وَكَيفَ بِنَفسٍ كُلَّما قُلتُ أَشرَفَت

الشاعر: الفرزدق · البحر: الطويل

هذه القصيدة من شعر الفرزدق، وتقع في 61 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف اللام.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

وَكَيفَ بِنَفسٍ كُلَّما قُلتُ أَشرَفَت ... عَلى البُرءِ مِن حَوصاءِ هَيضَ اِندِمالُها

تُهاضُ بِدارٍ قَد تَقادَمَ عَهدُها ... وَإِمّــــا بِــــأَمــــواتٍ أَلَمَّ خَــــيالُها

وَما كُنتُ ما دامَت لِأَهلي حَمولَةٌ ... وَما حَمَلَتهُم يَومَ ظَعنٍ جِمالِها

وَما سَكَنَت عَنّي نَوارٌ فَلَم تَقُل ... عَلامَ اِبنُ لَيلى وَهيَ غُبرٌ عِيالُها

تُقيمُ بِدارٍ قَد تَغَيَّرَ جِلدُها ... وَطالَ وَنيرانُ العَذابِ اِشتِعالُها

لِأَقرَبَ أَرضَ الشَأمِ وَالناسُ لِم يَقُم ... لَهُم خَيرُهُم ما بَلَّ عَيناً بِلالُها

أَلَستَ تَرى مِن حَولَ بَيتِكَ عائِذاً ... بِقَدرِكَ قَد أَعيا عَلَيها اِحتِيالُها

فَكَيفَ تُريدُ الخَفضَ بَعدَ الَّذي تَرى ... نِساءٌ بِنَجدٍ عُيَّلٌ وَرِجالُها

وَسَوداءَ في أَهدامِ كَلّينَ أَقبَلَت ... إِلَينا بِهِم تَمشي وَعَنّا سُؤالُها

عَلى عاتِقَيها اِثنانِ مِنهُم وَإِنَّها ... لَتُرعَدُ قَد كادَت يُقَصُّ هُزالُها

وَمِن خَلفِها ثِنتانِ كِلتاهُما لَها ... تَعَلَّقَ بِالأَهدامِ وَالشَرُّ حالُها

وَفي حَجرُها مَخزومَةٌ مِن وَرائِها ... شُعَيثاءُ لَم يَتمِم لِحَولٍ فِصالُها

فَخَرَّت وَأَلقَتهُم إِلَينا كَأَنَّها ... نَعامَةُ مَحلٍ جانَبَتها رِئالُها

إِلى حُجرَةٍ كَم مِن خِباءٍ وَقُبَّةٍ ... إِلَيها وَهُلّاكٍ كَثيرٌ عِيالُها

وَبِالمَسجِدِ الأَقصى الإِمامُ الَّذي اِهتَدى ... بِهِ مِن قُلوبِ المُمتَرينِ ضَلالُها

بِهِ كَــــشَفَ اللَهُ البَلاءَ وَأَشرَقَت ... لَهُ الأَرضُ وَالآفاقُ نَحسٌ هِلالُها

فَلَمّا اِستَهَلَّ الغَيثُ لِلناسِ وَاِنجَلَت ... عَنِ الناسِ أَزمانٌ كَواسِفُ بالُها

شَدَدنا رِحالَ المَيسِ وَهيَ شَجٍ بِها ... كَواهِلُها ما تَطمَئِنُّ رِحالُها

فَأَصبَحَتِ الحاجاتُ عِندَكَ تَنتَهي ... وَكُــــلُّ عَفَرناةٍ إِلَيكَ كَلالُها

حَلَفتُ لَئِن لَم أَشتَعِب عَن ظُهورِها ... لِيَنتَقِيَن مُخَّ العِظامِ اِنتِقالُها

إِلى مُطلِقِ الأَسرى سُلَيمانَ تَلتَقي ... خَذاريفُ بَينَ الراجِعاتِ نِعالُها

كَأَنَّ نَعاماتٍ يُنَتَّفنَ خُضرَةً ... بِصَحراءَ مِمراحٍ كَثيرٌ مَجالُها

يُبادِرنَ جُنحَ اللَيلِ بيضاً وَغُبرَةً ... ذُعِرنَ بِها وَالعيسُ يُخشى كَلالُها

كَأَنَّ أَخا الهَمِّ الَّذي قَد أَصابَهُ ... بِهِ مِن عَقابيلِ القَطيفِ مُلالُها

وَقُلتُ لِأَهلِ المَشرِقَينِ أَلَم تَكُن ... عَلَيكُم غُيومٌ وَهيَ حُمرٌ ظِلالُها

فَبَدَّلتُمُ جَودَ الرَبيعِ وَحُوِّلَت ... رَحىً عَنكُمُ كانَت مُلِحّاً ثِفالُها

أَلا تَشكُرونَ اللَهَ إِذ فَكَّ عَنكُمُ ... أَداهِمَ بِالمَهدِيِّ صُمّاً ثِقالُها

هَنَأناهُمُ حَتّى أَعانَ عَلَيهِمُ ... مِنَ الدَلوِ أَو عَوّا السِماكِ سِجالُها

إِذا ما العَذارى بِالدُخانِ تَلَفَّعَت ... وَلَم يَنتَظِر نَصبَ القُدورِ اِمتِلالُها

نَحَرنا وَأَبرَزنا القُدورَ وَضُمِّنَت ... عَبيطَ المَتالي الكومِ غُرّاً مَحالُها

إِذا اِعتَرَكَت في راحَتَي كُلِّ مُجمِدٍ ... مُــــسَــــوَّمَةً لا رِزقَ إِلّا خِصالُها

مَرَينا لَهُم بِالقَضبِ مِن قَمَعِ الذُرى ... إِذا الشَولُ لَم تُرزِم لِدَرٍّ فِصالُها

بَقَرنا عَنِ الأَفلاذِ بِالسَيفِ بَطنَها ... وَبِالساقِ مِن دونِ القِيامِ خِبالُها

عَجِلنا عَنِ الغَليِ القِرى مِن سَنامِها ... لِأَضيافِنا وَالنابُ وَردٌ عِقالُها

لَهُم أَو تَموتَ الريحُ وَهيَ ذَميمَةٌ ... إِذا اِعتَزَّ أَرواحَ الشِتاءِ شَمالُها

وَصارِخَةٍ يَسعى بَنوها وَراءَها ... عَلى ظَهرِ عُريٍ زَلَّ عَنهُ جِلالُها

تُلَوّي بِكَفَّيها عَناصِيَ ذِروَةٍ ... وَقَد لَحِقَت خَيلٌ تَثوبُ رِعالُها

مُقاتِلَةٌ في الحَيِّ مِن أَكرَميهِمُ ... أَبوها هُوَ اِبنُ العَمِّ لَحّاً وَخالُها

إِذا اِلتَفَتَت سَدَّ السَماءَ وَرائَها ... عَبيطٌ وَجُمهورٌ تَعادى فِحالُها

أَناخَت بِها وَسطَ البُيوتِ نِساؤُنا ... وَقَد أُعجِلَت شَدَّ الرِحالِ اِكتِفالُها

أَنَخنا فَأَقبَلنا الرِماحَ وَراءَها ... رِماحاً تُساقي بِالمَنايا نِهالُها

بَنو دارِمٍ قَومي تَرى حُجُزاتِهِم ... عِتاقاً حَواشيها رِقاقاً نِعالُها

يَجُرّونَ هُدّابَ اليَماني كَأَنَّهُم ... سُيوفٌ جَلا الأَطباعَ عَنها صِقالُها

وَشيمَت بِهِ عَنكُم سُيوفٌ عَلَيكُمُ ... صَباحَ مَساءَ بِالعِراقِ اِستِلالُها

وَإِذ أَنتُمُ مَن لَم يَقُل أَنا كافِرٌ ... تَرَدّى نَهاراً عَثرَةً لا يُقالُها

وَفارَقَ أُمَّ الرَأسِ مِنهُ بِضَربَةٍ ... سَريعٍ لِبَينِ المَنكَبَينِ زِيالُها

وَإِن كانَ قَد صَلّى ثَمانينَ حِجَّةً ... وَصامَ وَأَهدى البُدنَ بيضاً خِلالُها

لَئِن نَــــفَــــرُ الحَــــجّــــاجِ آلُ مُعَتِّبٍ ... لَقوا دَولَةً كانَ العَدُوُّ يُدالُها

لَقَد أَصبَحَ الأَحياءُ مِنهُم أَذِلَّةً ... وَفي النارِ مَثواهُم كُلوحاً سِبالُها

وَكانوا يَرَونَ الدائِراتِ بِغَيرِهِم ... فَصارَ عَلَيهِم بِالعَذابِ اِنفِتالُها

وَكانَ إِذا قيلَ اِتَّقي اللَهَ شَمَّرَت ... بِهِ عِزَّةٌ لا يُستَطاعُ جِدالُها

أَلِكني إِلى مَن كانَ بِالصينِ إِذ رَمَت ... بِهِ الهِندَ أَلواحٌ عَلَيها جِدلالُها

هَلُمَّ إِلى الإِسلامِ وَالعَدلُ عِندَنا ... فَقَد ماتَ عَن أَرضِ العِراقِ خِبالُها

فَما أَصبَحَت في الأَرضِ نَفسٌ فَقيرَةٌ ... وَلا غَيرُها إِلّا سُلَيمانُ مالُها

يَمينَكَ في الأَيمانِ فاصِلَةٌ لَها ... وَخَيرُ شِمالٍ عِندَ خَيرٍ شِمالُها

فَأَصبَحتَ خَيرَ الناسِ وَالمُهتَدى بِهِ ... إِلى القَصدِ وَالوُثقى الشَديدِ حِبالُها

يَداكَ يَدُ الأَسرى الَّتي أَطلَقَتهُمُ ... وَأُخرى هِيَ الغَيثُ المُغيثُ نَوالُها

وَكَم أَطلَقَت كَفّاكَ مِن قَيدِ بائِسٍ ... وَمِن عُقدَةٍ ما كانَ يُرجى اِنحِلالُها

كَثيراً مِنَ الأَسرى الَّتي قَد تَكَنَّعَت ... فَكَكتَ وَأَعناقاً عَلَيها غِلالُها

وَجَدنا بَني مَروانَ أَوتادَ دينِنا ... كَما الأَرضُ أَوتادٌ عَلَيها جِبالُها

وَأَنتُم لِهَذا الدينِ كَالقِبلَةِ الَّتي ... بِها إِن يَضِلَّ الناسُ يَهدي ضَلالُها

البحر والقافية

القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.

تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.

القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:

  • البرء: (بَرَّ) الْبَاءُ وَالرَّاءُ فِي الْمُضَاعَفِ أَرْبَعَةُ أُصُولٍ: الصِّدْقُ، وَحِكَايَةُ صَوْتٍ، وَخِلَافُ الْبَحْرِ، وَنَبْتٌ. فَأَمَّا الصِّدْقُ فَقَوْلُهُمْ: صَدَقَ فُلَانٌ وَبَرَّ، وَبَرَّتْ يَمِينُهُ صَدَقَتْ، وَأَبَ … (مقاييس اللغة)
  • بقدرك: قدر: القَدِيرُ والقادِرُ: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَكُونَانِ مِنَ القُدْرَة وَيَكُونَانِ مِنَ التَّقْدِيرِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*؛ مِنَ القُدْرة، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ … (لسان العرب)
  • بلالها: بلل: البَلَل: النَّدَى. ابْنُ سِيدَهْ. البَلَل والبِلَّة النُّدُوَّةُ؛ قَالَ بَعْضُ الأَغْفال: وقِطْقِطُ البِلَّة فِي شُعَيْرِي أَراد: وبِلَّة القِطْقِط فَقَلَبَ. والبِلال: كالبِلَّة؛ وبَلَّهُ بِالْمَاءِ وَغَيْرِهِ يَبُل … (لسان العرب)
  • بنفس: نفس: النَّفْس: الرُّوحُ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ لَيْسَ مِنْ غَرَضِ هَذَا الكتاب، قال أَبو إِسحق: النَّفْس فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَجْرِي عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحدهما قَوْلُكَ خَرَجَتْ نَفْس فُلَانٍ أَي رُو … (لسان العرب)
  • بيتك: بيت: البَيْتُ مِنَ الشَّعَر: مَا زَادَ عَلَى طريقةٍ وَاحِدَةٍ، يَقَع عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ؛ وَقَدْ يُقَالُ لِلْمَبْنِيِّ مِنْ غَيْرِ الأَبنية الَّتِي هِيَ الأَخْبِيَةُ بَيْتٌ؛ والخِباءُ: بَيْتٌ صَغِيرٌ مِنْ صُوفٍ … (لسان العرب)
  • تقادم: تقدم: تَقْدَم: اسْمٌ كَأَنَّهُ يُعنى به القَدَم. (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • دعا دعوة الحبلى زباب وقد رأى
  • إن الذي سمك السماء بنى لنا
  • سما لك شوق من نوار ودونها
  • هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
  • تحن بزوراء المدينة ناقتي
  • وأطلس عسال وما كان صاحبا
  • تلوم على هجاء بني كليب
  • تغنى جرير بن المراغة ظالماً