من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار يحيى بن طالب
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
يحيى بن طالب: شاعر من أهل اليمامة، ثم من بني حنيفة. لم يقع إلىّ نسبه. وهو من شعراء الدّولة العبّاسيّة مقلّ، وكان فصيحا شاعرا غزلا فارسا.
وركبه دين في بلده فهرب إلى الرّيّ، وخرج مع بعث إليها، فمات بها، وقد ذكر ذلك في هذه القصيدة فقال:
أريد رجوعا نحوكم فيصدّنيإذا رمته دين عليّ ثقيل
حدّثني محمد بن مزيد قال: حدثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: غنّى أبي الرشيد في شعر يحيى بن طالب:
ألا هل إلى شمّ الخزامى ونظرةإلى قرقرى قبل الممات سبيل
فأطربه، فسأله عن قائل الشعر، فذكره له وأعلمه أنّه حيّ، وأنّه هرب من دين عليه، وأنشده قوله:
أريد رجوعا نحوكم فيصدّنيإذا رمته دين عليّ ثقيل
فأمر الرشيد أن يكتب إلى عامل الريّ بقضاء دينه، وإعطائه نفقة، وإنفاذه إليه على البريد، فوصل الكتاب يوم مات يحيى بن طالب.
أخبرنا محمد بن خلف وكيع وعمّي قالا: حدّثنا عبد اللّه بن شبيب قال: حدّثني الجهم بن المغيرة قال: كنّا عند حترش بن ثمال القريظيّ بضريّة فمرّت بنا جارية صفراء مولّدة، فقال لي حترش: استفتح كلامها فانظر فإنها ظريفة، فقلت لها: يا جارية، أين نشأت؟ قالت: بقرقرى، فقلت لها: أين من شعبعب؟ فضحكت ثم قالت: بين الحوض والعطن، قلت: فمن الذي يقول:
يا صاحبيّ فدت نفسي نفوسكماعوجا عليّ صدور الأبغل السّنن
ثم ارفعا الطّرف ننظر صبح خامسةلقرقرى يا عناء النفس بالوطن
يا ليت شعري والإنسان ذو أملوالعين تذرف أحيانا من الحزن
هل أجعلنّ يدي للخدّ مرفقةعلى شعبعب بين الحوض والعطن؟
فالتفتت إلى حترش بن ثمال فقالت: أخبره بقائلها، فقال: ما أعرفه، فقالت: بلى، هذا يقوله شاعرنا وظريف بلادنا وغزلها. فقال لها حترش: ويحك، ومن ذلك؟ فقالت: أشهد إن كنت لا تعرفه وأنت من هذا البلد إنّها لسوأة، ذلك يحيى بن طالب الحنفيّ، أقسم باللّه ما منعك من معرفته إلّا غلظ الطّبع، وجفاء الخلق. فجعل يضحك من قولها وتعجّبنا منها.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدّثنا أبو غسّان دماذ، عن أبي عبيدة قال: قال رجل ليحيى بن طالب الحنفيّ: لو ركبت معي في البحر، وشغلت مالك في تجاراته لأثريت وحسنت حالك، فقال يحيى بن طالب:
لشربك بالأنقاء رنقا وصافياأعفّ وأعفى من ركوبك في البحر
إذا أنت لم تنظر لنفسك خالياأحاطت بك الأحزان من حيث لا تدري
حدّثني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدّثنا عبد اللّه بن أبي سعد قال: حدّثني أبو عليّ الحنفي؛ قال: حدّثني عمي عن عليّ بن عمر قال: غنّي الرشيد يوما بشعر يحيى بن طالب:
ألا هل إلى شمّ الخزامى ونظرةإلى قرقرى قبل الممات سبيل
وذكر الخبر كما ذكره حمّاد بن إسحاق، إلا أنّه قال: فوجده قد مات قبل وصول البريد بشهر.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي، عن عمه قال: كان يحيى بن طالب يجالس إمرأة من قومه ويألفها، ثم خرج مع والي اليمامة إلى مكة، وابتاع منه الوالي إبلا بتأخير، فلمّا صار إلى مكّة عزل الوالي، فلوى يحيى بماله مدّة، فضاق صدره، وتشوّق إلى اليمامة وصاحبته التي كان يتحدّث إليها، فقال:
تصبّرت عنها كارها وهجرتهاوهجرانها عندي أمرّ من الصّبر
صوت
إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقةدعاني الهوى واهتاج قلبي للذّكر
كأنّ فؤادي كلّما عنّ ذكرهاجناحا غراب رام نهضا إلى وكر
الغناء للزفّ، ثقيل أول عن الهشاميّ في هذين البيتين.
وقال فيها:
مداينة السّلطان باب مذلّةوأشبه شيء بالقناعة والفقر
إذا أنت لم تنظر لنفسك خالياأحاطت بك الأحزان من حيث لا تدري
أخبرني الحسين بن يحيى، عن حمّاد عن أبيه، قال: قال أبو الذّيّال الحنفيّ: خرج يحيى بن طالب الحنفيّ من اليمامة يريد خراسان على البريد، فقال وهو بقومس:
أقول لأصحابي ونحن بقومسنراوح أكتاف المحذّفة الجرد
بعدنا وعهد اللّه من أهله قرقرىوفيها الألى نهوى وزدنا على البعد
أخبرنا الحسن بن عليّ قال: حدّثنا محمد بن موسى بن حمّاد قال: حدّثني عبد اللّه بن بشر، عن أبي فراس الهيثم بن فراس الكلابيّ قال: كنت مع أبي ونحن قاصدون اليمامة، فلما رأيناها لقينا رجل، فقال له أبي: أين قرقرى؟ قال: وراءك.
قال: فأين شعبعب؟ قال: بإزائه، قال: أرني ذلك، فأراه إيّاه حتى عرفه، فقال لي: ارجع بنا إلى الموضع، فقلت له. يا أبت قد تعبنا وتعبت ركائبنا، فما لك هناك! قال: إنك لأحمق، ارجع ويلك، فرجعت معه حتى أتى شعبعب، وصار إلى الحوض والعطن، وأناخ راحلته، وقال لي: أنخ، فأنخت، ونزل فنظر إلى شعبعب وقرقرى ساعة، ثم اضطجع بين الحوض والعطن اضطجاعة، ويده تحت خدّه، ثم قام فركب، فقلت: يا أبت ما أردت بهذا؟ فقال: يا جاهل، أما سمعت قول يحيى بن طالب:
هل أجعلنّ يدي للخدّ مرفقةعلى شعبعب بين الحوض والعطن
أفليس عجزا أن نكون قد أتينا عليهما وهما أمنية المتمنّي فلا ننال ما تمنّاه منهما، وقد قدرت عليه؟
فجعلت أعجب من قوله وفعله.
أخبرنا محمد بن جعفر النحويّ قال: حدّثني طلحة بن عبد اللّه الطّلحيّ قال: حدّثنا أبو العالية عن رجل من بني حنيفة قال: كان يحيى بن طالب جوادا، شاعرا جميلا، حمّالا لأثقال قومه ومغارمهم، سمحا يقرى الأضياف، ما تشاء أن ترى في فتى خصلة جميلة إلا رأيتها فيه. فدخلت عليه وهو في آخر رمق، فسألته عن خبره، وسلّيته وقلت له ما طابت به نفسه، ثم أنشدني قوله:
ما أنا كالقول الذي قلت إن زوىمحلّي عن مالي حذار النّوائب
بمنزلة بين الطريقين قابلتبوادي كحيل كلّ ماش وراكب
حللت على رأس اليفاع ولم أكنكمن لاذ من خوف القرى بالحواجب
فلا تسأل الضّيفان من هم وأذنهمهم الناس من معروف وجه وجانب
وقولوا إذا ما الضّيف حلّ بنجوةألا في سبيل اللّه يحيى بن طالب
قال أبو العالية: كحيل: نخل بناخية فران دون قرقرى، وهناك كان منزل يحيى بن طالب.
صوت
وقد جمع معه كلّ ما يغنيّ فيه من القصيدة:
لعمرك إنّي يوم بصري وناقتيلمختلفا الأهواء مصطحبان
متى تحملي شوقي وشوقك تظلعيومالك بالحمل الثّقيل يدان
ألا يا غرابي دمنة الدّار خبّراأبا لبين من عفراء تنتحبان؟
فإن كان حقّا ما تقولان فانهضابلحمي إلى وكريكما فكلاني
ولا يعلمنّ الناس ما كان ميتتيولا يأكلنّ الطّير ما تذران
جعلت لعرّاف اليمامة حكمهوعرّاف حجر إن هما شفياني
فما تركا من حيلة يعلمانهاولا رقية إلّا وقد رقياني
وقالا: شفاك اللّه واللّه ما لنابما حمّلت منك الضّلوع يدان
كأنّ قطاة علّقت بجناحهاعلى كبدي من شدّة الخفقان
الشعر لعروة بن حزام، والغناء لإبراهيم الموصليّ في الأربعة الأبيات الأول، ثقيل أوّل بالوسطى، ولعريب في الرابع والخامس والسادس والتاسع هزج مطلق في مجرى البنصر، عن إسحاق، وفي السابع وما بعده إلى آخرها ثقيل أوّل ينسب إلى أبي العبيس بن حمدون، وإلى غيره.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع