من «اللطائف والظرائف» لأبي منصور الثعالبي (ت ٤٢٩هـ)
باب ذم الإخوان
كان عمرو بن العاص ﵁ يقول: من كثر إخوانه كثر غرماؤه؛ يعني في قضاء الحقوق. وقال عمر بن مسعدة: العبودية عبودية الإخاء لا عبودية الرق. وقال إبراهيم بن العباس: مثل الإخوان كالنار قليلها متاع، وكثيرها بوار. وقال الكندي لابنه: يا بني الأصدقاء هم الأعداء، لأنك إذا احتجت إليهم منعوك، وإذا احتاجوا إليك ثلبوك وسلبوك.
وكان بعضهم يقول في دعائه: اللهم أحرسني من أصدقائي، فإذا قيل له في ذلك، قال: أقدر على الاحتراس من أعدائي، ولا أقدر على الاحتراس من أصدقائي. وقال ابن المعتز: أصدقاء السوء كشجرة النار يحرق بعضها بعضا. وقال أيضا: إنما تطيب الدنيا بمساعدة الإخوان، وينتفع بهم في كافة الأحوال، وإلا فعلى الصداقة الدمار، وما أرجوه منها إذا كانت تنقطع في الآخرة، ولا تتصل بما أحب في الدنيا.
وقال أبو العتاهية:
أنت ما استغنيت عنصاحبك الدهر أخوه
فإذا احتجت إليهساعة مجّك فوه
وقال إبراهيم بن العباس:
نعم الزمان زمانيالشأن في الإخوان
فيمن رماني لمارأى الزمان رماني
لو قيل لي خذ أمانامن أعظم الحدثان
لما طلبت أماناإلّا من الإخوان
وقال ابن الرومي:
عدوك من صديقك مستفادفلا تستكثرنّ من الصّحاب
فإن الداء أكثر ما تراهيكون من الطعام أو الشراب
وللإمام الشافعي ﵁:
صديقك من يعادي من تعاديبطول الدهر ما سجع الحمام
ويوفي الدين عنك بغير مطلولا يمنن به أبدا دوام
فإن صافى صديقك من تعاديويفرح حين ترشقك السهام
فذاك هو العدو بغير شكتجنّبه فصحبته حرام
فإنّا قد سمعنا بيت شعرشبيه الدرّ زينه النظام
إذا وافى صديقك من تعاديفقد عاداك وانفصل الكلام
ولبعضهم:
وأنت أخي ما لم تكن لي حاجةفإن عرضت أيقنت أن لا أخا ليا
وقال ابن المعتز:
وأفردني عن الإخوان علميبهم فبقيت مهجور النواحي
إذا ما قل وقري قلّ مدحيفإن أثريت عادوا في امتداحي
فكم ذم لهم في جنب مدحوجد بين أثناء المزاح
وقال آخر:
آخ من شئت ثم رم منه شيئاتلقى من دون ما أردت الثريا
وللمتنبي:
صديقك أنت لا من قلت خلّيوإن كثر التجمّل والكلام
ومن غير الكتاب:
إحذر عدوك مرةواحذر صديقك ألف مره
فلربما انقلب الصديقفكان أخبر بالمضره
وقال آخر:
ألا إنّ إخواني الذين عهدتهمأفاعي رمال ما تقصّر في لسعي
ظننت بهم خيرا فلما بلوتهمحللت بواد منهم غير ذي زرع
ولبعضهم:
صديق يفدّينا إذا كان حاضراويوسعنا في حال غيبته لسعا
له لطف قول دونه كلّ رقيةولكنه في فعله حية تسعى
النص من طبعة دار المناهل ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع