسب الواشون أنّ صبابتيبعزّة كَانَت غمرةً فتجلّت
فَأَصْبَحت قد أبللت من دنفٍ بهَاكَمَا أدنفت هيماء ثمّ استبلّت
ووالله ثمّ الله مَا حلّ قبلهَاوَلَا بعْدهَا من خلّةٍ حَيْثُ حلّت
فأضحت بِأَعْلَى شاهقٍ من فُؤَادهفَلَا الْقلب يسلاها وَلَا الْعين ملّت
فيا عجبا للقلب كَيفَ اعترافهوللنّفس لمّا وطّنت كَيفَ ذلّت
وإنّي وتهيامي بعزّة بعد مَاتخلّيت ممّا بَيْننَا وتخلّت
لكالمرتجي ظلّ الغمامة كلّماتبوّأ مِنْهَا للمقيل اضمحلّت
كأنّي وإيّاها سَحَابَة ممحلٍرجاها فلمّا جاوزته استهلّت
قَالَ أَبُو عَليّ: المأزمان: عَرَفَة والمزدلفة. وأناديك: أحادثك مَأْخُوذ من الندي والنادي جَمِيعًا)
وَهُوَ الْمجْلس. وميعة كل شَيْء: أَوله. والصفوح: المعرضة. وبلت: ذهبت.
قَالَ أَبُو عَليّ: مَا أعرف بلت ذهبت إِلَّا فِي تَفْسِير هَذَا الْبَيْت. وَلَا العتبى: الإعتاب يُقَال: عَاتَبَنِي فلَان فأعتبته إِذا نزعت عَمَّا عاتبك عَلَيْهِ والعتبى الِاسْم والإعتاب الْمصدر.
وَقَوله: طلحت الطلح: المعيي الَّذِي قد سقط من الإعياء. وطلت: هدرت. وأزلت: اصطنعت. وَيُقَال: بل من مَرضه وأبل واستبل إِذا برأَ. واعترافه: اصطباره يُقَال: نزلت بِهِ مُصِيبَة فَوجدَ عروفاً أَي: صبوراً. والعارف: الصابر. هَذَا مَا أوردهُ أَبُو عَليّ القالي.
وروى السُّيُوطِيّ: فِي شرح شَوَاهِد مُغنِي اللبيب عَن أبي الْحسن بن طَبَاطَبَا فِي كتاب عيار الشّعْر أَن الْعلمَاء قَالُوا: لَو أَن كثيرا جعل قَوْله: فِي وصف حَرْب لَكَانَ أشعر النَّاس. وَلَو جعل قَوْله أسيئي بِنَا أَو أحسني الْبَيْت فِي وصف الدُّنْيَا كَانَ أشعر النَّاس.
وَكثير بِضَم الْكَاف وَفتح الْمُثَلَّثَة وَكسر الْبَاء الْمُشَدّدَة التَّحْتِيَّة. وَهُوَ كثير ابْن عبد الرَّحْمَن بن أبي جُمُعَة بن الْأسود بن عَامر.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ: هُوَ كثير بن أبي جُمُعَة. وَهُوَ خزاعي وَأَبُو خُزَاعَة الصَّلْت بن النَّضر بن كنَانَة.
وَفِي ذَلِك يَقُول كثير:
أَلَيْسَ أبي بالنّضر أم لَيْسَ وَالِديلكلّ نجيبٍ من خُزَاعَة أزهرا
فحقق كثير أَنه من قُرَيْش. وَقيل إِنَّه أزدي من قحطان. وَهُوَ شَاعِر حجازي من شعراء الدولة الأموية ويكنى أَبَا صَخْر واشتهر بِكَثِير عزة بِالْإِضَافَة إِلَى عزة وَهِي محبوبته وغالب شعره تشبيب بهَا.
وَعزة بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَتَشْديد الزَّاي. والعزة فِي اللُّغَة: بنت الظبية وَبهَا سميت. وَهِي كَمَا قَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: عزة بنت حميل بِضَم الْمُهْملَة ابْن حَفْص بِفَتْحِهَا من بني حَاجِب بن غفار بِكَسْر الْمُعْجَمَة وخفة الْفَاء وكنيتها أم عَمْرو الضمرية نِسْبَة إِلَى قَبيلَة ضَمرَة. وَكَثِيرًا مَا يُطلق عَلَيْهَا الحاجبية نِسْبَة إِلَى جدها الْأَعْلَى كَقَوْلِه فِي هَذِه القصيدة:
الطَّوِيل وَمن الغرائب تَفْسِير الْعَيْنِيّ للحاجبية هُنَا بالرمل الطَّوِيل. وَهُوَ غَفلَة عَن نَسَبهَا.
قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء: بعثت عَائِشَة بنت طَلْحَة بن عبيد الله إِلَى كثير فَقَالَت لَهُ: يَا ابْن أبي جُمُعَة مَا الَّذِي يَدْعُوك إِلَى مَا تَقول من الشّعْر فِي عزة وَلَيْسَت على مَا تصف من)
الْجمال لَو شِئْت صرفت ذَلِك إِلَى من هُوَ أولى بِهِ مِنْهَا أَنا أَو مثلي فَأَنا أشرف وأوصل من عزة وَإِنَّمَا أَرَادَت تجربته بذلك فَقَالَ:
إِذا وصفلتنا خلةٌ كي تزيلهاأَبينَا وَقُلْنَا: الحاجبيّة أوّل
لَهَا مهلٌ لَا يُسْتَطَاع دراكهوسابقةٌ ملحبّ لَا تتحوّل
سنوليك عرفا إِن أردْت وصالناوَنحن لتِلْك الحاجبيّة أوصل
فَقَالَت عَائِشَة: وَالله لقد سميتني لَك خلة وَمَا أَنا لَك وَعرضت عَليّ وصالك وَمَا أُرِيد هلا قلت كَمَا قَالَ جميل:
يَا ربّ عارضةٍ علينا وَصلهَابالجدّ تخلطه بقول الهازل
فأجبتها بالرّفق بعد تستّرٍحبّي بثينة عَن وصالك شاغلي
لَو كَانَ فِي قلبِي كَقدْر قلامةٍوصلتك كتبي أَو أتتك رسائلي
وروى القالي فِي أَمَالِيهِ عَن الْعُتْبِي قَالَ: دخلت عزة على عبد الْملك بن مَرْوَان فَقَالَ لَهَا: أَنْت
وَقد زعمت أنّي تغيّرت بعْدهَاوَمن ذَا الَّذِي يَا عزّ لَا يتغيّر
قَالَت: لَا أروي هَذَا وَلَكِنِّي أروي قَوْله:
كأنّي أنادي صَخْرَة حِين أَعرَضتمن الصّمّ لَو تمشي بهَا العصم زلّت
صفوحاً فَمَا تلقاك إلاّ بخيلةًفَمن ملّ مِنْهَا ذَلِك الْوَصْل ملّت
وروى ابْن قُتَيْبَة فِي كتاب الشُّعَرَاء إِن عَائِشَة بنت طَلْحَة قَالَت لعزة: أَرَأَيْت قَول كثير:
قضى كلّ ذِي دينٍ فوفّى غَرِيمهوعزّة ممطولٌ معّنى غريمها
مَا كَانَ ذَلِك الدَّين قَالَت: وعدته قبْلَة فتحرجت مِنْهَا. فَقَالَت: اقضيها وَعلي إثمها.
قَالَ صَاحب الأغاني: كَانَ ابْن إِسْحَاق يَقُول: كثير أشعر أهل الْإِسْلَام وَكَانَت لَهُ منزلَة عِنْد قُرَيْش وَقدر وَكَانَ عبد الْملك معجباً بِشعرِهِ.
وَقَالَ الجُمَحِي: كَانَ لكثير فِي النسيب نصيب وافر وَجَمِيل مقدم عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَاب النسيب جَمِيعًا فِي النسيب وَكَانَ لَهُ من فنون الشّعْر مَا لَيْسَ لجميل وَكَانَ راوية جميل. وَإِنَّمَا صغر اسْمه لشدَّة قصره وحقارته.
وَقَالَ الوقاصي: رَأَيْت كثيرا يطوف بِالْبَيْتِ فَمن حَدثَك أَنه يزِيد على ثَلَاثَة أشبار فَلَا تصدقه وَكَانَ إِذا دخل على عبد الْملك أَو أَخِيه عبد الْعَزِيز يَقُول: طأطئ رَأسك لَا يُصِيبهُ السّقف)
قصير قميصٍ فاحشٌ عِنْد بَيتهيعضّ القراد باسته وَهُوَ قَائِم
وروى صَاحب الأغاني عَن طَلْحَة بن عبيد الله قَالَ: مَا رَأَيْت أَحمَق من كثير دخلت عَلَيْهِ يَوْمًا فِي نفر من قُرَيْش وَهُوَ مَرِيض وَكُنَّا كثيرا مَا نهزأ بِهِ وَكَانَ يتشيع تشيعاً قبيحاً فَقلت لَهُ: كَيفَ تجدك يَا أَبَا صَخْر قَالَ: أجدني ذَاهِبًا. قلت: كلا. قَالَ: فَهَل سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ فِي شَيْئا قلت: نعم يتحدثون بأنك الدَّجَّال. قَالَ: أما لَئِن قلت ذَاك فَإِنِّي لأجد فِي عَيْني هَذِه ضعفا مُنْذُ أَيَّام.
فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد بن عَليّ: تزْعم أَنَّك من شِيعَتِنَا وتمدح آل مَرْوَان قَالَ: إِنَّمَا أسخر مِنْهُم وأجعلهم حيات وعقارب وآخذ أَمْوَالهم.
وَكَانَت وَفَاته فِي خلَافَة يزِيد بن عبد الْملك بِالْمَدِينَةِ المنورة على ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام.
قَالَ جوَيْرِية بن أَسمَاء: مَاتَ كثير وَعِكْرِمَة مولى بن عَبَّاس فِي يَوْم وَاحِد فَقَالَ النَّاس: الْيَوْم مَاتَ أفقه النَّاس وأشعر النَّاس وَلم يتَخَلَّف رجل وَلَا امْرَأَة عَن
جنازتيهما وَذَلِكَ فِي سنة خمس أَو سبع وَمِائَة وغلبت النِّسَاء على جَنَازَة كثير يبكينه. وَيُقَال: أَنه لما حَضرته الْوَفَاة قَالَ:
بَرِئت إِلَى الْإِلَه من ابْن أروىوَمن دين الْخَوَارِج أجمعينا
وَمن عمرٍ بَرِئت وَمن عتيقٍغَدَاة دعِي أَمِير المؤمنينا
قَالَ ابْن السَّيِّد فِي شرح أَبْيَات الْجمل: هَذَا الشّعْر من حماقته ورفضه. وَابْن أروى هُوَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁.
وَقد أطنب الْأَصْبَهَانِيّ فِي الأغاني فِي تَرْجَمته.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع