من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد السَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
الشَّاهِد السَّابِع وَالتِّسْعُونَ بعد الثلاثمائة وَهُوَ من شَوَاهِد سِيبَوَيْهٍ:
ولي نفسٌ أَقُول لَهَا إِذا مَاتنازعني لعلّي أَو عساني
على أَن سِيبَوَيْهٍ اسْتدلَّ على كَون الضَّمِير وَهُوَ الْيَاء مَنْصُوبًا بلحوق نون الْوِقَايَة فِي عساني.
قد تقدم نَص سِيبَوَيْهٍ قبل هَذَا ببيتين.
قَالَ النّحاس: قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي قولهك عساك: الْكَاف مَنْصُوبَة. وَاسْتدلَّ على ذَلِك بقَوْلهمْ: عساني وَلَو كَانَت الْكَاف مجرورة لقَالَ عساي. قَالَ: وَلَكنهُمْ جعلوها بِمَنْزِلَة لَعَلَّ فِي هَذَا الْموضع.
قَالَ: فهذان الحرفان لَهما فِي الْإِضْمَار هَذَا الْحَال كَمَا كَانَ ل لدن مَعَ غدْوَة حَال لَيست مَعَ غَيرهَا. قَالَ مُحَمَّد بن يزِيد الْمبرد: هَذَا غلط مِنْهُ يَعْنِي جعله عَسى بِمَنْزِلَة لَعَلَّ. قَالَ: لِأَن أَفعَال الرَّجَاء لَا تعْمل فِي الْمُضمر إِلَّا كَمَا تعْمل فِي الْمظهر. قَالَ: تَقْدِيره عندنَا أَن الْمَفْعُول مقدم وَالْفَاعِل مُضْمر كَأَنَّهُ قَالَ عساك الْخَيْر وَالشَّر.
وَأَرَادَ الْمبرد أَن عَسى ككان لِأَنَّهُمَا فعلان. وَذهب أَبُو إِسْحَاق إِلَى صِحَة قَول سِيبَوَيْهٍ وَاحْتج لَهُ بِأَن عَسى لَيْسَ بِفعل حَقِيقِيّ بل هُوَ شيبَة بلعل. وَوجدت بخطي عَن أبي إِسْحَاق: يجوز أَن يكون الضَّمِير فِي مَوضِع نصب بعسى فِي عساك وَالْمَرْفُوع مَحْذُوف أَي: عَسى الْأَمر إياك.
وَلَيْسَ هَذَا بناقض لما أَخَذته عَنهُ لِأَنَّهُ قَالَ: يجوز. فَذَاك عِنْده الأَصْل وَأَجَازَ قَول الْمبرد.
انْتهى.
وَزعم الْأَخْفَش تبعا ليونس أَن عَسى بَاقِيَة على عَملهَا عمل كَانَ وَلَكِن استعير ضمير النصب مَكَان ضمير الرّفْع.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: وَيَردهُ أَمْرَانِ: أَحدهمَا: أَن إنابة ضمير عَن ضمير إِنَّمَا ثَبت فِي الْمُنْفَصِل نَحْو مَا أَنا كَأَنْت لَا أَنْت كأنا.
وَالثَّانِي: أَن الْخَبَر قد ظهر مَرْفُوعا فِي قَوْله: انْتهى.
وَهَذَا الْبَيْت لعمران بن حطَّان الْخَارِجِي. وَقَبله:
وَمن يقْصد لأهل الحقّ مِنْهُمفإنّي أتّقيه كَمَا اتّقاني
)
عليّ بِذَاكَ أَن أحميه حقّاًوأرعاه بِذَاكَ كَمَا رعاني
يُقَال: قصدته وقصدت إِلَيْهِ. وَضمير مِنْهُم للخوارج. وَمن للْبَيَان. جعل الْخَوَارِج بِزَعْمِهِ أهل حق. أَي: من قصد لأهل الْحق من الْخَوَارِج بمكروه فَإِنِّي أدافعه وأحاربه واتقيه كَمَا يتقيني.
وَقَوله: ولي نفس تنازعني الخ يَقُول: إِذا نازعتني نَفسِي فيحملها على مَا هُوَ أصلح لَهَا أَقُول لَهَا: طاوعيني لَعَلَّ أجد المُرَاد وَالظفر أَو قلت لَهَا لعَلي أفعل هَذَا الَّذِي تَدعُونِي إِلَيْهِ. فَإِذا قلت لَهَا هَذَا القَوْل طاوعتني.
وَعمْرَان بن حطَّان هُوَ على مَا فِي الجمهرة: عمرَان بن حطَّان بن ظبْيَان ابْن شعل بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث بن سدوس بن شَيبَان بن ذهل بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل السدُوسِي الْبَصْرِيّ التَّابِعِيّ الْمَشْهُور أحد رُؤُوس الْخَوَارِج من القعدية بِفتْحَتَيْنِ وهم الَّذِي يرَوْنَ الْخُرُوج ويحسنونه لغَيرهم وَلَا يباشرون بِأَنْفسِهِم الْقِتَال. وَقيل: القعدية لَا يرَوْنَ الْحَرْب وَإِن كَانُوا يزينونه.
وَفِي الأغاني إِنَّمَا صَار حطَّان من الْقعدَة لِأَن عمره طَال وَكبر وَعجز عَن الْحَرْب وحضورها فاقتصر على الدعْوَة والتحريض بِلِسَانِهِ. وَكَانَ أَولا مشمراً لطلب الْعلم والْحَدِيث ثمَّ بلي بذلك الْمَذْهَب فضل وَهلك لَعنه الله. وَقد أدْرك صَدرا من الصَّحَابَة وروى عَنْهُم وروى عَنهُ أَصْحَاب الحَدِيث.
قَالَ ابْن حجر فِي الْإِصَابَة: وَقد أخرج لَهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَاعْتذر عَنهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا خرج عَنهُ مَا حدث بِهِ قبل أَن يبتدع. وَاعْتذر أَبُو دَاوُد عَن التَّخْرِيج بِأَن الْخَوَارِج أصح أهل الْأَهْوَاء حَدِيثا عَن قَتَادَة.
وَكَانَ عمرَان لَا يتهم فِي الحَدِيث. وَكَانَ سَبَب ابتلائه أَنه تزوج امْرَأَة مِنْهُم فكلموه
فِيهَا فَقَالَ: سأردها عَن مذهبها. فأضلته.
وَفِي الْإِصَابَة أَنَّهَا كَانَت بنت عَمه بلغه أَنَّهَا دخلت فِي رَأْي الْخَوَارِج فَأَرَادَ أَن يردهَا عَن ذَلِك فَصَرَفته إِلَى مذهبها.
وَذكر الْمَدَائِنِي أَنَّهَا كَانَت ذَات جمال وَكَانَ دميماً قبيحاً فَقَالَت لَهُ مرّة: أَنا وَأَنت فِي الْجنَّة.
قَالَ: من أَيْن علمت ذَلِك. قَالَت: لِأَنَّك أَعْطَيْت مثلي فَشَكَرت وابتليت بمثلك فَصَبَرت.
والشاكر والصابر فِي الْجنَّة.)
وَمن شعره فِي مدح عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي قبحهما الله تَعَالَى قَاتل أَمِير الْمُؤمنِينَ وقائد الغر المحجلين زوج البتول وصهر الرَّسُول ﵁:
لله درّ المراديّ الَّذِي سفكتكفّاه مهجة شرّ الْخلق إنْسَانا
أَمْسَى عشيّة غشّاه بضربتهمعطىً مناه من الآثام عُريَانا
يَا ضَرْبَة من تقيّ مَا أَرَادَ بهَاإلاّ ليبلغ من ذِي الْعَرْش رضوانا
إنّي لأذكره حينا فأحسبهأوفى البريّة عِنْد الله ميزانا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم: إنّ ابْن ملجم عِنْد الْخَوَارِج النصرية أفضل أهل الأَرْض لِأَنَّهُ خلص روح اللاهوت من ظلمَة الْجَسَد وكدره وَعند الشِّيعَة أَنه أَشْقَى الْخلق فِي الْآخِرَة. انْتهى.
وَقد أَجَابَهُ من القدماء بكر بن حَمَّاد التاهرتي من أهل القيروان وأجابه عَنْهَا السَّيِّد الْحِمْيَرِي الشيعي وَهِي:
قل لِابْنِ ملجم والأقدار غالبةٌهدمت وَيلك لِلْإِسْلَامِ أركانا
قتلت أفضل من يمشي على قدمٍوأوّل النّاس إسلاماً وإيمانا
وَأعلم النّاس بِالْإِيمَان ثمّ بِمَاسنّ الرّسول لنا شرعا وتبيانا
صهر الرّسول ومولاه وناصرهأضحت مناقبه نورا وبرهانا
وَكَانَ فِي الْحَرْب سَيْفا مَاضِيا ذكراليثاً إِذا لقى الأقران أقرانا
ذكرت قَاتله والدّمع منحدرٌفَقلت سُبْحَانَ ربّ الْعَرْش سبحانا
إنّي لأحسبه مَا كَانَ من بشريخْشَى الْمعَاد وَلَكِن كَانَ شَيْطَانا
أَشْقَى مرادٍ إِذا عدّت قبائلهاوأخسر النّاس عِنْد الله ميزانا
كعاقر النّاقة الأولى الَّتِي جلبتعلى ثمودٍ بِأَرْض الْحجر خسرانا
قد كَانَ يُخْبِرهُمْ أَن سَوف يخضبهاقبل المنيّة أزماناً وأزمانا
فَلَا عَفا الله عَنهُ مَا تحمّلهوَلَا سقى قبر عمرَان بن حطّانا
لقَوْله فِي شقيّ ظلّ مجترماًونال مَا ناله ظلما وعدوانا
يَا ضَرْبَة من تقيّ مَا أَرَادَ بهَاإلاّ ليبلغ من ذِي الْعَرْش رضوانا
بل ضربةٌ من غويّ أوردته لظىفَسَوف يلقى بهَا الرّحمن غضبانا
كأنّه لم يرد قصدا بضربتهإلاّ ليصلى عَذَاب الْخلد نيرانا
)
قَالَ ابْن السُّبْكِيّ فِي طَبَقَات الشَّافِعِيَّة: لقد أحسن وأجاد بكر بن حَمَّاد فِي معارضته فَرضِي لاله عَنهُ وأرضاه وأخزى الله عمرَان بن حطَّان وقبحه ولعنه مَا أجرأه على الله قَالَ: وَقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب الطَّبَرِيّ:
إنّي لأذكره يَوْمًا فألعنهدينا وألعن عمرَان بن حطّانا
عَلَيْك ثمّ عَلَيْهِ من جماعتنالعائنٌ كثرت سرّاً وإعلانا
فأنتما من كلاب النّار جَاءَ بِهِنصّ الشّريعة إعلاناً وتبيانا
وَقد أجَاب أَيْضا الإِمَام طَاهِر بن مُحَمَّد الأسفرائني فِي كتاب الْملَل والنحل الْمُسَمّى
بالتبصير فِي الدَّين:
كذبت وأيم الَّذِي حجّ الحجيج لَهُوَقد ركبت ضلالا مِنْك بهتانا
لتلقينّ بهَا نَارا مؤجّجةيَوْم الْقِيَامَة لَا زلفى ورضوانا
تبّت يَدَاهُ لقد خابت وَقد خسرتوَصَارَ أبخس من فِي الْحَشْر ميزانا
هَذَا جوابي فِي ذَا النّذل مرتجلاًأَرْجُو بِذَاكَ من الرّحمن غفرانا
وَنقل الإِمَام الباقلاني أَن السَّيِّد الْحِمْيَرِي نقضهَا عَلَيْهِ بقوله:
لَا درّ المراديّ الَّذِي سفكتكفّاه مهجة خير الْخلق إنْسَانا
أصبح ممّا تعاطاه بضربتهممّا عَلَيْهِ ذَوُو الْإِسْلَام عُريَانا
أبكى السّماء لبابٍ كَانَ يعمرهمِنْهَا وحنّت عَلَيْهِ الأَرْض تحتانا
طوراً أَقُول ابْن ملعونين ملتقطٌمن نسل إِبْلِيس لَا بل كَانَ شَيْطَانا
عبدٌ تحمّل إثماّ لَو تحمّلهثهلان طرفَة عينٍ هدّ ثهلانا
انْتهى مَا أوردهُ ابْن السُّبْكِيّ.
وَنقل الذَّهَبِيّ فِي تَارِيخ الْإِسْلَام أَن شعر عمرَان بن حطَّان الْمَذْكُور لما بلغ عبد الْملك بن مَرْوَان أَدْرَكته الحمية وَنذر دَمه وَوضع عَلَيْهِ الْعُيُون واجتهد الْحجَّاج فِي أَخذه وَقيل: لما اشْتهر بمذهبه أَرَادَهُ الْحجَّاج ليَقْتُلهُ فهرب فَلم يزل ينْتَقل من حَيّ إِلَى حَيّ إِلَى أَن مَاتَ فِي تواريه فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ.
قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: وَكَانَ من حَدِيث عمرَان حطَّان فِيمَا حَدثنِي الْعَبَّاس بن الْفرج الرياشي عَن مُحَمَّد بن سَلام أَنه لما أطرده الْحجَّاج كَانَ ينْتَقل فِي الْقَبَائِل فَكَانَ إِذا نزل فِي حَيّ انتسب)
نسبا يقرب مِنْهُ فَفِي ذَلِك يَقُول:
نزلنَا فِي بني سعد بن زيدوَفِي عكّ وعامر وعوبثان
وَفِي لخمٍ وَفِي أدد بن عَمْرووَفِي بكرٍ وحيّ بني الغدان
ثمَّ خرج حَتَّى نزل عِنْد روح بن زنباع الجذامي وَكَانَ روح يقري الأضياف وَكَانَ مسامراً لعبد الْملك بن مَرْوَان أثيراً عِنْده فانتمى لَهُ من الأزد.
وَكَانَ روح بن زنباع لَا يسمع شعرًا نَادرا وَلَا حَدِيثا غَرِيبا عِنْد عبد الْملك فَيسْأَل عَنهُ عمرَان فَذكر ذَلِك لعبد الْملك فَقَالَ: إِن لي جاراً من الأزد مَا أسمع من أَمِير الْمُؤمنِينَ خَبرا وَلَا شعرًا إِلَّا عرفه وَزَاد فِيهِ.
فَقَالَ: خبرني بِبَعْض أخباره. فخبره وأنشده فَقَالَ: إِن اللُّغَة عدنانية وَإِنِّي لأحسبه عمرَان بن حطَّان. حَتَّى تَذَاكَرُوا لَيْلَة قَول عمرَان بن حطَّان يمدح ابْن ملجم لَعنه الله:
يَا ضَرْبَة من تقيّ مَا أَرَادَ بهَاإلاّ ليبلغ من ذِي الْعَرْش رضوانا
إنّ لأذكره حينا فأحسبهأوفى البريّة عِنْد الله ميزانا
فَلم يدر عبد الْملك لمن هُوَ. فَرجع روح فَسَأَلَ عمرَان بن حطَّان عَنهُ فَقَالَ عمرَان: هَذَا يَقُوله عمرَان بن حطَّان يمدح بِهِ عبد الرَّحْمَن بن ملجم قَاتل عَليّ بن
أبي طَالب رَحْمَة الله عَلَيْهِ فَرجع روح إِلَى عبد الْملك فَأخْبرهُ فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: ضيفك عمرَان بن حطَّان اذْهَبْ فجئني بِهِ. فَرجع إِلَيْهِ فَقَالَ: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أحب أَن يراك.
فَقَالَ عمرَان: قد أردْت أَن أَسأَلك هَذَا فَاسْتَحْيَيْت مِنْك فَامْضِ فَإِنِّي بالأثر. فَرجع روح إِلَى عبد الْملك فخبره فَقَالَ لَهُ عبد الْملك: أما إِنَّك سترجع فَلَا تَجدهُ. فَرجع فَوجدَ عمرَان قد احْتمل وَخلف رقْعَة فِيهَا:
يَا روح كم من أخي مثوى نزلت بِهِقد ظنّ ظنّك من لخمٍ وغسّان
قد كنت جَارك حولا مَا تروّعنيفِيهِ روائع من إنسٍ وَمن جَان
حتّى أردْت بِي الْعُظْمَى فأدركني... مَا أدْرك النّاس من خوف ابْن مَرْوَان)
فاعذر أَخَاك ابْن زنباعٍ فإنّ لَهُفِي النّائبات خطوباً ذَات ألوان
يَوْمًا يمانٍ إِذا لاقيت ذَا يمنٍوَإِن لقِيت معدّيّاً فعدناني
لَو كنت مُسْتَغْفِرًا يَوْمًا لطاغيةٍكنت المقدّم فِي سرّي وإعلاني
)
لَكِن أَبَت لي آياتٌ مطهّرةٌعِنْد الْولَايَة فِي طه وَعمْرَان
ثمَّ ارتحل حَتَّى نزل بزفر بن الْحَارِث الْكلابِي أحد بَين عَمْرو بن كلاب وانتسب لَهُ أوزاعياً.
وَكَانَ عمرَان يُطِيل الصَّلَاة وَكَانَ غلْمَان من بني عَامر يَضْحَكُونَ مِنْهُ فَأَتَاهُ رجل يَوْمًا مِمَّن رَآهُ عِنْد روح بن زنباع فَسلم عَلَيْهِ فَدَعَاهُ زفر. فَقَالَ: من هَذَا فَقَالَ: رجل من الأزد رَأَيْته ضيفاً لروح بن زنباع.
فَقَالَ لَهُ زفر: يَا هَذَا أزدياً مرّة وأوزاعياً مرّة إِن كنت خَائفًا آمناك وَإِن كنت فَقِيرا جبرناك.
فَلَمَّا أَمْسَى خلف فِي منزله رقْعَة وهرب فِيهَا:
إنّ الَّتِي أَصبَحت يعيا بهَا زفرأعيت عياءً على روح بن زنباع
حتّى إِذا انْقَطَعت عنّي وسائلهكفّ السّؤال وَلم يولع بإهلاع
فَاكْفُفْ كَمَا كفّ عنّي إنّني رجلٌإمّا صميمٌ وإمّا فقعة القاع
واكفف لسَانك عَن لومي ومسألتيمَاذَا تُرِيدُ إِلَى شيخٍ لأوزاع
أمّا الصّلاة فإنّي لست تاركهاكلّ امْرِئ للَّذي يعْنى بِهِ ساعي
أكْرم بِروح بن زنباعٍ وأسرتهقومٌ دَعَا أوّليهم للعلا دَاع
جاورتهم سنة فِيمَا أسرّ بِهِعرضي صحيحٌ ونومي غير تهجاع
فاعمل فإنّك منعيّ بواحدةٍحسب اللبيب بِهَذَا الشّيب من ناعي
ثمَّ ارتحل حَتَّى أَتَى عمان فَوَجَدَهُمْ يعظمون أَمر مرداس أبي بِلَال ويظهرونه فأظهر أمره فيهم فَبلغ ذَلِك الْحجَّاج فَكتب إِلَى عَامل عمان فِيهِ فهرب عمرَان حَتَّى أَتَى قوما من الأزد فَلم يزل فيهم حَتَّى مَاتَ.
وَفِي نُزُوله بهم يَقُول
نزلنَا بِحَمْد الله فِي خير منزلٍنسرّ بِمَا فِيهِ من الْأنس والخفر
نزلنَا بِقوم يجمع الله شملهموَلَيْسَ لَهُم أصلٌ سوى الْمجد يعتصر
من الأزد إنّ الزد أكْرم معشرٍيمانيةٍ طابوا إِذا نسب الْبشر
أم الحيّ قحطان وتلكم سفاهةٌكَمَا قَالَ لي روحٌ وَصَاحبه زفر
وَمَا مِنْهُمَا إلاّ يسرّ بنسبةٍتقرّبني مِنْهُ وَإِن كَانَ ذَا نفر
)
فَنحْن بَنو الْإِسْلَام والله واحدٌوَأولى عباد الله بالله من شكر
وَكَانَ عمرَان رَأس القعدية من الصفرية وفقيههم وخطيبهم وشاعرهم. وَقَالَ: لما قتل أَبُو بِلَال وَهُوَ مرداس بن أدية وَهِي جدته وَأَبوهُ حدير وَهُوَ أحد بني ربيعَة بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم:
لقد زَاد الْحَيَاة إليّ بغضاًوحبّاً لِلْخُرُوجِ أَبُو بِلَال
أحاذر أَن أَمُوت على فِرَاشِيوَأَرْجُو الْمَوْت تَحت ذرا العوالي
فَمن يَك همّه الدّنيا فإنّيلَهَا والله ربّ الْبَيْت قالي
وَفِيه يَقُول أَيْضا:
يَا عين بكّي لمرداسٍ ومصرعهيَا ربّ مرداس الحقني بمرداس
تَرَكتنِي هائماً أبْكِي لمرزئتيفِي منزلٍ موحشٍ من بعد إيناس
أنْكرت بعْدك مَا قد كنت أعرفهُمَا النّاس بعْدك يَا مرداس بالنّاس
إمّا شربت بكاسٍ دَار أوّلهاعلى الْقُرُون فذاقوا جرعة الكاس
هَذَا مَا أوردهُ الْمبرد فِي
وَقَالَ المرزباني: كَانَ عمرَان شَاعِرًا مفلقاً مكثراً. وَقَالَ الفرزدق: كَانَ عمرَان من أشعر النَّاس لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ أَن يَقُول مثلنَا لقَالَ ولسنا نقدر أَن نقُول مثله.
ويروى أَنه امْرَأَته قَالَت لَهُ يَوْمًا: أما زعمت أَنَّك لم تكذب فِي شعرك قطّ قَالَ: أوقع ذَلِك قَالَ: نعم ألم تقل:
فهناك مجرأة بن ثورٍ كَانَ أَشْجَع من أسَامَه
أفيكون رجل أَشْجَع من أَسد قَالَ: أما رَأَيْت مجزأَة بن ثَوْر فتح مَدِينَة والأسد لَا يقدر على ذَلِك.
وَرُوِيَ عَن قَتَادَة أَنه قَالَ: لَقِيَنِي عمرَان بن حطَّان فَقَالَ: يَا عمي احفظ عني هَذِه الأبيات:
حتّى مَتى تسقى النّفوس بكأسهاريب الْمنون وَأَنت لاهٍ ترتع
أفقد رضيت بِأَن تعلّل بالمنىوَإِلَى المنيّة كلّ يومٍ تدفع
أَحْلَام نومٍ أم كظلّ زائلٍإنّ اللّبيب بِمِثْلِهَا لَا يخدع
)
وَفِي تَارِيخ الْإِسْلَام للذهبي: أَن سُفْيَان الثَّوْريّ كَانَ يتَمَثَّل بِأَبْيَات عمرَان بن حطَّان هَذِه:
أَرَاهَا وَإِن كَانَت تحبّ فإنّهاسَحَابَة صيفٍ عَن قليلٍ تقشّع
كركبٍ قضوا حاجاتهم وترحّلوا طريقهم بَادِي الغيابة مهيع وَمن شعره السائر:
أيّها المادح الْعباد ليُعْطىإنّ لله مَا بأيدي الْعباد
فسل الله مَا طلبت إِلَيْهِموارج فضل الْمُهَيْمِن العوّاد
وَمن شعره وَأوردهُ أَبُو زيد فِي النَّوَادِر وَقَالَ: إِنَّهَا قصيدة طَوِيلَة:
وَلَيْسَ لعيشنا هَذَا مهاهٌوَلَيْسَت دَارنَا هاتا بدار
وَإِن قُلْنَا لعلّ بهَا قراراًفَمَا فِيهَا لحيّ من قَرَار
لنا إلاّ ليَالِي هيّناتٍوبلغتنا بأيّام قصار
أرانا لَا نملّ الْعَيْش فِيهَاوأولعنا بحرصٍ وانتظار
وَلَا تبقى وَلَا نبقى عَلَيْهَاوَلَا فِي الْأَمر نَأْخُذ بِالْخِيَارِ
ولكنّا الْغَدَاة بَنو سبيلٍعلى شرف ييسّر لانحدار
كركبٍ نازلين على طريقٍحثيثٍ رائحٌ مِنْهُم وساري
وغادٍ إثرهم طَربا إِلَيْهِمحثيث السّير مؤتنف النّهار
والمهاه بهاءين وَفتح الْمِيم: الصفاء والرقة. والصفرية بِضَم الصَّاد وَسُكُون الْفَاء: جنس من الْخَوَارِج نسبوا إِلَى زِيَاد بن الْأَصْفَر رئيسهم.
وَزعم قوم أَن الَّذِي نسبوا إِلَيْهِ هُوَ عبد الله بن الصفار وَأَن الصفرية بِكَسْر الصَّاد. كَذَا فِي الصِّحَاح.
وَيُقَال للخوارج: الشراة بِالضَّمِّ الْوَاحِد شار سموا بذلك لقَولهم: إِنَّا شرينا أَنْفُسنَا فِي طَاعَة الله أَي: بعناها بِالْجنَّةِ حِين فارقنا الْأَئِمَّة الجائرة. يُقَال مِنْهُ: تشرى الرجل.
وَقد أطنب الْمبرد فِي أَوَاخِر الْكَامِل فِي الْكَلَام على الْخَوَارِج وفرقهم ووقائعهم.
وَمن أَرَادَ الِاطِّلَاع عَلَيْهِ فَليرْجع إِلَيْهِ.
وَأنْشد بعده
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع