تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد السَّادِس بعد الأربعمائة

فيه ٢١ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

وَأنْشد بعده الشَّاهِد السَّادِس بعد الأربعمائة وَهُوَ من شَوَاهِد الْمفصل:

على أنّها تعفوا الكلوم وإنّمانوكّل بالأدنى وَإِن جلذ مَا يمْضِي

على أَن الضَّمِير فِي أَنَّهَا ضمير الْقِصَّة.

فِي التسهيل وَشَرحه لِابْنِ عقيل: وإفراده لَازم لِأَن مفسره مَضْمُون الْجُمْلَة. وَهُوَ مُفْرد. وَكَذَا تذكيره.

وَالْمَنْقُول عَن الْبَصرِيين جَوَاز التَّأْنِيث لإِرَادَة الْقِصَّة وَعَن الْكُوفِيّين الْمَنْع مَا لم يَله مؤنث نَحْو: إِنَّهَا جاريتاك ذاهبتان وَإِنَّهَا نساؤك ذاهبات أَو مُذَكّر شبه بِهِ مؤنث نَحْو: إِنَّهَا قمر جاريتك أَو فعل بعلامة تَأْنِيث كَقَوْلِه تَعَالَى: فإنَّها لَا تَعمَى الْأَبْصَار.

فيرجح تأنيثه بِاعْتِبَار الْقِصَّة على تذكيره بِاعْتِبَار الشَّأْن. فَيجوز فِي هَذِه الْمسَائِل الثلالث: التَّذْكِير والتأنيث لَكِن الرَّاجِح التَّأْنِيث لِأَن فِيهِ مشاكلةً تحسن اللَّفْظ وَلَا يخْتَلف الْمَعْنى بذلك إِذْ الْقِصَّة والشأن بِمَعْنى وَاحِد. اه.

وَتَعْفُو هُنَا فعل لَازم بِمَعْنى تدرس وتبرأ. والكلوم فَاعله جمع كلم وَهُوَ

الْجرْح والحزة وَالْجُمْلَة خبر ضمير الشَّأْن. وَلم يحْتَج إِلَى رابط لِأَنَّهَا نفس الْمُبْتَدَأ فِي الْمَعْنى. اه.

وَالْبَيْت من أَبْيَات لأبي خرَاش الْهُذلِيّ أوردهَا السكرِي فِي أشعار الهذليين وَكَذَلِكَ الْمبرد فِي الْكَامِل وَأَبُو تَمام فِي أول بَاب المراثي من الحماسة.

وَكَذَلِكَ الْأَصْبَهَانِيّ أوردهَا فِي الأغاني والقالي فِي أَمَالِيهِ وَهِي:

حمدت إلهي بعد عُرْوَة إِذْ نجاخراشٌ وَبَعض الشّرّ أَهْون من بعض
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «قليل إلى غير اكتساب العلى نهضي»
فوالله مَا أنسى قَتِيلا رزئتهبِجَانِب قوسى مَا مشيت على الأَرْض
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة
على أنّها تَعْفُو الكلوم وإنّمانوكّل بالأدنى وَإِن جلّ مَا يمْضِي
وَلم أدر من ألْقى عَلَيْهِ رِدَاءَهُعلى أنّه قد سلّ عَن ماجدٍ مَحْض
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «ولم أدر من ألقى عليه ردائه»
ولكنّه قد نازعته مجاوعٌعلى أنّه ذُو مرّة صَادِق النّهض

عُرْوَة: أَخُو أبي خرَاش وخراش: ابْنه. وَأَخْطَأ بعض فضلاء الْعَجم فِي شرح أَبْيَات الْمفصل)

وَتَبعهُ شَارِح أَبْيَات الموشح فِي زَعمه أَن عُرْوَة ابْن الشَّاعِر.

وخراش بالراء لَا بِالدَّال.

وَأَبُو خرَاش اسْمه خويلد بن مرّة وَتَقَدَّمت تَرْجَمته فِي الشَّاهِد الثَّانِي وَالسبْعين.

وَكَانَ لأبي خرَاش تِسْعَة إخْوَة مِنْهُم عُرْوَة بن مرّة وَزُهَيْر بن مرّة.

قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: جاور عُرْوَة بن مرّة أَخُو أبي خرَاش الْهُذلِيّ ثمالة من الأزد فَجَلَسَ يَوْمًا بِفنَاء بَيته آمنا لَا يخَاف شَيْئا فاستدبره رجل مِنْهُم بِسَهْم من بني بِلَال فقصم صلبه فَفِي ذَلِك يَقُول أَبُو خرَاش:

لعن الْإِلَه وُجُوه قومٍ رضّعٍغدروا بِعُرْوَة من بني بلاّل

وأسرت ثمالة خرَاش بن أبي خرَاش فَكَانَ فيهم مُقيما فَدَعَا آسره رجلا مِنْهُم للمنادمة فَرَأى ابْن أبي خرَاش موثقًا فِي الْقد فأمهل حَتَّى قَامَ الآسر لحَاجَة فَقَالَ المدعة لِابْنِ أبي خرَاش: من أَنْت قَالَ: أَنا ابْن أبي خرَاش. فَقَالَ: كَيفَ دليلاك قَالَ: قطاة. قَالَ: فَقُمْ فاجلس ورائي.

وَألقى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ وَرجع صَاحبه فَلَمَّا رأى ذَلِك أصلت لَهُ السَّيْف فَقَالَ: أسيري فنثر المجير كِنَانَته وَقَالَ: وَالله لأرمينك إِن رمته فَإِنِّي قد أجرته فخلى عَنهُ فجَاء إِلَى أَبِيه فَقَالَ لَهُ: من أجارك فَقَالَ: وَالله مَا أعرفهُ.

فَقَالَ أَبُو خرَاش: حمدت إلهي بعد عُرْوَة إِذْ نجا الأبيات.

وتزعم الروَاة أَنَّهَا لَا تعرف رجلا مدح من لَا يعرف غير أبي خرَاش. وَقَوله: وُجُوه قوم رضع هُوَ جمَاعَة راضع وَقوم يَقُولُونَ: هُوَ توكيد للئيم كَمَا يَقُولُونَ جَائِع نائع. وَقوم يَقُولُونَ: الراضع: الَّذِي يرتضع من الضَّرع لِئَلَّا يسمع الضَّيْف وَالْجَار الْحَلب مِنْهُ.

وَقَوله: كَيفَ دليلاك فَهُوَ كَثْرَة الدّلَالَة. والفعيلي إِنَّمَا يسْتَعْمل فِي الْكَثْرَة. اه.

وَقَالَ صَاحب الأغاني: خرج زُهَيْر بن مرّة أَخُو أبي خرَاش مُعْتَمِرًا حَتَّى ورد ذَات الأقير من نعْمَان فَبينا هُوَ يسْقِي إبِلا لَهُ إِذْ ورد عَلَيْهِ قوم من ثمالة فَقَتَلُوهُ فغزاهم أَبُو خرَاش وَقتل مِنْهُم أهل دارين أَي: حلتين من ثمالة ثمَّ إِن عُرْوَة وخراشاً خرجا مغيرين على بطنيني من ثمالة يُقَال لَهما: بَنو رزام وَبَنُو بِلَال بتَشْديد اللَّام الأولى فظفر بهما الثماليون فَأَما بَنو رزام فنهوا عَن)

قَتلهمَا وأبت بَنو بِلَال عَن قَتلهمَا حَتَّى كَاد يكون بَينهم شَرّ فَألْقى رجل مِنْهُم ثَوْبه على خرَاش وانحرف الْقَوْم بعد قَتلهمْ عُرْوَة إِلَى الرجل وَكَانُوا سلموه إِلَيْهِ فَقَالُوا: أَيْن خرَاش فَقَالَ: أفلت مني فَذهب. فسعى الْقَوْم فِي أَثَره فَأَعْجَزَهُمْ فَقَالَ أَبُو خرَاش فِي ذَلِك يرثي أَخَاهُ عُرْوَة وَيذكر خلاص ابْنه خرَاش: حمدت إلهي بعد عُرْوَة إِذْ نجا............ الأبيات اه.

وَذكر التبريزي فِي شرح الحماسة بعد نقل هذَيْن الْقَوْلَيْنِ عَن الْمبرد أَيْضا أَن ملقي الرِّدَاء كَانَ مجتازاً بِعُرْوَة فَرَآهُ بَادِي الْعَوْرَة مصروعاً فَفعل بِهِ ذَلِك.

قَالَ التبريزي: قد رُوِيَ فِيمَا حُكيَ عَن الْأَصْمَعِي وَأبي عُبَيْدَة أَنَّهُمَا قَالَا: لَا نَعْرِف من مدح من لَا يعرفهُ غير أبي خرَاش.

وَقد سلك من شعراء الْإِسْلَام مسلكه أَبُو نواس فِي أَبْيَات أَولهَا:

وَدَار ندامى عطّلوها وأدلجوابهَا أثرٌ مِنْهُم جديدٌ ودارس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
مساحب من جرّ الزّقاق على الثّرىوأضغاث ريحانٍ جنيّ ويابس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»
وَلم أدر من هم غير مَا شهِدت لَهُمبشرقيّ ساباط الدّيار البسابس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»

وَقَوله: حمدت إلهي بعد عُرْوَة الخ قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة: إِذْ بدل من بعد عُرْوَة وَالْمعْنَى: أشكر الله بعد مَا اتّفق من قتل عُرْوَة على تخلص خرَاش وَبَعض الشَّرّ أخف من الْبَعْض كَأَنَّهُ تصور قَتلهمَا جَمِيعًا لَو اتّفق فَرَأى قتل أَحدهمَا أَهْون.

قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة وَأَخذه التبريزي فِي شرحها: فَإِن قيل: لَيْسَ فِي الشَّرّ هَين وأفعل هَذَا يسْتَعْمل فِي مشتركين فِي صفة زَاد أَحدهمَا على الآخر فَكيف يجوز هَذَا وَلَا هَين فِي الشَّرّ وَجَوَابه أَن هَذَا كَلَام مَحْمُول على مَعْنَاهُ دون لَفظه وَذَلِكَ أَنه إِن كَانَ هُنَاكَ حَال تهون الشَّرّ من صَبر عَلَيْهِ أَو احتساب أَو طلب ذكر أَو ثَوَاب فَإِنَّهُ أَيْضا مَرَاتِب وَلَيْسَ بجار على سنَن وَاحِد.

وَقَالَ التبريزي: قلت إِن للشر مَرَاتِب ودرجات فَإِذا جِئْت إِلَى آحادها وَقد تصورت جملها ورتب الْآحَاد فِيهَا وجدت كل نوع مِنْهَا بمضامته للْغَيْر لَهُ حَال فِي الخفة والثقل. وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَلَا يمْنَع أَن يُوصف مِنْهُ شَيْء بِأَنَّهُ أهوَ من غَيره.)

وَقَوله: فو الله مَا أنسى الخ رَوَاهُ الْقَارِي: فو الله لَا أنسى.

وقوسى بِالْقَافِ وَالْقصر قَالَ الْمبرد فِي الْكَامِل: وَهُوَ بلد تحله ثمالة بالسراة.

وَقَالَ القالي فِي الْمَقْصُور والممدود وَتَبعهُ أَبُو عبيد فِي مُعْجم مَا استعجم: هُوَ مَوضِع بِبِلَاد هُذَيْل وَفِيه قتل عُرْوَة. وَأنْشد هَذَا الْبَيْت.

وَأَخْطَأ أَبُو عبيد فِي قَوْله: عُرْوَة أَخُو أبي كَبِير. وَقَالَ أَبُو عبيد أَيْضا فِي شرح أمالي القالي: إِن قوسى رَوَاهُ أَبُو عَليّ القالي بِفَتْح الْقَاف وَغَيره يَأْبَى إِلَّا ضمهَا. وَقَالَ فِي مُعْجم مَا استعجم بِفَتْح أَوله وضمه مَعًا.

وَقَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: إِن قوسى بِفَتْح الْقَاف وَسُكُون الْوَاو وسين مُهْملَة ثمَّ ألف مَقْصُورَة تكْتب يَاء: بلد بالسراة وَبِه قتل عُرْوَة أَخُو أبي خرَاش الْهُذلِيّ وَنَجَا وَلَده.

ورزئته بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي: أصبت بِهِ. قَالَ المرزوقي وَتَبعهُ التبريزي: تعلق الْبَاء من قَوْله بِجَانِب بقتيلاً كَأَنَّهُ قَالَ: مَا أنسى قَتِيلا على الأَرْض بِجَانِب قوسى رزئته ورزئته وبجانب جَمِيعًا صفة للقتيل وَقد دخله بعض الِاخْتِصَاص بذكرهما. اه.

فَأَرَادَ بالتعلق التَّعَلُّق الْمَعْنَوِيّ وَهُوَ كَونه صفة كَمَا صرح بِهِ فِي آخر الْكَلَام.

وَقد غفل عَنهُ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة فَقَالَ: قَالَ المرزوقي فِي الْبَاء من قَوْله بِجَانِب: يتَعَلَّق بقتيلاً. الظَّاهِر أَنه لَا يَعْنِي قَتِيلا الْمَذْكُور لِأَن وَصفه مَانع من إعماله وَإِنَّمَا يَعْنِي قَتِيلا محذوفاً.

أَي: رزئته حَالَة كَونه قَتِيلا بِجَانِب قوسى. هَذَا كَلَامه.

وَقَوله: مَا مشيت على الأَرْض قَالَ ابْن جني فِي إِعْرَاب الحماسة وَأَخذه التبريزي: مَا مَعَ الْفِعْل فِي تَقْدِير مصدر وَحذف اسْم الزَّمَان مَعَه كَأَنَّهُ قَالَ: مُدَّة مشي على الأَرْض وَإِن أمش على وَفِي الْكَلَام نِيَّة الشَّرْط وَالْجَزَاء. كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أنسى قَتِيلا رزئته إِن مشيت على الأَرْض.

وَمَعْنَاهُ إِن بقيت حَيا. فَلذَلِك وَقع الْمَاضِي فِيهِ فِي مَوضِع الْمُسْتَقْبل لِأَن مَا مشيت على الأَرْض فِي مَوضِع مَا أَمْشِي على الأَرْض.

وَقَوله: على أَنَّهَا تَعْفُو الكلوم الخ قَالَ التبريزي: هَذَا يجْرِي مجْرى الِاعْتِذَار مِنْهُ والاستدراك على نَفسه فِيمَا أطلقهُ من قَوْله: لَا أنسى قَتِيلا رزئته.

وَالضَّمِير للقصة وَخبر إِن الْجُمْلَة بعْدهَا.

وَلَو قَالَ على أَنه لجَاز وَكَانَ الضَّمِير للشأن. وَيَعْنِي بالكلم الحزة عِنْد ابْتِدَاء الفجيعة. اه.

وَتَعْفُو: تنمحي وَتذهب وتبرأ من عَفا الْمنزل يعْفُو عفوا وعفواً وعفاء بِالْفَتْح وَالْمدّ بِمَعْنى درس)

وانمحى. وَيَأْتِي مُتَعَدِّيا يُقَال: عفته الرّيح بِمَعْنى محته وَلَيْسَ بِمُرَاد هُنَا.

وَقَوله: نوكل بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول يرْوى بالنُّون وبالمثناة التَّحْتِيَّة من وكلته بِأَمْر كَذَا توكيلاً إِذا فوضته إِلَيْهِ أَي: ألزمته بِهِ إلزاماً. والأدنى: الْأَقْرَب أَي: الرزي الْأَقْرَب.

قَالَ الْقَارِي: يَقُول: إِنَّمَا نحزن على الْأَقْرَب فَالْأَقْرَب وَمن مضى نسيناه وَلَو عظم مَا مضى.

وَمثله:

حَادث مَا مني يعولك وَالأقدم تنساه وَإِن هُوَ جلّ

انْتهى.

وَقد ألم بِهَذَا الْبَيْت أَبُو بكر بن دُرَيْد من قصيدة أوردهَا القالي فِي ذيل ماليه:

بلَى غير أنّ الْقلب ينكوه الأسى الملمّ وَإِن جلّ الجوى المتقدّم
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «على أي رغم ظلت أغضي وأكظم»

وضد هَذَا قَول هِشَام فِي أَخَوَيْهِ: أوفى وغيلان ذِي الرمة:

تعزّيت عَن أوفى بغيلان بعدهعزاءً وجفن الْعين ملآن مترع
للشاعر مسعود أخو ذي الرمة، من قصيدة «تَعَزَّيْتُ عَنْ أوْفَى بِغَيْلاَنَ بَعْدَهُ»
وَلم ينسني أوفى المصيبات بعدهولكنّ نكء الْقرح بالقرح أوجع

قَالَ التبريزي: مَوضِع على أَنَّهَا نصب على الْحَال وَالْعَامِل فِيهِ مَا أنسى. وَهَذَا كَمَا تَقول: مَا أترك حق فلَان على ظلع لي كَأَن التَّقْدِير:

أؤديه ظالعاً. فعلى هَذَا يَجِيء: مَا أنسى قَتِيلا رزئته على عفاء الكلوم أَي: أذكرهُ عافياً جرحى كَسَائِر الْجراح. اه.

قَالَ ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ على أَبْيَات الْمفصل: إِن على هَذِه تقع فِي شعر الْعَرَب وَكَلَامهم كثيرا وَالْمعْنَى فِيهَا اسْتِدْرَاك وإضراب عَن الأول.

أَلا ترى أَنَّك إِذا قلت: لَا يدْخل فلَان الْجنَّة لسوء صَنِيعه على أَنه لَا ييأس من رَحْمَة الله كَانَ استدراكاً لما تقدم وإضراباً عَن تَحْقِيقه.

وَكَذَلِكَ قَوْله فِي الْبَيْت الَّذِي قبله: فو الله مَا أنسى قَتِيلا رزئته ثمَّ قَالَ: على أَنَّهَا تَعْفُو الكلوم. لِأَن الْمَعْنى: على أَن الْعَادة نِسْيَان المصائب إِذا تطاولت والحزن على مَا كَانَ من الْمُصَاب قريب الْعَهْد وَهَذَا إضراب واستدراك لما تقدم من قَوْله: أنسى.

وَكَذَلِكَ قَوْله وَهُوَ أَيْضا فِي الحماسة: الطَّوِيل)

وَقد زَعَمُوا أنّ المحبّ إِذا دنايملّ وأنّ النّأي يشفي من الوجد
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «ألا هل من البين المفرق من بد»
بكلّ تداوينا فَلم يشف مَا بِنَاعلى أنّ قرب الدّار خيرٌ من الْبعد
للشاعر ابن الدمينة، من قصيدة «ألا هل من البين المفرق من بد»
على أنّ قرب الدّار لَيْسَ بنافعٍإِذا كَانَ من تهواه لَيْسَ بِذِي ودّ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «خليلي مرا بي على الأبرق الفرد»

فَقَوله: بِكُل تداوينا فَلم يشف مَا بِنَا ثمَّ قَالَ: على أَن قرب الدَّار خير من الْبعد كالإضراب عَن الأول لِأَن الْمَعْنى: فَلم يحصل لنا شِفَاء أصلا وَإِذا كَانَ قرب الدَّار خيرا فِي الْمَعْنى المُرَاد فَفِيهِ شِفَاء أَو بعض شِفَاء أصلا.

وَكَذَلِكَ قَوْله: على أَن قرب الدَّار خير من الْبعد فاستدرك أَنه لَا يكون خيرا إِلَّا مَعَ الود فَأبْطل الْعُمُوم الْمُتَقَدّم فِي قَوْله قرب الدَّار خير من الْبعد. هَذَا مَعْنَاهَا وَأما تعلقهَا على الْوَجْه الإعرابي فَيحْتَمل أَمريْن: أَحدهمَا: أَن تتَعَلَّق بِالْفِعْلِ الْمُتَقَدّم قبلهَا كَمَا تعلّقت حاشا الاستثنائية بِمَا قبلهَا لكَونهَا أوصلت معنى مَا قبلهَا إِلَى مَا بعْدهَا على وَجه الإضراب والإخراج. وَأظْهر مِنْهُ أَن يُقَال: إِنَّهَا فِي مَوضِع خبر مَحْذُوف الْمُبْتَدَأ كَأَنَّهُ قيل: وَالتَّحْقِيق على أَن الْأَمر كَذَا. فتعلقها بِمَحْذُوف كَمَا يتَعَلَّق كل خبر جَار ومجرور لِأَن الْجُمْلَة الأولى وَقعت عَن غير تَحْقِيق ثمَّ جِيءَ بِمَا هُوَ التَّحْقِيق فِيهَا وَحذف الْمُبْتَدَأ لوضوح الْمَعْنى. اه.

وَقد لخص ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي هَذَا الْكَلَام فِي على. وَالْعجب من ابْن هِشَام فَإِنَّهُ ذكر فِي شرح شواهده مَا قَالَه التبريزي من كَون على أَنَّهَا تَعْفُو حَال وعامله لَا أنسى وغفل عَن كَلَام الْمُغنِي هَذَا.

وَالَّذِي رَوَاهُ أَبُو بكر الْقَارِي فِي أشعار الهذليين والمبرد فيي الْكَامِل وَأَبُو عَليّ القالي فِي أَمَالِيهِ وَابْن جني فِي الْمُحْتَسب: بلَى إِنَّهَا تَعْفُو الكلوم وَإِنَّمَا.

قَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِيمَا كتبه على أمالي القالي: هَذَا رُجُوع من قَوْله الأول إِلَى مَا هُوَ أصح.

وَقَالَ ابْن جني عِنْد تَوْجِيه قِرَاءَة الْأَعْرَج وَغَيره: يَا حسره على الْعباد من سُورَة يس سَاكِنة الْهَاء: قَالُوا فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: لَا يؤاخذْكم اللَّه باللَّغْوِ فِي أيمانِكُم: هُوَ كَقَوْلِك: لَا وَالله وبلى وَالله.

فَأَيْنَ سرعَة اللَّفْظ بِذكر اسْم الله تَعَالَى هُنَا من التثبت فِيهِ والإشباع لَهُ والمماطلة عَلَيْهِ من قَول فو الله لَا أنسى قَتِيلا رزئته)

الْبَيْت.

أَفلا ترى إِلَى تنطعك هَذِه اللَّفْظَة فِي النُّطْق هُنَا بهَا وتمطيك لإشباع معنى الْقسم عَلَيْهَا.

وَكَذَلِكَ أَيْضا قد ترى إِلَى إطالة الصَّوْت بقوله من بعده: بلَى إنّها تَعْفُو الكلوم............ الْبَيْت أَفلا ترَاهُ لما أكذب نَفسه وتدارك مَا كَانَ أفرط فِيهِ لَفظه أَطَالَ الْإِقَامَة على قَوْله بلَى رُجُوعا إِلَى الْحق عِنْده وانتكائاً عَمَّا كَانَ عقد عَلَيْهِ يَمِينه.

فَأَيْنَ قَوْله هُنَا فو الله وَقَوله بلَى مِنْهُمَا فِي قَوْله: لَا وَالله وبلى وَالله. وَعَلِيهِ قَوْله تَعَالَى: وَلَكِن يؤاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّتم الْأَيْمَان أَي: وكدتموها وحققتموها. انْتهى كَلَامه.

وَقَوله: وَلم أدر من ألْقى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ الخ قَالَ ابْن جني: فِي إِعْرَاب الحماسة: من هُنَا اسْتِفْهَام وخبرها ألْقى. وَيجوز أَن تكون مَوْصُولَة

فَتكون مَنْصُوبَة الْموضع بأدري على حد قَوْلك: مَا دَريت بِهِ ثمَّ تحذف حرف الْجَرّ.

وَلَا يحسن أَن تكون نكرَة وَألقى صفة لَهَا لِأَنَّهُ يصير الْمَعْنى لم أدر إنْسَانا ألْقى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ.

وَهَذَا رُبمَا أوهم أَنه لم يلق أحد مِنْهُم رِدَاءَهُ. وَالْأَمر بضد ذَلِك. اه.

وَقَوله: على أَنه قد سل قَالَ التبريزي: مَوضِع على نصب على الْحَال كَأَنَّهُ قَالَ: لَا أدريه مسلولاً عَن ماجد مَحْض.

وروى فِي الحماسة: سوى أَنه وَهُوَ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع وَالْمعْنَى لَا أعرف اسْمه وَنسبه لكنه ولد كريم بِمَا ظهر من فعله.

قَالَ الْقَارِي: لما صرع خرَاش ألْقى عَلَيْهِ رجل ثِيَابه فواراه وشغلوا بقتل عُرْوَة فنجا خرَاش.

وَالرجل الَّذِي ألْقى عَلَيْهِ ثَوْبه من أَزْد شنُوءَة فَقَالَ: لَا أَدْرِي من ألْقى عَلَيْهِ ثِيَابه وَلكنه سل عَن ماجد مَحْض يَعْنِي الرِّدَاء. والماجد الْمَحْض أَي: خَالص النّسَب هُوَ الَّذِي ألْقى عَلَيْهِ ثَوْبه. اه.

فالمسلول على هَذَا هُوَ الرِّدَاء لَا الْوَالِد كَمَا قَالَ التبريزي.

وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فَمَا كتبه على أمالي القالي: فِي هَذَا الْبَيْت ثَلَاثَة أَقْوَال: قَالَ قوم: إِن عُرْوَة لما قتل ألْقى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ رجل من الْقَوْم فَكَفنهُ بِهِ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بل الَّذِي ألْقى عَلَيْهِ الرجل هُوَ خرَاش وَذَلِكَ أَن رجلا من ثمالة ألْقى عَلَيْهِ رِدَاءَهُ ليخفى عَلَيْهِم وَقد شغل الْقَوْم بقتل عُرْوَة فَقَالَ: اهرب. وَعطف الْقَوْم عَلَيْهِ فَلم يروه. وَقيل: بل)

ألْقى رجل على خرَاش رِدَاءَهُ إِجَارَة لَهُ وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ.

وَهَذَا مثل قَول بَعضهم يذكر رجلا من عَلَيْهِ:

انْتهى.

وَقد تقدم هَذَا الْأَخير عَن الْمبرد.

وَقَوله: وَلم يَك مثلوج الْفُؤَاد الخ قَالَ الْقَارِي: أَي: لم يكن مثلوج الْفُؤَاد ضعيفه أَي: بَارِد الْفُؤَاد.

والمثلوج: الْبَارِد. يُقَال: للرجل إِذا لم يكن ذَا رَأْي وحزم: مَا أبرد فُؤَاده وَمَا أخلاه من ذَاك.

وَقَالَ التبريزي: كَأَنَّهُ أصَاب فُؤَاده ثلج فبردت حرارته. والمهبج بِفَتْح الْمُوَحدَة الْمُشَدّدَة بعْدهَا جِيم قَالَ الْقَارِي: هُوَ المثقل الْكثير اللَّحْم المنتفخ الْوَجْه.

وَقَالَ التبريزي: هُوَ المرهل اللَّحْم الْمُتَغَيّر اللَّوْن. والربيلة بِفَتْح الرَّاء الْمُهْملَة بعْدهَا مُوَحدَة قَالَ الْقَارِي: يُقَال إِنَّهَا النِّعْمَة وَالْخصب. وَإنَّهُ لربل اللَّحْم إِذا كَانَ رطب اللَّحْم.

وَلَيْسَ عِنْدِي كَمَا قَالُوا لبيت سمعته وَهُوَ:

ربلنا على الأعدا لنبتغي البواوَلَا من وترنا يستقاد وتير

ف الربيلة: الْكَثْرَة والشدة. يُقَال: رل بَنو فلَان إِذا كَثُرُوا. والوتير: الموتور. والبواء: أَن يقتل الرجل بِالرجلِ. اه.

وَقَالَ التبريزي: الربيلة: الرُّطُوبَة وَالسمن. يُقَال: رجل ربل. وَمعنى الشّعْر أَنه رَجَعَ إِلَى صفة عُرْوَة فَقَالَ: كَانَ ذكي الْفُؤَاد شهماً لم يكن مِمَّن ضيع شبابه فِي صَلَاح الْبدن. وَهَذَا أولى لشيئين: أَحدهمَا: قَوْله وَلم يَك لِأَنَّهُ يدل ظَاهره على أَنه نعت فَائت. وَالْآخر: وَصفه بأوصاف لَا يُوصف بهَا من لَا يعرف. وَلَا يعدل عَن هَذَا الْوَجْه وَإِن كَانَ قد ذكر أَنه من صِفَات الَّذِي أنجى خراشاً. اه.

والخفض: الدعة والراحة.

وَقَوله: وَلكنه قد نازعته الخ قَالَ التبريزي: ويروى: وَلكنه قد لوحته مخامص. ولوحته: غيرته.

والمخامص: جمع مَخْمَصَة وَهِي خلاء الْبَطن من الطَّعَام جوعا. والمجاوع مثل المخامص وَإِنَّمَا أثرت فِيهِ المجاوع لِأَنَّهُ إِذا سَافر آثر صَحبه على نَفسه بزاده ويجوع.

وَقَوله: صَادِق النهض يَعْنِي النهوض للمكارم والعلا لَا يكذب فِيهَا إِذا نَهَضَ لَهَا.

هَذَا مَا أوردهُ صَاحب الحماسة وَغَيره وَزَاد أَبُو بكر الْقَارِي والمبرد فِي الْكَامِل بعد هَذَا)

بَيْتَيْنِ وهما:

كأنّهم يشّبّثون بطائرٍخَفِيف المشاش عظمه غير ذِي نحض
للشاعر أبو خراش الهذلي، اقرأ القصيدة

قَالَ الْقَارِي: يَقُول: هَؤُلَاءِ الَّذين يعدون خلف خرَاش كَأَنَّهُمْ يتعلقون بطائر خَفِيف المشاش أَي: لَيْسَ بِكَثِير اللَّحْم. يُقَال لكل مَا استخف وخف: إِنَّه لخفيف المشاش بِضَم الْمِيم. والطائر: الْعقَاب. ثمَّ قَالَ: عظمه غير ذِي نحض أَي: هُوَ خَفِيف لَيْسَ بمثقل. والنحض: اللَّحْم. اه.

وروى الْمبرد: كَأَنَّهُمْ يسعون فِي إِثْر طَائِر. وَهَذَا الْبَيْت يُؤَيّد مَا اخْتَارَهُ التبريزي من أَن الْكَلَام فِي وصف خرَاش.

يُبَادر جنح اللّيل فَهُوَ مهابذٌيحثّ الْجنَاح بالتّبسّط وَالْقَبْض

قَالَ الْقَارِي: فَهُوَ مهابذ يَعْنِي الطَّائِر والمهابذ: فَهُوَ جاد نَاجٍ. وَأَصله من مر يهذب إهذاباً وَلكنه قلب. وَالْقَبْض: أَن يقبض جناحيه.

وَقَالَ لي الْأَصْمَعِي: سَمِعت ابْن أبي طرفَة ينشد مهابذ وَإِنَّمَا أَرَادَ مهاذب فقلبه فَقَالَ: مهابذ.

يُقَال: مر يهذب إهذاباً إِذا عدا عدوا شَدِيدا. وَقد سَمِعت غَيره يَقُول مهابذ أَي: جاد. اه.

قَالَ الْمبرد: وَقَوله فَهُوَ مهابذ يَقُول: مُجْتَهد. وهذيل فِيهَا سعي شَدِيد وَفِي جمَاعَة من الْقَبَائِل الَّتِي تحل بِأَكْنَافِ الْحجاز.

وَأنْشد بعده:

إنّ من يدْخل الْكَنِيسَة يَوْمًايلق فِيهَا جآذراً وظباء
للشاعر الأخطل، اقرأ القصيدة

على أَن اسْم إِن ضمير شَأْن مَحْذُوف وَالْجُمْلَة بعْدهَا خَبَرهَا وَإِنَّمَا لم يَجْعَل من اسْمهَا لِأَنَّهَا شَرْطِيَّة بِدَلِيل جزمها الْفِعْلَيْنِ وَالشّرط لَهُ الصَّدْر فِي جملَته فَلَا يعْمل فِيهِ مَا قبله.

وَقد تقدم الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت فِي الشَّاهِد الثَّامِن وَالسبْعين.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»