تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة

فيه ١٠ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَأنْشد بعده الشَّاهِد الثَّالِث وَالتِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من شَوَاهِد س:

فَإِن لَا يكنها أَو تكنه فإنّهأَخُوهَا غذته أمّه بلبانها

لما تقدم قبله من وصل الضَّمِير الْمَنْصُوب بكان وَالْقِيَاس فَإِن لَا يكن إِيَّاهَا أَو تكن إِيَّاه.

وأنشده سِيبَوَيْهٍ فِي أَوَائِل كِتَابه فِي بَاب الْفِعْل الَّذِي يتَعَدَّى اسْم الْفَاعِل إِلَى اسْم الْمَفْعُول وَاسم الْفَاعِل وَالْمَفْعُول فِيهِ لشَيْء وَاحِد قَالَ فِيهِ: وَتقول: كُنَّا هم كَمَا تَقول: ضربناهم وَتقول إِذا لم نكنهم فَمن ذَا يكونهم كَمَا تَقول: إِذا لم نضربهم فَمن يَضْرِبهُمْ.

قَالَ أَبُو الْأسود الدؤَلِي: فإلاّ يكنها أَو تكنه فإنّه.............. الْبَيْت قَالَ الأعلم: أَرَادَ سِيبَوَيْهٍ أَن كَانَ لتصرفها تجْرِي مجْرى الْأَفْعَال الْحَقِيقَة فِي عَملهَا فيتصل بهَا ضمير خَبَرهَا اتِّصَال ضمير الْمَفْعُول بِالْفِعْلِ الْحَقِيقِيّ فِي نَحْو ضَربته وضربني وَمَا أشبهه. اه.

وَقبل هَذَا الْبَيْت:

دع الْخمر تشربها الغواة فإنّنيرَأَيْت أخاها مجزئاً لمكانها

قَالَ شرَّاح أَبْيَات سِيبَوَيْهٍ وشراح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: سَبَب هَذَا الشّعْر أَن مولى لأبي الْأسود الدؤَلِي كَانَ يحمل تِجَارَة إِلَى الأهواز وَكَانَ إِذا مضى إِلَيْهَا تنَاول شَيْئا من الشَّرَاب فاضطرب أَمر البضاعة فَقَالَ أَبُو الْأسود هَذَا الشّعْر ينهاه عَن شرب الْخمر. فاسم يكنها ضمير الْأَخ وَهَا)

ضمير الْخمر وَهُوَ خبر يكن

وَاسم تكنه ضمير الْخمر وَالْهَاء ضمير الْأَخ وَهُوَ خبر تكن.

وَأَرَادَ بأخي الْخمر الزَّبِيب.

يَقُول: دع الْخمر وَلَا تشربها فَإِنِّي رَأَيْت الزَّبِيب الَّذِي هُوَ أَخُوهَا وَمن شجرتها مغنياً لمكانها وَقَائِمًا مقَامهَا فإلا يكن الزَّبِيب الْخمر أَو تكن الْخمر الزَّبِيب فَإِن الزَّبِيب أَخُو الْخمر غذته أمه بلبانها يَعْنِي أَن الزَّبِيب شرب من عروق الكرمة كَمَا شرب الْعِنَب الَّذِي عصر خمرًا.

وَلَيْسَ ثمَّة لبان وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِعَارَة. كَذَا قَالَ جمَاعَة مِنْهُم الجواليقي قَالَ فِي شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب: نَهَاهُ عَن شرب الْخمر وَقَالَ لَهُ: إِن الزَّبِيب يقوم مقَامهَا. فَإِن لم تكن الْخمر نَفسهَا من الزَّبِيب فَهِيَ أُخْته اغتذتا من شَجَرَة وَاحِدَة.

وَمِنْهُم ابْن الأنبار فِي مسَائِل الْخلاف قَالَ: أَرَادَ بقوله أخاها الزَّبِيب وَجعله أَخا الْخمر لِأَنَّهُمَا من شَجَرَة وَاحِدَة.

وَمِنْهُم ابْن هِشَام فِي شرح شواهده قَالَ: زعم مولى أبي الْأسود أَنه يشرب الْخمر لحرارتها فَأمره بِأَكْل الزَّبِيب فَإِنَّهُ أَخُوهَا أَي: ارتضع مَعهَا من ثدي وَاحِد أَي: إِنَّه شرب من عروق الكرمة كَمَا شرب الْعِنَب الَّذِي هُوَ أَصْلهَا.

وَقَالَ جمَاعَة: أَرَادَ بأخي الْخمر نَبِيذ الزَّبِيب مِنْهُم الأعلم قَالَ: وصف نَبِيذ الزَّبِيب وَأطْلقهُ على مَذْهَب الْعِرَاقِيّين فِي الأنبذة وحث على شربه وَترك الْخمر بِعَينهَا للْإِجْمَاع على تَحْرِيمهَا. وَجعل الزَّبِيب أصلا للخمر لِأَن أَصلهمَا الكرمة واستعار اللبان لما ذكره من الْأُخوة.

وَمِنْهُم ابْن السَّيِّد ف شرح أَبْيَات أدب الْكَاتِب قَالَ: يَعْنِي بأخيها نَبِيذ الزَّبِيب. يَقُول: إِن لم يكن الزَّبِيب الْخمر أَو تكن الْخمر الزَّبِيب فَإِنَّهُمَا أَخَوان غذيا بِلَبن وَاحِد يَنُوب أَحدهمَا مناب الآخر.

وَمِنْهُم صَاحب فرائد القلائد. قَالَ: إِن أخاها نَبِيذ الزَّبِيب يُرِيد بِهِ المَاء الَّذِي نبذ بزبيب ليصير حلواً من غير أَن تشوبه حُرْمَة فَإِنَّهُ أَخُوهَا إِلَّا أَنه حَلَال وَهِي حرَام.

وَقد أنْشدهُ الزّجاج فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: يَسْأَلُونَك عَن الْخمر وَالْميسر قَالَ: الْخمر الْمجمع عَلَيْهِ وَقِيَاس كل مَا عمل عَملهَا أَن يُقَال لَهُ خمر وَأَن يكون فِي التَّحْرِيم بمنزلتها لِأَن إِجْمَاع الْعلمَاء أَن الْقمَار كُله حرَام وَإِنَّمَا ذكر الميسر من بَينه. وَجعل كُله حَرَامًا قِيَاسا على الميسر وَالْميسر إِنَّمَا كَانَ قماراً فِي الجزر خَاصَّة.)

فَكَذَلِك كل مَا كَانَ كَالْخمرِ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ وَتَأْويل الْخمر فِي اللُّغَة أَنه مَا ستر على الْعقل يُقَال: لكل مَا ستر الْإِنْسَان من شجر وَغَيره خمر بِالتَّحْرِيكِ. وَمَا ستره من شجر خَاصَّة ضراً مَقْصُور.

يُقَال: دخل فِي خمار النَّاس أَي: فِي الْكثير الَّذِي يسْتَتر فيهم. وخمار الْمَرْأَة قناعها وَإِنَّمَا قيل لَهُ خمار لِأَنَّهُ يغطيها. والخمرة بِالضَّمِّ: الَّتِي يسْجد عَلَيْهَا إِنَّمَا سميت بذلك لِأَنَّهَا تستر الْوَجْه عَن الأَرْض.

وَقيل للعجين: قد اختمر لِأَن فطورته قد غطاها الْخمر أَعنِي الاختمار. يُقَال: قد أخمرت الْعَجِين وخمرته وفطرته فَهَذَا كُله يدل على أَن كل مُسكر خمر وكل مُسكر مخالط الْعقل ومغط عَلَيْهِ. وَلَيْسَ يَقُول أحد للشار إِلَّا مخمور من كل مُسكر وَبِه خمار. فَهَذَا بَين وَاضح.

وَقد لبس على أبي الْأسود الدؤَلِي فَقيل لَهُ: إِن هَذَا الْمُسكر الَّذِي سموهُ بِغَيْر الْخمر حَلَال فَظن أَن ذَلِك كَمَا قيل ثمَّ رده طبعه إِلَى أَن حكم بِأَنَّهُمَا وَاحِد فَقَالَ: دع الْخمر يشْربهَا الغواة................. الْبَيْتَيْنِ وَمَا ذكره خلاف الْمَعْنى الَّذِي ذكره الْجَمَاعَة. وَقد وَافقه فِي هَذَا الْمَعْنى أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن السَّعْدِيّ الأندلسي وَتُوفِّي بِمصْر فِي سنة خمس وَخمسين وَخَمْسمِائة

فِي كتاب مساوي الْخمْرَة وَهُوَ كتاب ضخم وَهُوَ عِنْدِي فِي جلدين قَالَ فِيهِ: وَقد حرم الْخمر والقمار والزنى على نَفسه فِي الْجَاهِلِيَّة عفيف بن معد يكرب الْكِنْدِيّ بقوله:

وَقَالَت لي: هلمّ إِلَى التّصابيفَقلت عففت عمّا تعلمينا
وودّعت القداح وَقد أَرَانِيلَهَا فِي الدّهر مشغوفاً رهينا
وحرّمت الْخُمُور عليّ حتّىأكون بقعر ملحودٍ رهينا

أَنْت ترى كَيفَ تفهم مَا فِي الْقمَار من الْمُشَاركَة للزنى وَالْخمر فِي سوء الذّكر. وَلَا ننس قَوْله: وَحرمت الْخمر فَأتى بهَا بِلَفْظ الْجمع إِشَارَة إِلَى اخْتِلَاف أجناسها كَالْخمرِ المتخذة من مَاء الْعِنَب ونبيذ الزَّبِيب وَالتَّمْر وَالشعِير وَالْحِنْطَة وَالْعَسَل وأمثال هَذِه إِذْ الْكل خمرو مُخْتَلفَة الألوان والطعوم والأمزجة.

وَقد قَالَ ابْن شبْرمَة منبهاً على اشْتِرَاك هَذِه كلهَا فِي الْمَعْنى:

يَا أخلاّء إنّما الْخمر ذيبوَأَبُو جعدة الطّلاء الْمُرِيب
ونبيذ الزّبيب مَا اشتدّ مِنْهُفَهُوَ للخمر والطّلاء نسيب
للشاعر عبد الله بن شبرمة الضبي، اقرأ القصيدة

)

وَقَالَ عبيد بن الأبرص:

وَقَالُوا هِيَ الْخمر تكنى الطّلاءكَمَا الذّئب يكنى أَبَا جعدة

وَقد قَالَ أَبُو الْأسود الدئلي: دع الْخمر يشْربهَا الغواة................... الْبَيْت

فَقيل لَهُ: فنبيذ الزَّبِيب فَقَالَ:

فإلاّ يكنها أَو تكنه فإنّهأَخُوهَا غذته أمّه بلبانها

اه.

وَقَوله: دع الْخمر أَي: اترك. والغواة: جمع غاو وَهُوَ الضال. وَقَوله: مجزئاً قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي وَقَوله: فإلا يكنها الخ الْفَاء للتفريع وَالتَّفْسِير وَإِن شَرْطِيَّة وَلَا نَافِيَة وتكنه مَعْطُوف على تكنها فَهُوَ منفي أَيْضا وَجُمْلَة: فَإِنَّهُ أَخُوهَا جَوَاب الشَّرْط وَجُمْلَة: غذته أمه الخ لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب لِأَنَّهَا مفسرة للأخوة كَقَوْلِه تَعَالَى: إنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمثل آدمَ خَلَقه مِنْ تُراب وَقَالَ الْعَيْنِيّ: هِيَ خبر بعد خبر وَيجوز أَن تكون حَالا من الْهَاء فِي أَخُوهَا وَالْعَامِل فِيهَا إِن.

هَذَا كَلَامه.

واللبان بِكَسْر اللَّام قَالَ الأعلم: هُوَ للآدميين وَاللَّبن لغَيرهم وَقد يكون جمع لبن فِي هَذَا الْموضع. اه.

قَالَ ابْن السّكيت: يُقَال هُوَ أَخُوهُ بلبان أمه وَلَا يُقَال: بِلَبن أمه إِنَّمَا اللَّبن الَّذِي يشرب.

قَالَ الْكُمَيْت يمدح مخلد بن يزِيد:

ترى النّدى ومخلداً حليفينكَانَا مَعًا فِي مهده رضيعين

تنَازعا فِيهِ لبان الثّديين وَقَالَ الحريري فِي درة الغواص: اللبان: مصدر لِابْنِهِ. قَالَ ابْن بري فِي حَاشِيَته عَلَيْهِ: اللبان مصدر لِابْنِهِ أَي: شَاركهُ فِي اللَّبن لَيْسَ بِإِجْمَاع بل الْأَكْثَر على جَوَاز غير ذَلِك.

قَالَ بَعضهم: اللبان بِمَعْنى اللَّبن إِلَّا أَنه مَخْصُوص بالآدمي وَأما اللَّبن فعام فِي الْآدَمِيّ وَغَيره.

وَقَالَ آخَرُونَ: اللبان جمع لبن. فمما جَاءَ فِيهِ اللبان للمشاركة فِي اللَّبن قَوْلهم: هُوَ أَخُوهُ بلبان أمه. كَذَا فسره يَعْقُوب أَي: هُوَ أَخُوهُ لمشاركته فِي الرَّضَاع. وَعَلِيهِ قَول الْكُمَيْت الْمَذْكُور.

وَقَالَ أَبُو سهل الْهَرَوِيّ: لبان هُنَا جمع لبن وعَلى قَول غَيره هُوَ لُغَة فِي اللَّبن. وَكَذَلِكَ بَيت أبي)

الْأسود الدؤَلِي. اه كَلَامه.

وترجمة أبي الْأسود قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الْأَرْبَعين.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»