تجاوز إلى المحتوى

من «خزانة الأدب» لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣هـ)

الشَّاهِد الرَّابِع بعد الأربعمائة:

فيه ٣ أبيات

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

الشَّاهِد الرَّابِع بعد الأربعمائة:

وكائن بالأباطح من صديقٍيراني لَو أصبت هُوَ المصابا
للشاعر جرير، من قصيدة «سإمت من المواصلة العتابا»

على أَن رُبمَا وَقع ضمير الْفَصْل بِلَفْظ الْغَيْبَة بعد حَاضر لقِيَامه مقَام مُضَاف غَائِب أَي: يرى مصابي هُوَ الْمُصَاب.

بَيَانه: أَن هُوَ فصل وَقع بعد ضمير الْحَاضِر أَي: الْمُتَكَلّم فَكَانَ حَقه فِي الظَّاهِر أَن يَقُول: يراني أَنا الْمُصَاب لِأَن ضمير الْفَصْل يجب أَن يكون وفْق مَا قبله فِي الْغَيْبَة وَالْخطاب التَّكَلُّم لِأَن فِيهِ نوعا من التوكيد تَقول: علمت زيدا هُوَ المنطلق وعلمتك أَنْت المنطلق وعلمتني أَنا المنطلق.

وَحِينَئِذٍ يتَوَجَّه عَلَيْهِ سؤالان: أَحدهمَا: كَيفَ وَقع ضمير الْغَيْبَة بعد ضمير الْمُتَكَلّم وَحقّ الْفَصْل أَن يكون وفقاً لما قبله وَثَانِيهمَا: أَن الْمَفْعُول الثَّانِي فِي بَاب

علم يجب أَن يكون مُوَافقا للْمَفْعُول الأول فِي الماصدق فَكيف يَصح حمل الْمُصَاب الَّذِي هُوَ بِمَعْنى الْمُصِيبَة على الْيَاء فِي يراني وَأجَاب الشَّارِح الْمُحَقق عَنْهُمَا بِمَا ذكره وَهُوَ أَن الضَّمِير الْحَاضِر وَهُوَ الْيَاء قَائِم مقَام الْمُضَاف الْغَائِب أَي: يرى مصابي هُوَ الْمُصَاب. وَالْمعْنَى يرى مصابي هُوَ الْمُصَاب الْعَظِيم وَيسْقط بِهَذَا الْجَواب السؤالان.

وَوجه قيام الْيَاء مقَام الْمُضَاف أَن مفعول يرى فِي الْحَقِيقَة هُوَ الْمُضَاف الْمَحْذُوف وَالْيَاء مُضَاف إِلَيْهِ فَلَمَّا حذف الْمُضَاف قَامَ الْيَاء الْمَجْرُور محلا مقَام ذَلِك الْمُضَاف الْمَنْصُوب على المفعولية فالفصل مُطَابق للمحذوف لَا للقائم مقَامه.

وَإِنَّمَا وصف الْمُضَاف بالغائب لِأَنَّهُ اسْم ظاه وَهُوَ فِي حكم الْغَائِب وَلِهَذَا يعود ضمير الْغَيْبَة إِلَيْهِ. والمصاب على هَذَا مصدر ميمي كَقَوْلِهِم: جبر الله مصابك أَي: مصيبتك. وَإِنَّمَا وصف الْمُصَاب بالعظيم لتحصل الْفَائِدَة وَمثله فِي حذف الصّفة: الْآن جِئْت بِالْحَقِّ أَي: بالواضح وَإِلَّا لكفروا بِمَفْهُوم الظّرْف إِذْ يكون الْمَعْنى: وَقبل الْآن لم يجِئ بِالْحَقِّ فَيكون إنكاراً لما جَاءَ بِهِ أَولا.

وَيجوز أَن لَا تقدر الصّفة ويكتفي بالفائدة الْحَاصِلَة من الْحصْر وَالْمعْنَى لَو أصبت يرى مصيبتي هِيَ الْمُصِيبَة وَلَا يعد غَيرهَا مُصِيبَة وَذَلِكَ من تَأَكد صداقته لَا يكترث بمصيبة غَيْرِي وَلَا يهتم لَهَا.)

ولصحة الْمَعْنى هُنَا لم يقدر الشَّارِح الْمُحَقق الصّفة. فَللَّه دره مَا أدق نظره وَهَذَا الَّذِي ذكره فِي هَذَا الْبَيْت أحد تخريجين لأبي عَليّ الْفَارِسِي ذكرهمَا فِي إِيضَاح الشّعْر قَالَ: يجوز أَن يكون التَّقْدِير فِي يراني يرى مصابي أَي: مصيبتي وَمَا نزل بِي الْمُصَاب كَقَوْلِك: أَنْت أَنْت ومصيبتي الْمُصِيبَة. أَي: مَا عداهُ جلل هَين فَيكون هُوَ فصلا بَين الْمُضَاف الْمُقدر وَبَين الظَّاهِر.

وَاقْتصر على هَذَا التَّخْرِيج ابْن الشجري فِي أَمَالِيهِ ثمَّ قَالَ: وَلَو أَنه قَالَ: يرَاهُ لَو أصبت هُوَ المصابا فَأَعَادَ الْهَاء من يرَاهُ إِلَى الصّديق وَالْمعْنَى يرى نَفسه

كَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيل: إنَّ الْإِنْسَان ليَطْغَى أنْ رآهُ استَغْنى لسقط الِاعْتِرَاض وَاسْتغْنى عَن تَقْدِير الْمُضَاف ولكان الْمُصَاب اسْم مفعول من قَوْلك:

أُصِيب زيد فَهُوَ مصاب. وَلَكِن الْمَرْوِيّ: يراني. انْتهى.

أَقُول: لم يرو الْأَخْفَش فِي كتاب المعاياة إِلَّا: يرَاهُ لَو أصبت هُوَ المصابا بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة وَضمير الْغَائِب.

وَقَالَ ابْن هِشَام فِي الْمُغنِي: ويروى: يرَاهُ أَي: يرى نَفسه وتراه بالخطا وَلَا إِشْكَال حِينَئِذٍ وَلَا تَقْدِير. والمصاب حِينَئِذٍ اسْم مفعول لَا مصدر. وَلم يطلع على هَاتين الرِّوَايَتَيْنِ بَعضهم فَقَالَ: وَلَو أَنه قَالَ يرَاهُ لَكَانَ حسنا أَي: يرى الصّديق نَفسه مصاباً إِذا أصبت. اه.

والتخريج الآخر الَّذِي ذكره أَبُو عَليّ: أَن يكون تَأْكِيدًا لمستتر فِي يراني لَا فصلا. قَالَ: مَوضِع هُوَ رفع لكَونه تَأْكِيدًا للضمير الَّذِي فِي يراني لِأَن هُوَ للْغَائِب وَالْمَفْعُول الأول فِي يراني للمتكلم والفصل إِنَّمَا يكون الأول فِي الْمَعْنى كَقَوْلِه سُبْحَانَهُ: أَنا أقلُّ مِنْكَ مَالا وولَداً.

أَلا ترى أَن أَنا هُوَ الْمَفْعُول الأول الْمعبر عَنهُ بني. وَالْمعْنَى: يراني هُوَ المصابا أَي: يراني للصداقة الْمُصَاب لغلظ مصيبتي عَلَيْهِ للصداقة وَلَيْسَ كالعدو أَو الْأَجْنَبِيّ الَّذِي لَا يهمه ذَاك. اه.

فالمصاب على هَذَا اسْم مفعلو لَا مصدر.

وَبَقِي تَخْرِيج ثَالِث نَقله ابْن هِشَام عَن بَعضهم فِي الْمُغنِي وَهُوَ أَن يَجْعَل هُوَ فصلا للياء. وَوَجهه بِأَنَّهُ لما كَانَ عِنْد صديقه بِمَنْزِلَة نَفسه حَتَّى كَانَ إِذا أُصِيب كَأَن صديقه قد أُصِيب فَجعل ضمير الصّديق بِمَنْزِلَة ضَمِيره لِأَنَّهُ نَفسه فِي الْمَعْنى. اه.

وَزعم ابْن الْحَاجِب فِي أَمَالِيهِ أَن الرِّوَايَة: لَو أُصِيب هُوَ المصابا وَقَالَ: شَرط الْفَصْل أَن يَأْتِي على طبق الْخَبَر فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يكون أَنا لِأَن الْمُصَاب مفعول ثَان ليراني وَالْمَفْعُول الأول الْيَاء)

وَهِي للمتكلم وَالْمَفْعُول الثَّانِي هُوَ الأول فِي الْمَعْنى

فَكَانَ يجب أَن يكون الْفَاصِل على الْقيَاس أَنا. وَوَجهه أَنه لَيْسَ على الْفَصْل بل هُوَ تَأْكِيد للضمير الْمُسْتَتر فِي يراني أَو للضمير فِي أُصِيب.

وَأما إِن قدر لَو أصبت لم يستقم الْمَعْنى إِذْ تَقْدِيره يراني مصاباً إِذا أصابتني مُصِيبَة. وَلَا يخبر بِمثل ذَلِك عَاقل إِذْ لَا يتَوَهَّم خِلَافه. اه.

فالمصاب الْمَذْكُور عِنْده اسْم مفعول لَا مصدر.

وَقد خَفِي هَذَا على ابْن هِشَام فَقَالَ فِي الْمُغنِي بعد نقل كَلَامه. وعَلى مَا قدمْنَاهُ من تَقْدِير الصّفة لَا يتَّجه الِاعْتِرَاض.

قَالَ الدماميني فِي الْحَاشِيَة الْهِنْدِيَّة: الصّفة الَّتِي أَشَارَ إِلَيْهَا إِنَّمَا قدرهَا على جعل الْمُصَاب مصدرا لَا اسْم مفعول وَكَلَام ابْن الْحَاجِب فِيمَا إِذا كَانَ الْمُصَاب اسْم مفعول لَا مصدرا وَلذَلِك جعله مَفْعُولا ثَانِيًا ليرى وَالْمَفْعُول الأول هُوَ الْيَاء وَلَوْلَا ذَلِك لما صَحَّ بِحَسب الظَّاهِر.

والاعتراض الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن الْحَاجِب غير مُتَّجه مَعَ الْإِعْرَاض عَن تَقْدِير الصّفة وَذَلِكَ لِأَن مبناه على أَن يكون مصاباً اسْم مفعول نكرَة وَالْوَاقِع فِي الْبَيْت لَيْسَ نكرَة بل هُوَ معرف بأل والحصر مُسْتَفَاد من التَّرْكِيب كَقَوْلِك: زيد هُوَ الْفَاضِل لَا غَيره.

وَكَذَا الْمَعْنى فِي الْبَيْت أَي: لَو أصبت رَآنِي الْمُصَاب بِمَعْنى أَنه لَا يرى الْمُصَاب إِلَّا إيَّايَ دون غَيْرِي كَأَنَّهُ لعظم مَكَانَهُ عِنْده وَشدَّة صداقته لَهُ تتلاشى عِنْده مصائب غير صديقه فَلَا يرى غَيره مصابا وَلَا يرى الْمُصَاب إِلَّا إِيَّاه مُبَالغَة. فَالْمَعْنى صَحِيح مُتَّجه كَمَا رَأَيْت بِدُونِ تَقْدِير صفة. اه.

وَقَوله: لَو أصبت جملَة مُعْتَرضَة بَين مفعولي يرى وَجَوَاب لَو مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ مَا قبله ويراني بِمَعْنى يعلمني وفاعله ضمير صديق وَالْجُمْلَة خبر كَائِن. وبالأباطح كَانَ فِي الأَصْل صفة لصديق فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ صَار حَالا مِنْهُ. وَمن صديق تَمْيِيز لكائن وتمييزها مجرور ب من فِي الْغَالِب.

وكائن هُنَا خبرية لإِفَادَة التكثير ككم الخبرية.

وَرَوَاهُ الْأَخْفَش فِي المعاياة: وَكم لي فِي الأباطح من صديق

وَأوردهُ الزّجاج فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى: وكائن من نبيٍّ قُتِلَ مَعَهُ ربِّيُّون كثيرٌ. قَالَ: وكائن على وزن فَاعل وَأكْثر مَا جَاءَ الشّعْر على هَذِه اللُّغَة. ثمَّ أنْشد هَذَا الْبَيْت مَعَ أَبْيَات أخر.)

والأباطح: جمع أبطح وَهُوَ مسيل وَاسع للْمَاء فِيهِ دقاق الْحَصَى.

وَهَذَا الْبَيْت من قصيدة لجرير بن الخطفى مدح بهَا الْحجَّاج بن يُوسُف الثَّقَفِيّ.

وَبعده: وَمِنْهَا:

إِذا سعر الْخَلِيفَة نَار حربٍرأى الحجّاج أثقبها شهابا
للشاعر جرير، من قصيدة «سإمت من المواصلة العتابا»

ومطلع القصيدة:

سئمت من المواصلة العتاباوَأمسى الشّيب قد ورث الشّبابا
للشاعر جرير، من قصيدة «سَئِمْتُ مِنَ المُوَاصَلَة ِ العِتَابَا»

وَمعنى وراثة الشيب الشَّبَاب حُلُوله مَحَله فَإِن الْوَارِث يحل مَحل الْمَوْرُوث.

وترجمة جرير قد تقدّمت فِي الشَّاهِد الرَّابِع من أَوَائِل الْكتاب.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحقق. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «خزانة الأدب»