من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد التَّاسِع وَالتِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة
هَل تبلّغنّي دارها شدنيّةٌلعنت بمحروم الشّراب مصرّم
على أَن النُّون الأولى فِي تبلغني نون التوكيد الْخَفِيفَة وَالنُّون الثَّانِيَة نون الْوِقَايَة.
وَهَذَا الْبَيْت من معلقَة عنترة بن شَدَّاد الْعَبْسِي. وَقَبله:
تمسي وتصبح فَوق ظهر حشيّةٍوأبيت فَوق سراة أدهم ملجم
وحشيّتي سرجٌ على عبل الشّوىنهدٍ مراكله نبيل المحزم
هَل تبلغنّي دارها شدنيّةٌ................
الْبَيْت قَوْله: تمسي وتصبح الضَّمِير الْمُؤَنَّث لحبيبته وَهِي عبلة. والحشية: الْفراش المحشو. والسراة بِفَتْح السِّين: أَعلَى كل شَيْء وَأَرَادَ بِهِ هُنَا ظهر فرسه. يَقُول: تمسي وتصبح فَوق فرَاش وطيء وأبيت أَنا فَوق ظهر فرس أدهم ملجم. يَعْنِي أَنَّهَا تتنعم وَأَنا أقاسي شَدَائِد الْأَسْفَار والحروب.
وَقَوله: وحشيتي سرج مُبْتَدأ وَخبر. يُرِيد أَن مستوطئ بسرج الْفرس كَمَا يستوطئ غَيره الحشية والاضطجاع عَلَيْهَا. ثمَّ وصف الْفرس بأوصاف محمودة وَهِي غلظ القوائم وانتفاخ الجنبين وسمنها والعبل بِالْفَتْح: الغليظ. والشوى بِالْفَتْح: القوائم جمع شواة أَي: على فرس غليظ القوائم وَالْعِظَام كثير العصب.
والنهد بِفَتْح النُّون: الضخم المشرف. والمراكل جمع مركل كجعفر وَهُوَ الْموضع الَّذِي يُصِيب رجل الْفَارِس من الجنبين إِذا اسْتَوَى على السرج. والنبيل: الْعَظِيم. والمحزم: مَوضِع الحزام.
وَقَوله: هَل تبلغني الخ استبعد الْوُصُول إِلَيْهَا لشدَّة بعْدهَا فاستفهم عَنهُ. وأبلغه الْمنزل إِذا أوصله إِلَيْهِ. ودارها أَي: دَار عبلة. وشدنية: نَاقَة منسوبة إِلَى شدن بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ حَيّ بِالْيمن وَقيل: أَرض فِيهِ.
وَقَوله: لعنت بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول قَالَ التبريزي فِي شرح الْمُعَلقَة: دَعَا عَلَيْهَا بِانْقِطَاع لَبنهَا أَي: بِأَن يحرم ضرْعهَا اللَّبن فَيكون أقوى لَهَا وأسمن وأصبر على معاناة شَدَائِد الْأَسْفَار لِأَن كَثْرَة الْحمل وَقَوله: بمحروم الشَّرَاب أَي: بضرع مَمْنُوع شرابه. وأصل حرم منع. وَقيل: بمحروم الشَّرَاب أَي: فِي محروم الشَّرَاب. وَقَالَ خَالِد بن كُلْثُوم: لعنت:
نحيت عَن الْإِبِل لما علم أَنَّهَا معقومة فَجعلت للرُّكُوب الَّذِي لَا يصلح لَهُ إِلَّا مثلهَا. والمصرم: الَّذِي أصَاب أخلافه شَيْء فَقَطعه من صرار أَو)
غَيره.
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر: المصرم: الَّذِي يلوى رَأس خَلفه حَتَّى يَنْقَطِع لبنه. وَهُوَ هُنَا مثل لاكي يُرِيد: أَنَّهَا معقومة وَلَا لبن لَهَا. انْتهى.
وَقَالَ الأعلم فِي: شرح الْأَشْعَار السِّتَّة: قَوْله لعنت أَي: سبت بضرعها كَمَا يُقَال: لَعنه الله مَا أدهاه وَمَا أشعره. وَإِنَّمَا يُرِيد أَن ضرْعهَا قد حرم اللَّبن فَذَلِك أوفر لقوتها وأصلب لَهَا فتلعن ويدعى عَلَيْهَا على طَرِيق التَّعَجُّب من قوتها. والمصرم: الْمَقْطُوع اللَّبن.
وَقيل معنى لعنت أَنه دَعَا عَلَيْهَا بِأَن ضرْعهَا يكون مَقْطُوع اللَّبن إِذْ كَانَ أقوى لَهَا. وَالْمعْنَى الأول أحسن وأبلغ. انْتهى.
وَقَوله: خطارة غب الخ هُوَ صفة لشدنية. والخطارة: الَّتِي تخطر بذنبها يمنةً ويسرة لنشاطها.
والسرى: سير اللَّيْل وغب الشَّيْء: بعده. يَقُول: هِيَ خطارة بعد السرى فَكيف بهَا إِذا لم تسر والزيافة: الَّتِي تزيف فِي سَيرهَا كَمَا تزيف الْحَمَامَة تسرع.
وَقَوله: تقص الإكام أَي: تكسرها بأخفافها لشدَّة وَطئهَا وَسُرْعَة سَيرهَا. يُقَال: وقص يقص بِالْقَافِ وَالصَّاد الْمُهْملَة. ويروى: تطس بِمَعْنَاهُ. يُقَال: وطس يطس إِذا كسر. والإكام بِالْكَسْرِ: جمع أكم بِفتْحَتَيْنِ كجبال جمع جبل وَهُوَ مَا ارْتَفع من الأَرْض.
والميثم: الشَّديد الْوَطْء. يُقَال: وَثمّ الأَرْض يثمها بِالْمُثَلثَةِ إِذا وَطئهَا وطئا. وَقَوله: بِذَات خف أَي: بقوائم ذَات أَخْفَاف.
وَقد تقدم فِي الشَّاهِد الثَّانِي عشر من أَوَائِل الْكتاب شرح أَبْيَات من هَذِه القصيدة مَعَ تَرْجَمَة عنترة.
وَأنْشد بعده
الشَّاهِد الموفي الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
ترَاهُ كالثّغام يعلّ مسكاًيسوء الفاليات إِذا فليني
على أَنه قد جَاءَ حذف نون الْوِقَايَة مَعَ نون الضَّمِير للضَّرُورَة كَمَا هُنَا. وَالْأَصْل: إِذا فلينني بنونين.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَإِذا كَانَ فعل الْجَمِيع مَرْفُوعا ثمَّ أدخلت فِيهِ النُّون الْخَفِيفَة أَو الثَّقِيلَة حذفت نون وَتقول: هَل تفعلن ذَاك بِحَذْف نون الرّفْع لِأَنَّك ضاعفت النُّون وهم يستثقلون التَّضْعِيف فحذفوها إِذْ كَانَت تحذف وهم فِي هَذَا الْموضع أَشد استثقالاً للنونات وَقد حذفوها فِيمَا هُوَ أَشد من ذَا بلغنَا أَن بعض الْقُرَّاء قَالَ: تحاجوني وَكَانَ يقْرَأ: فَبِمَ تبشروني خَفِيف وَهِي قِرَاءَة أهل الْمَدِينَة وَذَلِكَ لأَنهم استثقلوا التَّضْعِيف.
قَالَ عَمْرو بن معد يكرب:
ترَاهُ كالثّغام يعلّ مسكاًيسوء الفاليات إِذا فليني
يُرِيد: إِذا فلينني. انْتهى.
قَالَ الأعلم: الشَّاهِد فِي حذف النُّون فِي قَوْله فليني كَرَاهَة لِاجْتِمَاع النونين وحذفت نون الْيَاء دون جمَاعَة النسْوَة لِأَنَّهَا زَائِدَة لغير معنى. انْتهى.
وَهَذَا مُوَافق لما قَالَه الشَّارِح.
وَأخذ ابْن مَالك بِظَاهِر كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِي التسهيل أَن الْمَحْذُوف هُنَا نون النسْوَة وَقَالَ: هُوَ مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ.
وَوَجهه فِي شَرحه بِأَنَّهُم حَافظُوا على بَقَاء نون الْوِقَايَة مُطلقًا لما كَانَ للْفِعْل بهَا صون ووقاية.
وَالْبَيْت من أَبْيَات ثَمَانِيَة لعَمْرو بن معد يكرب قَالَهَا فِي امْرَأَة لِأَبِيهِ تزَوجهَا بعده فِي الْجَاهِلِيَّة.
تَقول حليلتي لما قلتنيشرائج بَين كدريٍّ وجون
ترَاهُ كالثّغام يعلّ مسكاًيسوء الفاليات إِذا فليني
فزينك فِي شريطك أمّ عَمْرووسابغةٌ وَذُو النّونين زيني
فَلَو شمّرن ثمّ عدون رهواًبكلّ مدجّجٍ لعرفت لوني
إِذا مَا قلت إنّ عليّ دينابطعنة فارسٍ قضّيت ديني
)
لقعقعة اللّجام بِرَأْس طرفٍأحبّ إليّ من أَن تنكحيني
أَخَاف إِذا هبطن بِنَا خباراًوجدّ الرّكض أَن لَا تحمليني
فلولا إخوتي وبنيّ مِنْهَامَلَأت لَهَا بِذِي شطبٍ يَمِيني
الحليلة: الزَّوْجَة. وقلتني من القلى وَهُوَ البغض. وشرائج خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي: شعرك شرائج. وَالْجُمْلَة مقول القَوْل. وشرائج: جمع شريج بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَآخره جِيم: الضَّرْب وَالنَّوْع.
قَالَ ابْن دُرَيْد فِي الجمهرة: كل لونين مُخْتَلفين هما شريجان. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.
وَقَوله: بَين كدري وجون أَي: بعض الشرائج كدري أَي: أغبر وَبَعضهَا جون. والكدري: مَنْسُوب إِلَى الكدرة. وجون بِضَم الْجِيم: جمع جونة وَهُوَ مصدر الجون بِالْفَتْح وَهُوَ من وَقَوله: ترَاهُ كالثغام الخ الضَّمِير الْمُسْتَتر للحليلة وَالضَّمِير البارز الْمَنْصُوب لشعر الرَّأْس الْمَفْهُوم مِمَّا قبله.
وَرَوَاهُ الْفراء وَابْن دُرَيْد: رَأَتْهُ بالماضي وَهُوَ من رُؤْيَة الْعين. وكالثغام حَال من الْهَاء وَكَذَلِكَ قَوْله يعل. والثغام بِفَتْح الْمُثَلَّثَة والغين الْمُعْجَمَة قَالَ الأعلم: هُوَ نبت لَهُ نور أَبيض يشبه بِهِ الشيب.
وَقَالَ صَاحب الصِّحَاح: هُوَ نبت يكون فِي الْجَبَل يبيض إِذا يبس يُقَال لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ: درمنه إسبيذ يشبه بِهِ الشيب الْوَاحِدَة ثغامة. وعللته مَاء عللاً من بَاب طلب: سقيته السقية الثَّانِيَة. وعل هُوَ يعل من بَاب ضرب إِذا شرب.
قَالَ الأعلم: وَمعنى يعل يطيب شَيْئا بعد شَيْء. وأصل الْعِلَل الشّرْب بعد الشّرْب. وَهَذَا غير مُنَاسِب فَإِنَّهُ هُنَا مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين: أَحدهمَا: نَائِب الْفَاعِل وَهُوَ الضَّمِير الْمُسْتَتر الْعَائِد إِلَى مَا عَاد إِلَيْهِ الْهَاء من ترَاهُ وَالثَّانِي مسكاً.
وَقَوله: يسوء الفاليات فَاعله ضمير الشّعْر والفاليات مَفْعُوله وَهُوَ اسْتِئْنَاف وَهُوَ دَلِيل جَوَاب إِذا. والفالية هِيَ الَّتِي تفلي الشّعْر أَي: تخرج الْقمل مِنْهُ.
وَقَوله: فزينك فِي شريطك الخ هَذَا خطاب لَهَا. وَأم عَمْرو: منادى.
والزين: نقيض الشين مصدر زانه بِمَعْنى زينه إِذا جعل لَهُ زِينَة. والشريط قَالَ جَامع ديوانه: هُوَ العيبة الصَّغِيرَة.
والعيبة بِالْفَتْح مَا تجْعَل فِيهِ الثِّيَاب.)
وَقَوله: وسابغة خبر مقدم. وزيني مُبْتَدأ مُؤخر. والسابغة: الدرْع الواسعة الطَّوِيلَة. وَذُو النونين: السَّيْف وَالنُّون شفرته.
وَقَوله: فَلَو شمرن ثمَّ عدون الخ يَعْنِي النِّسَاء الفاليات. وشمر إزَاره تشميراً: رَفعه. والرهو: السّير السهل مصدر رها يرهو فِي السّير أَي: رفق. والمدجج بجيمين على صِيغَة اسْم الْمَفْعُول هُوَ اللابس آلَة الْحَرْب وَالسِّلَاح.
وَقَوله: إِذا مَا قلت الخ هُوَ بِضَم التَّاء فِي الْمَوْضِعَيْنِ والطرف بِالْكَسْرِ: الْفرس الْجواد. والخبار بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة بعْدهَا مُوَحدَة: الأَرْض الرخوة. وَذُو شطب هُوَ السَّيْف. وشطب السَّيْف: طرائقه الَّتِي فِي مَتنه الْوَاحِدَة شطبة.
وترجمة عَمْرو بن معد يكرب تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع وَالْخمسين بعد الْمِائَة. وَهُوَ من الصَّحَابَة ﵃.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع