قصة «أراكَ عصيَّ الدمع»: روميّات أبي فراس الحمداني
بقلم عبدالله الزيدي · آخر تحديث ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦
من أبو فراس الحمداني؟
أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان أميرٌ فارس وشاعر من بيت بني حمدان، وابن عم سيف الدولة أمير حلب. نشأ في كنفه بعد مقتل أبيه، وولّاه منبج وما حولها، فجمع بين السيف والقلم، وعاش على ثغور الشام في حرب متصلة مع الروم، يقود الغارات ويصدّها.
ويُروى عن الصاحب بن عبّاد قوله: «بُدئ الشعر بملك وخُتم بملك»، يعني امرأ القيس وأبا فراس. وسواء صحّت النسبة أم لم تصح، فهي تعبّر عن منزلته: شاعر أمير لا يتكسّب بشعره، يقول ما يشعر به لا ما يُطلب منه.
ما الروميات؟
الروميّات قصائد نظمها أبو فراس الحمداني وهو أسير عند الروم في القسطنطينية، وسُمّيت بذلك نسبةً إليهم. يشكو فيها الأسر والغربة، ويحنّ إلى أمه وأهله وبلاده، ويعاتب سيف الدولة على إبطائه في فدائه، ويفخر بقومه وبنفسه. وهي أصدق شعره وأشهره على الإطلاق.
أُسر أبو فراس في إحدى المعارك مع الروم، وحُمل إلى القسطنطينية، فبقي في الأسر سنين، يكتب إلى أهله وإلى سيف الدولة، وتصل قصائده إلى حلب فتُروى وتُحفظ. وتختلف المصادر في تفاصيل أسره: فبعضها يذكر أنه أُسر مرتين، وتروي أخبار متأخرة أنه نجا في المرة الأولى بأن قفز بفرسه من أعلى الحصن إلى الفرات، وهي رواية يشكّ فيها كثير من الدارسين.
وأيًّا كانت التفاصيل، فقد صار الأمير الفارس حبيسًا بعد حياة الخيل والثغور، ومن هذا الانكسار وُلدت الروميات: شعر رجل اعتاد أن يأمر، فوجد نفسه ينتظر.
ما قصة «أراك عصي الدمع»؟
«أراكَ عصيَّ الدمعِ شيمتُكَ الصبرُ» رائيةٌ يخاطب فيها أبو فراس نفسه: كبرياء الفارس تمنعه البكاء، وقلب الشاعر يفيض بالشوق. وهي أشهر ما يُنسب إلى الروميات وأكثره تداولًا، تجمع الغزل والفخر والشكوى من قلة الوفاء، وقد غنّتها أم كلثوم فبلغت جمهورًا واسعًا.
تبدأ القصيدة بسؤال: «أراكَ عصيَّ الدمعِ شيمتُكَ الصبرُ، أما للهوى نهيٌ عليكَ ولا أمرُ؟»، ثم يأتي الجواب اعترافًا مكتومًا: «بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعةٌ، ولكنّ مثلي لا يُذاعُ له سرُّ». فالحب حاضر، لكن الفارس لا يبوح به.
ثم ينتقل إلى الفخر، فيدفع عن نفسه عار الأسر: «أُسرتُ وما صحبي بعُزلٍ لدى الوغى، ولا فرسي مهرٌ ولا ربُّه غمرُ»، ويثق بأن قومه سيعرفون قدره حين يفتقدونه: «سيذكرني قومي إذا جدّ جدُّهم، وفي الليلةِ الظلماءِ يُفتقدُ البدرُ». ومن فخره فيها بيت يلخّص روح القصيدة كلها: «ونحنُ أناسٌ لا توسّطَ بيننا، لنا الصدرُ دونَ العالمينَ أو القبرُ».
لماذا عاتب أبو فراس سيف الدولة؟
لأن فداءه تأخّر سنين وهو ابن عم الأمير وأحد فرسانه، فظنّ أن سيف الدولة قصّر في حقه. وقيل إن سيف الدولة أراد فداءً عامًّا يشمل الأسرى المسلمين جميعًا، لا فداء قريبه وحده، فطال الانتظار، وفاض عتاب أبي فراس في رومياته.
وعتاب أبي فراس يذكّر بعتاب المتنبي للأمير نفسه في «واحرّ قلباه»: كلاهما عتاب شاعر أبيّ لا يتذلّل، وإن اختلف المقام. فالمتنبي شاعر وافد يخشى أن يسقط من عين الأمير، وأبو فراس قريبٌ أسير يرى أن الدم والفروسية يوجبان الإسراع في فكاكه.
ما قصائده إلى أمه؟
كانت أم أبي فراس تنتظر فكاكه بلهفة، فكتب إليها في أسره قصائد يواسيها فيها ويطمئنها ويصبّرها على فراقه، ثم ماتت وهو في الأسر، فرثاها بأبيات من أشجى الرثاء في العربية، يبدؤها بقوله: «أيا أمَّ الأسيرِ سقاكِ غيثٌ، بكرهٍ منكِ ما لقيَ الأسيرُ».
ومن أرقّ الروميات قصيدته التي يخاطب فيها حمامة تنوح قرب سجنه: «أقولُ وقد ناحت بقربي حمامةٌ، أيا جارتا هل تشعرين بحالي؟». يرى في الطائر الطليق شريكًا في الحزن، ثم يدرك أنه هو الأولى بالبكاء، لأن الحمامة حرّة وهو أسير.
كيف انتهت حياة أبي فراس؟
فُدي أبو فراس أخيرًا في فداء جرى بين الحمدانيين والروم، وعاد إلى الشام. ثم مات سيف الدولة بعد ذلك بقليل، ونشب نزاع على الإمارة من بعده، فقُتل أبو فراس سنة ٣٥٧ هـ وهو في نحو السابعة والثلاثين، فبقيت الروميات أخلد ما ترك.
وتكمن قيمة الروميات في أنها شعر تجربة لا شعر مناسبة: لم يكتبها أبو فراس ليمدح أو ينال عطاءً، بل ليقول ما في نفسه من شوق وكبرياء وخيبة. ولذلك ما زالت تُقرأ كلما ذُكر الأسر والحنين، وما زال شطره «وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر» يجري على الألسنة مثلًا.
وقد عدّها النقاد فنًّا قائمًا بذاته في شعر الأسر: قبلها قال شعراء كثيرون أبياتًا في السجن والقيد، لكن أحدًا لم يترك مجموعة متصلة من القصائد ترسم تجربة الأسر من أولها إلى آخرها كما فعل أبو فراس. ففيها الصدمة الأولى، ثم الصبر، ثم العتاب، ثم الحزن على الأم، ثم الرجاء في الفداء، كأنها يوميات شاعر كُتبت شعرًا.
ويُقرأ أبو فراس اليوم في ظل معاصره المتنبي، وكلاهما من مجلس سيف الدولة، لكن صوتيهما مختلفان: المتنبي صاحب حكمة وفخر مدوٍّ، وأبو فراس صاحب رقة وصدق وجداني. ولعل هذا الاختلاف هو ما يجعل قراءتهما معًا مدخلًا جميلًا إلى شعر ذلك العصر.
قصائد العصر العباسي · قصة واحر قلباه
أدلة أخرى
ما هي بحور الشعر العربي؟ · أنواع القافية في الشعر العربي · عصور الشعر العربي: من الجاهلية إلى الحديث · الصدر والعجز والشطر: مكوّنات البيت الشعري · ما هي المعلقات؟ · شاعرات العرب عبر العصور · فحول الشعراء: من هم أعظم شعراء العربية؟ · قصة قصيدة «بانت سعاد»: كعب بن زهير والبردة النبوية · قصة قصيدة «واحرّ قلباه»: عتاب المتنبي لسيف الدولة · قصة «نهج البردة»: شوقي يعارض البوصيري · قصة «لا تعذليه»: عينية ابن زريق البغدادي · قصة «لامية العرب»: الشنفرى وشعر الصعاليك · الفرق بين الغزل العذري والغزل الصريح