من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)
الشَّاهِد الْخَامِس بعد الأربعمائة:
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وَأنْشد بعده الشَّاهِد الْخَامِس بعد الأربعمائة: هُوَ الْبَيْت حتّى مَا تأنّى الحزائق
تَمَامه: وَيَا قلب حتّى أَنْت ممّن أُفَارِق على أَنه قد يخبر عَن ضمير الْأَمر المستبهم تَقْديرا بالمفرد كَمَا أخبر ب الْبَين. هُنَا عَن هُوَ كَأَنَّهُ قيل: أَي شَيْء وَقع من المصائب فَقَالَ: هُوَ الْبَيْت.
وَقَوله: حَتَّى مَا تأنى مَبْنِيّ على مَا يفهم من استعظام أَمر الْبَين الْمُسْتَفَاد من الضَّمِير أَي: ارتقي أَمر الْبَين فِي الصعوبة حَتَّى لَا تتأنى جماعات الْإِبِل أَيْضا.
وَفِي هَذَا رد على الواحدي فِي زَعمه أَن هَذَا الضَّمِير من قبيل مَا فسر بجملة. وَهَذِه عِبَارَته: هُوَ كِنَايَة عَن الْبَين يسمون مَا كَانَ من مثل هَذَا الْإِضْمَار على شريطة التَّفْسِير كَقَوْلِه تَعَالَى: قُلْ هُوَ اللهُ أحَد وَقَوله تَعَالَى: فإنَّها لَا تَعْمَى الْأَبْصَار وَقَول الشَّاعِر: هِيَ النَّفس مَا حملتها تتحمَّلُ وَمثله كثير. اه.)
وَقَالَ الْمُبَارك بن المستوفي فِي النظام: قَالَ أَبُو الْقَاسِم عبد الْوَاحِد بن عَليّ: يَقُول: الْحق والشأن هُوَ الْفِرَاق لَا الِاجْتِمَاع كَأَنَّهُ نظر فِيهِ إِلَى قَوْله تَعَالَى: الَّذِي خلقَ الموتَ والحياةَ فَقدم الْمَوْت لِأَن الِانْتِهَاء إِلَيْهِ والأمور بخواتمها.
وَهَذَا تَفْسِير بعيد من معنى الْبَيْت وَتَقْدِير ضمير الشَّأْن بِمَا قدره بِهِ يغاير مَا قدره النحويون.
اه.
وتأنى أَصله تتأنى بتاءين مضارع من التأني وَهُوَ التلبث والخزائق: جمع حزيق بِالْحَاء الْمُهْملَة قَالَ صَاحب الْقَامُوس: الحزيق والحزيقة والحزاقة: الْجَمَاعَة وَالْجمع الحزائق. وَالظَّاهِر أَنه بِمَعْنى الْجَمَاعَة مُطلقًا لَا بِمَعْنى جمَاعَة الْإِبِل كَمَا صرح بِهِ الشَّارِح. وَيدل لما قُلْنَا كَلَام شراحه.
قَالَ ابْن جني: تأنى تمكث. والحزائق: جمع حزيق وَهُوَ الْجَمَاعَة. وَقَالَ أَبُو الْيمن الْكِنْدِيّ: أَي هَذَا الَّذِي تشتكيه هُوَ الْبَين حَتَّى لَا مكث للجماعات فِي التَّفَرُّق بل لَهَا إسراع وعجلة.
ثمَّ الْتفت إِلَى خطاب قلبه أَي: أَنْت أَيْضا مَعَ علقتك فِي الْمُوجبَة لقربك أَنْت مفارق.
وَحَتَّى فِي الْمَوْضِعَيْنِ ابتدائية. وَأَشَارَ إِلَيْهِ ابْن جني بقوله: مَعْنَاهُ يفارقني كل وَاحِد حَتَّى أَنْت مفارقي كَمَا قَالَ الفرزدق:
الطَّوِيل فيا عبجاً حتّى كليبٌ تسبّني أَي: يسبني كل أحد حَتَّى كُلَيْب تسبني.
قَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: حَتَّى الابتدائية حرف يبتدأ بعده الْجمل أَي: يسْتَأْنف. فَيدْخل على الْجُمْلَة الاسمية والفعلية قَالَ الفرزدق: فيا عجبا حتّى كُلَيْب تسبّني وَلَا بُد من تَقْدِير مَحْذُوف قبل حَتَّى من هَذَا الْبَيْت يكون مَا بعد حَتَّى غَايَة لَهُ أَي: فواعجبا يسبني النَّاس حَتَّى كُلَيْب تسبني. اه.
قَالَ الواحدي: وَمعنى الْبَيْت: هُوَ الْبَين الَّذِي فرق كل شَيْء حَتَّى لَا يتمهل وَلَا يتأنى الْجَمَاعَات أَن يتفرقوا إِذا جرى حكم الْبَين فيهم. ثمَّ خَاطب قلبه: وَأَنت أَيْضا على مَالك من علائق الْقرب مِمَّن أفارقه يَعْنِي: الْأَحِبَّة إِذا فارقوني ذهب الْقلب مَعَهم ففارقني وفارقته.
اه.
وَهَذَا الْبَيْت مطلع قصيدة لأبي الطّيب المتنبي مدح بهَا الْحُسَيْن بن إِسْحَاق التنوخي.)
وترجمة المتنبي تقدّمت فِي الشَّاهِد الْوَاحِد وَالْأَرْبَعِينَ بعد الْمِائَة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع