من «الأنوار ومحاسن الأشعار» للشمشاطي (ت ٣٧٧هـ)
في الصُّقور
الصقر أصبرها على الحرّ والبرد، وأحملها لتأخُّر الطُّعم، والعرب تسمِّيه الأجدل، وجماعه الأجادل: قال عبد مناف بن ربعٍ الهذليّ:
يُخُوتُونَ أُخْرى القَوْمِ خَوْتَ الأَجادِلِ
والخائتة: العقاب التي تختات، وهو صوت جناحها. فاستعاره للصُّقور، ويقال للصَّقر أيضاً: المضرحىُّ، قال طرفة:
كأَنَّ جَنَاحَىْ مَضْرَحِىٍّ تَكنَّفَاجِفَافَيْهِ شُكَّا في العَسِيبِ بمِسْرَدِ
وتسميِّه القطامىّ والقطاميّ، والعرب تشبِّه خيولهم في سرعتا به إذا انقضَّ، وإذا رصفوا رجلاً بالذّكاء، وحدَّة الخاطر والناظر شبَّهوه بالصقر، قال جريرٌ يرثى ابنه:
مَضَى جُنَادَةُ يَجْلو مُقْلَتَىْ ضَرِمٍمُصَرْصِرٍ بَاتَ فوقَ المَرٌقَبِ العَالِى
وقال آخر:
ويَنْظُرُ في أَعطافه نَظَرَ الصَّقْرِ
ومثل هذا في أشعارهم كثيرٌ.
وقال أبو صفوان الأسديّ يصفه بعد ذكره فرخ قمرية.
وقد صادَهُ ضَرِمٌ مُلْحَمٌخَفوقُ الجَنَاحِ حَثِيثُ النَّجَا
حَدِيدُ المَخَالِبِ عارِى الوَظيفِ ضارٍ من الزُّرْق فيه قَنَا
تَرَى الوَحشَ والطَّيْرَ من خَوْفهجَوَاحِرَ منه إِذا ما اغْتَدَى
فباتَ عَذُوباً على مَرْقَبٍبشَاهِقَةٍ صَعْبَةِ المُرْتَقَى
فلمَا أَضاءَ له صُبْحُهونَكَّبَ عن مَنكِبَيْهِ النَّدَى
وحَثَّ بمِخْلَبِه قَارِتاًعلى خَطْمِه مِن دِمَاءِ القَطَا
فصَاعَدَ في الجَوِّ ثمّ اسْتدارَ ضارٍ خبيثٌ إِذا ما انْصَمَى
فآنسَ سِرْبَ قَطاً قَارِبٍجَبَا مَنْهَلٍ لم تَجُحْهُ الدِّلاَ
فأَقْعَصَ منهنّ كُدْرِيَّةًفمَزَّقَ حَيْزُومَها والحَشَا
وعلى هذه السبيل كانت صفاتهم للصقور والعقبان، لا أنَّهم هم الّذين صادوا ولا أدَّبوها.
وقال أبو نواس:
لا صَيْدَ إِلاَّ بالصقور اللُّمَّحِ
كلِّ قطَامىّ بَعِيدِ المطْرَحِ
يَجْلُو حِجَاجَىمُقْلةٍ لم تجْرَحِ
لم تَغْذُهُ باللَّبَنِ المُضيَّحِ
أُمٌّ ولم يُولدْ بسَهْلِ الأَبْطَحِ
إِلاّ بأَشْرَافِ الجِبَالِ الطُّمَّحِ
يُلْوِى بخِزَّانِ الصَّحَارَى الجُمَّحِ
بسَلَبٍ كالنَّيْزَكِ المُذَرَّحِ
ومِنْسَرٍ أَشغَى كأَنْفِ المِجْدَحٍ
أَبْرَشِ ما بينَ القَنَا والمَذْبَحِ
وممَّاع ملح فيه أبو نواس جعل الدِّرهم صقراً، وأضافه إلى الطَّرد فقال:
أَنعتُ صَقْراً يَنْعَتُ الصقورَا
مُظَفَّراً أَبيضَ مُستدِيرَا
وِلاَدَ شَهْرٍ وَاضِحاً مُنِيرَا
تَخالُه في قَدِّه العَبُورَا
مُكَرَّماً يَجْتنِبُ الصَّفِيرَا
إِلاّ إِذا حُرِّك أَو أُثيِرَا
فهْو صَغِيرٌ يَفْعَلُ الكَبِيرَا
تَرَى الحَمَاليقَ إليه صُورَا
والصَّيْد يأْتِيك به مِسرورَا
ينْعشُ ذا الحاجَة والفَقِيرَا
يَخْتطِف الأَرنبَ واليَعفورَا
ولو بَغَى مُرْسِلُهُ النُّسورَا
والوَحْشَ جَمْعاً أضو بَغَى العَشِيرَا
لَجاءَ سهْلاً سِلِساً يَسِيرَا
ما آبَ مَن صادَ به مَبْهُورَا
مِن طَلَبِ الصَّيْدِ ولا حَسِيرَا
ولا تَشكَّى الأَيْنَ والفُتُورَا
بهِ يَصِيدُ الشادِنَ الغَرِيرَا
ما هَانَ مَن يَمْلِكُهُ الدُّهورَا
ولعبد الصَّمد بن المعذَّل في الصقر:
وعازبٍ باكَرَه الغُرُّ الفُرُطْ
تَخايَلَ النَّبْتُ به الجَعْدُ القَطَطْ
نُوّارُه مثلُ الذُّبَال قد سُلِطْ
كأَنّما الوَشَىُ عليه قد بُسِطْ
قال له الغَيثُ من الرُّوَّادِ مِطْ
للطّيْرِ فيه آنِفَ اليَوْمِ لَغَطْ
رَطَانةَ الزُّطِّ إِذا لاقَين زُطّْ
من كُلّ عَفْرَاءَ بدَفَّيْها رَقَطْ
وبذَنابَاها وبالجيد نُقَطْ
والجَنَاحَين وبالرأْسِ خُطَطْ
كأَنّ دِيباجاً عليها لم يُخَطْ
أَوْفَيْتُ والمَيْسَانُ من نَوْمٍ يَغِطّْ
والليْلُ بالصُّبْح مَلوثٌ مُختلِطْ
بصَادِقِ اللَّحْظِ قُطَامىٍّ سَلِطْ
أَفْتَى رَحِيبِ الشِّبْر مَحبوكٍ سَبِطْ
ما يَلْقَ بالْمِخْلَب من مَسْكٍ يَعُطّْ
حتّى إِذا حُدَّ مِقَاطٌ فنَشِطْ
وخُرِطَ المَوْتُ عَلَيْهَا إِذ خُرِطْ
ومَرَّ يَهْوِى كالحُسَامِ المُمْتَعِطْ
قَذَفْن ذَرْقاً كعَثَانِينِ الشُّمُطْ
يَصُكُّها صَكاً دِرَاكاً ويَحْطّْ
أَما رَأَيْتَ النارَ في الحَلْفَاءَ قَطّْ
فازَ امرؤُ حالَفَ صَقْراً واغْتبَطْ
ولشرشير في الصقر:
نَغْدُو بصَقْرٍ كُرَّز مُوَهّلِ
مُدَرَّعٍ دِرْعَ حَرِيرٍ مُخْمَلِ
مُفَوَّفٍ مُجَزَّعٍ مُرَحَّلِ
كأَنَّه في قَرْطَقٍ مُفَصَّلِ
مُنَمَّرِ الأَعْلَى حَصِيفِ الأَسْفَلِ
يَرُوق في الناظِر عيْنَ المُجْتَلِى
يَسْبِق عَفْواً مُنْيَةَ المُؤَمِّلِ
يَنْسُرُ بالمِنْسَرِ كلَّ مُعْجلِ
كأَنّه يَنْجُلُه بمِنْجَلِ
وله أيضاً:
أَنعَتُ صَقْراً يَفْرِسُ الصُّقُورَا
ويَنْسُرُ العِقْبَانَ والنُّسُورَا
يَجْتَابُ بُرْداً فَاخِراً مَطروراً
مُسَيَّراً بكِفَفٍ تَسْيِيرَا
وقد تَقَبَّى تَحتَه حَرِيرَا
يُضَاعِفُ الوَشْىُ به التَّنْمِيرَا
مُنْعَرِجاً فيه ومُسْتدِيرَا
كما يَضمُّ الكاتبُ السُّطورَا
كأَنّه قد مُلِّك التصويرَا
لنَفْسِه فأَحْسَنَ التَّقدِيرَا
تَرومُ منه أَسَداً هَصورَا
كأَنّ في مُقلَتِه سَعِيرَا
تَخالُه من قَلَقٍ مذعورَا
ذا حَذَرٍ يستوضِحُ الأُمُورَا
تَرَى الإِوَزَّ منه مُستَجِيرَا
يُناكِبُ الضَّحْضاحَ والغَديرَا
يُثْبِتُ في أَحشائِهَا الأُطْفورَا
خَطْفاً تَرَاهُ مُهْلِكاً مُبِيرَا
يَنتَظِمُ الأَسْحَارَ والنُّحورَا
إِذا تَشظَّتْ زُمَراً نُفُورَا
أَعْجَلَها من قَبْل أَن تَحُورَا
وله في الصقور:
قد أَغْتدِى وعُيُونُ الفَجْرِ وَاسِنَةٌوالشّمْسُ راقِدَةٌ عن عَينِ باغِيهَا
بالمضْرَحِيَّاتِ يَحْتَثُّ النِّزَاعُ بهاكالأُسْد تَذعَرُها والنَّارِ تُذْكِيهَا
حُجْنٍ مَنَاسِرُهَا عُقُفٍ أَظافِرُهاكأَنَّهَا من حَدِيدٍ رُكِّبتْ فيهَا
كأَنّ أَعيُنَهَا جَزْعٌ تُطِيفُ بهِدَارَاتُ تِبْرٍ أُذِيبَتْ في مَآقِيهَا
تُدِيرُهَا بحَمَالِيقٍ مُزيِّلَةٍعنها قَذَاهَا فتُخْفِيَها وتُبْدِيهَا
تكادُ تَعْرِفُ في عَيْنَىْ مُعَلَّمِهَاأَوَامِراً من ضَمِيرِ القَلْبِ يُوحِيهَا
أَسُومُهَا لُجّةً لاحَتْ مَشَارِعُهَاوانْصَاعَ جَدْوَلُهَا وارْتَجَّ طَامِيهَا
فيها من الطَّيْرِ أَنواعٌ مُصنَّفَةٌسُبحانَ مُبْدِعِها فنيا ومُنْشِيهَا
مُدبَّجات بأَلْوَان مُذهَّبَةمَوْشِيّة برُقومٍ جَلَّ وَاشِيهَا
كأَنّهنَ رِيَاضٌ بينَهَا زَهَرٌيَحُفُّ بُطْنَاَنَهَا منها ضَوَاحِيَها
مُطَرّزَات بأَعْلام مُنَيَّرَةكالجزْعِ تَنْشُرُهَا حالاً وتَطْوِيهَا
ماذَا تَظُنّ وأَشباهُ السِّبَاع لهاخَوَاطِفٌ خُلُسٌ قد حُكِّمَتْ فِيهَا
ولعبد الله بن المعتزّ في الصقر:
يا رُبّ ليلٍ كجنَاحِ النَّاعِقِ
سَرَيْتُه بفِتْيةٍ بَطَارِقِ
تَنْتابُ صَيْداً لم يُرَعْ بطارِقِ
بِأَجْدَلٍ يَلْقَنُ نُطْقَ النّاطِقِ
مُلَمْلَمِ الهَامةِ فَخْم العَاتِقِ
ذي مَخْلَبٍ أَقْنَى كنُونِ المَاشِقِ
وجُؤْجُوٍ لاَبِسِ وَشْىٍ رائِقِ
كأَثَرِ الأَقلامِ في المَهَارِقِ
أضو كبَقَايَا الكُحْلِ في الحَمَالِقِ
حتَّى بَدَا ضَوْءُ صَبَاحٍ فاتِقِ
وله في الكلاب والصقور:
وقِيدَتْ لِحتْف الصَّيْدِ غُضْفٌ كَوَاسبٌكمِثلِ قِدَاحش البَارِيَات نَحَائِفُ
إِذا انْخرطَتْ من القلائدِ خِلْتَهَاتَرَامَى بها هُوجُ الرّيَاحِ العَوَاصِفُ
تَقاسَمَهَا قَبْضَ النُّفوسِ أَجادِلٌففِى الأَرْض نَهّاشٌ وفي الجَوّ خاطِفُ
كأَنّ دِلاَءً في السَّمَاءِ تَحُطُّهَاوتَرْقَى بها أَيدٍ سِرَاعٌ غَوَارِفُ
يُشَقِّقُ آذَانَ الأَرَانبِ صَكُّهَاكما صَكَّ أَنْصافَ الكَوَافِيرِ خَارِفُ
فصَبَّحَ خِزَّانَ القُرَيَّةِ غُدْرَةٍشَياطِينُ في أَفْوَاههنّ المَتَالِفُ
وله في الفرس والصقر:
قد أَغْتَدِى والليلُ ذو مَشيبِ
بقَارحٍ مُسَوَّمٍ يَعْبُوبِ
ذي أُذُنِ كخُوصَةِ العَسِبِ
أَوْآسَهٍ أَوْفَتْ على قَضِيبِ
يَسْبِقُ شَأْوَ النَّظَرِ الرَّحيبِ
أَسْرَع من مَاءٍ إلى تَصْوِيبِ
ومن نُفُوذِ الفِكْر في القُلوبِ
وأَجْدَلٍ حُكِّمَ في التَّأْديبِ
صبٍّ بكَفِّ كلِّ مُسْتجيبِ
أَسْرَع من لحْظَةِ مُستَرِيبِ
وقال إسحاق بن خلف:
جِئنَا بِه من صَيْده نَزُفُّهُ
وكلُّنا من شَفَقٍ نَحُفُّهُ
أَشْغَى قَليلٌ رِيشُه وزِفُّهُ
مُختضِبٌ مِنْسَرُهُ وكَفُّهُ
من الدِّماءِ مزْجُهُ وصِرْفُه
سِيَّانِ ما قُدّامُهُ وخَلْفُهُ
ولأبي مليطٍ العنبريِّ يهجو صقراً:
مالك من صَقْر لقِيتَ حَتْفَكَا
أَمَا تَرَى إِلى الحُبَارَى خَلْفَكَا
لائِذةً لم تَرَ صَقْراً قَبلكَا
وأَرْنباً أُخْرَى أَثَرْناهَا لَكَا
وكَرَوانَاتٍ كَيِيراً حَوْلَكَا
تُقْبِل نَحْوىِ وتُوَلِّيَها اسْتَكَا
لقد عَرفْتُ أَذ رأيْتُ نَوْمَكَا
تَجْعلُ في ثِنْىِ الجناحِ رَأْسَكَا
إِنَّك لن تُغْنِىَ عنِّى نَفْسَكَا
وهذه الأبيات طريفةٌ في معناها، وقعت من الأفراد وإن لم تكن من الكلام البارع.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع