قصة قصيدة «واحرّ قلباه»: عتاب المتنبي لسيف الدولة

بقلم عبدالله الزيدي · آخر تحديث ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦

ما قصة قصيدة «واحرّ قلباه»؟

«واحرّ قلباه» ميميةٌ عاتب بها المتنبي أميرَ حلب سيفَ الدولة الحمداني، حين أحسّ أن الأمير تغيّر عليه بعد سنوات من القرب، وأن الحسّاد في مجلسه نالوا منه. أنشدها في المجلس نفسه، فجمع فيها الشكوى من الجفاء والفخر بالنفس، وصارت أشهر قصيدة عتاب في الشعر العربي.

مطلعها: «واحرَّ قلباهُ ممّن قلبُه شَبِمُ، ومَن بجسمي وحالي عنده سَقَمُ»، والشَّبِم: البارد. فالشاعر يفتتح بالمفارقة التي تحكم القصيدة كلها: قلبٌ يتّقد حبًّا في مقابل قلبٍ بارد لا يكترث. وهي من بحر البسيط على رويّ الميم المضمومة، وتُعدّ من عيون شعره في المرحلة الحلبية.

المتنبي

كيف كانت صلة المتنبي بسيف الدولة؟

لزم المتنبي سيفَ الدولة في حلب نحو تسع سنين، من سنة ٣٣٧ هـ إلى سنة ٣٤٦ هـ، فكان شاعره الأثير، يصحبه في غزواته على الروم ويمدحه بعد كل وقعة. وهي أخصب مراحل شعره، ومنها «السيفيات» التي تُعدّ من ذروة المديح في العربية.

ولم يكن المتنبي مدّاحًا كسائر المدّاحين: كان يرى نفسه ندًّا للأمير، ويمزج المديح بالفخر بنفسه، وتذكر الأخبار أنه اشترط أن يُنشد شعره جالسًا. وقد احتمل سيف الدولة ذلك زمنًا لأنه وجد فيه شاعرًا يخلّد وقائعه كما لم يخلّدها غيره.

ومن سيفياته الميمية الأخرى «على قدر أهل العزم تأتي العزائم»، قالها في وقعة الحدث يصف انتصار سيف الدولة على الروم وبناءه قلعة الحدث، وهي تكشف كم كان الشاعر قريبًا من الأمير قبل أن تفسد الوشايات ما بينهما.

  • على قدر أهل العزم تأتي العزائم، المتنبي

لماذا عاتب المتنبي سيف الدولة؟

عاتبه لأن مكانته في البلاط اهتزّت: كثر حسّاده من الشعراء والعلماء، وقيل إن الأمير صار يُصغي إليهم ويُعرض عن شاعره. فرأى المتنبي أن سيف الدولة يسوّي بينه وبين من دونه، فقال قصيدته يطلب الإنصاف لا العطاء، ويذكّر الأمير بما له عنده.

وتذكر الروايات بعض خصومه في المجلس، ومنهم النحوي ابن خالويه، ويُروى أن خلافًا بينهما انتهى بأن ضربه ابن خالويه بمفتاح فشجّه، والأمير لا ينتصر له. ويُذكر أبو فراس الحمداني، ابن عم الأمير وشاعره، بين من ضاقوا بمنزلة المتنبي. وتختلف تفاصيل هذه الأخبار من مصدر إلى آخر، لكنها تتفق على أن الجوّ حوله صار مشحونًا.

وأصرح أبيات القصيدة في هذا المعنى قوله: «يا أعدلَ الناسِ إلّا في معاملتي، فيكَ الخصامُ وأنتَ الخصمُ والحكمُ»، فهو يشكو أن الأمير خصمٌ وقاضٍ في آن واحد. ثم يحذّره من أن تخدعه المظاهر فيرى في خصومه ما ليس فيهم: «أُعيذُها نظراتٍ منكَ صادقةً، أن تحسبَ الشحمَ فيمن شحمُه ورمُ».

أبو فراس الحمداني

لماذا صارت القصيدة مضرب المثل؟

لأنها عتابٌ لا يتذلّل: يبدأ المتنبي شاكيًا محبًّا، ثم ينقلب إلى فخر صريح بنفسه وبشعره، فيجمع في قصيدة واحدة الحبَّ والجرح والكبرياء. وقد سارت أبياتها أمثالًا يتداولها الناس إلى اليوم، ولا يكاد يُذكر الفخر أو العتاب في العربية إلا ذُكرت معه.

فمن فخره فيها قوله: «أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي، وأسمعتْ كلماتي مَن به صَمَمُ»، وقوله: «أنامُ ملءَ جفوني عن شواردِها، ويسهرُ الخلقُ جرّاها ويختصمُ»، وقوله الذي صار عنوانًا لشخصيته: «الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني، والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ».

ولا يخلو الفخر من تهديد مبطّن لخصومه: «إذا رأيتَ نيوبَ الليثِ بارزةً، فلا تظنّنّ أنّ الليثَ يبتسمُ». ثم يعود إلى الأمير بلين المحبّ: «يا مَن يعزّ علينا أن نفارقَهم، وجدانُنا كلَّ شيءٍ بعدكم عدمُ»، ويختم بتسمية القصيدة باسمها الحقيقي: «هذا عتابُكَ إلا أنه مِقَةٌ، قد ضُمِّنَ الدرَّ إلا أنه كَلِمُ». والمِقَة: المحبة.

وبناء القصيدة نفسه جزء من سرّ بقائها: فهي تتحرك بين طرفين لا يلتقيان في العادة، الشكوى والفخر. الشاكي في الغالب ينكسر، والفاخر في الغالب يستغني، أما المتنبي فيشكو وهو مرفوع الرأس، ويفخر وهو يرجو أن يُسمع. ولهذا يقرؤها كل من شعر بأن قدره لم يُعرف، فيجد فيها صوته.

ماذا حدث بعد القصيدة؟

لم يُصلح العتابُ ما فسد: تفاقمت الوحشة بين الشاعر والأمير، ففارق المتنبي حلب سنة ٣٤٦ هـ قاصدًا مصر، فمدح كافورًا الإخشيدي طامعًا في ولاية، ثم هجاه أمرّ الهجاء حين لم يظفر بما أمّل، وبقي يذكر سيف الدولة بحنين لم يخفه.

وحين عزم على مفارقة مصر قال داليته المشهورة «عيدٌ بأيّة حالٍ عدتَ يا عيدُ»، وهي من أمرّ ما قيل في الشكوى والهجاء. ثم تنقّل في البلاد حتى قُتل سنة ٣٥٤ هـ في طريق عودته من بلاد فارس. وتذكر رواية مشهورة أنه همّ بالفرار حين أحاط به قاتلوه، فذكّره غلامه ببيته «الخيل والليل والبيداء تعرفني»، فثبت وقاتل حتى قُتل. وهي رواية أدبية أكثر منها خبرًا موثقًا، لكنها تدل على أن بيت الميمية صار عنوان حياته.

وبقيت «واحرّ قلباه» نموذج العتاب الأبيّ الذي يعاتب من فوق لا من تحت، ومرجعًا لكل من أراد أن يشكو دون أن يتذلّل. وهي كذلك وثيقة عن حياة البلاط في القرن الرابع الهجري: عن التنافس بين الشعراء والعلماء حول الأمير، وعن هشاشة المكانة التي يمنحها المديح، وعن شاعر أدرك أن شعره أبقى من رضا الأمراء.

  • واحر قلباه ممن قلبه شبم، المتنبي
  • على قدر أهل العزم تأتي العزائم، المتنبي
  • عيد بأية حال عدت يا عيد، المتنبي

قارن بين القصيدتين

قصة روميات أبي فراس

أدلة أخرى

ما هي بحور الشعر العربي؟ · أنواع القافية في الشعر العربي · عصور الشعر العربي: من الجاهلية إلى الحديث · الصدر والعجز والشطر: مكوّنات البيت الشعري · ما هي المعلقات؟ · شاعرات العرب عبر العصور · فحول الشعراء: من هم أعظم شعراء العربية؟ · قصة قصيدة «بانت سعاد»: كعب بن زهير والبردة النبوية · قصة «نهج البردة»: شوقي يعارض البوصيري · قصة «أراكَ عصيَّ الدمع»: روميّات أبي فراس الحمداني · قصة «لا تعذليه»: عينية ابن زريق البغدادي · قصة «لامية العرب»: الشنفرى وشعر الصعاليك · الفرق بين الغزل العذري والغزل الصريح