من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار عروة بن حزام
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو عروة بن حزام بن مهاصر، أحد بني حزام بن ضبّة بن عبد بن كبير بن عذرة.
شاعر إسلاميّ، أحد المتيّمين الّذين قتلهم الهوى، لا يعرف له شعر إلا في عفراء بنت عمّه: عقال بن مهاصر، وتشبيبه بها.
أخبرني بخبرها جماعة من الرّواة؛ فمنه ما أخبرني به الحسن بن عليّ بن محمد الآدميّ قال: حدّثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات، قال: حدّثني موسى بن عيسى الجعفريّ، عن الأشباط بن عيسى العذريّ.
وأخبرني الحسين بن يحيى المرداسيّ، ومحمد بن مزيد بن أبي الإزهر، عن حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن رجاله.
وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ قال: حدّثنا عمر بن شبّة. وأخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزّبير بن بكّار عمّن أسند إليه. وأخبرني إبراهيم بن أيّوب الصائغ عن ابن قتيبة.
وقد سقت رواياتهم وجمعتها: قال الأسباط بن عيسى - وروايته كأنها أتمّ الروايات وأشدّها اتّساقا - أدركت شيوخ الحيّ يذكرون: أنّه كان من حديث عروة بن حزام وعفراء بنت عقال: أن حزاما هلك وترك ابنه عروة صغيرا في حجر عمّه عقال بن مهاصر. وكانت عفراء تربا لعروة، يلعبان جميعا، ويكونان معا، حتى ألف كلّ واحد منهما صاحبه إلفا شديدا. وكان عقال يقول لعروة، لما يرى من إلفهما: أبشر، فإن عفراء امرأتك، إن شاء اللّه. فكانا كذلك حتى لحقت عفراء بالنّساء، ولحق عروة بالرجال، فأتى عروة عمّة له يقال لها: هند بنت مهاصر، فشكا إليها ما به من حبّ عفراء، وقال لها في بعض ما يقول لها: يا عمّة، إنّي لأكلّمك وأنا منك مستح، ولكن لم أفعل هذا حتى ضقت ذرعا بما أنا فيه، فذهبت عمّته إلى أخيها فقالت له: يا أخي، قد أتيتك في حاجة أحبّ أن تحسن فيها الردّ، فإنّ اللّه يأجرك بصلة رحمك فيما أسألك. فقال لها: قولي، فلن تسألي حاجة إلا رددتك بها. قالت: تزوّج عروة بن اخيك بابنتك عفراء، فقال: ما عنه مذهب، ولا هو دون رجل يرغب فيه، ولا بنا عنه رغبة؛ ولكنّه ليس بذي مال، وليست عليه عجلة. فطابت نفس عروة، وسكن بعض السّكون.
وكانت أمّها سيّئة الرأي فيه، تريد لابنتها ذا مال ووفر، وكانت عرضة ذلك كمالا وجمالا، فلما تكاملت سنّه وبلغ أشدّه عرف أنّ رجلا من قومه ذا يسار ومال كثير يخطبها، فأتى عمّه، فقال: يا عمّ، قد عرفت حقّي وقرابتي، وإني ولدك وربّيت في حجرك، وقد بلغني أن رجلا يخطب عفراء، فإن أسعفته بطلبته قتلتني وسفكت دمي، فأنشدك اللّه ورحمي وحقّي، فرقّ له وقال له: يا بنيّ، أنت معدم، وحالنا قريبة من حالك، ولست مخرجها إلى سواك، وأمّها قد أبت أن تزوّجها إلا بمهر غال، فاضطرب واسترزق اللّه تعالى».
فجاء إلى أمّها فألطفها وداراها، فأبت أن تجيبه إلا بما تحتكمه من المهر، وبعد أن يسوق شطره إليها، فوعدها بذلك.
وعلم أنه لا ينفعه قرابة ولا غيرها إلّا بالمال الذي يطلبونه، فعمل على قصد ابن عمّ له موسر كان مقيما باليمن، فجاء إلى عمّه وامرأته فأخبرهما بعزمه، فصوّباه ووعداه ألّا يحدثا حدثا حتى يعود.
وصار في ليلة رحيله إلى عفراء، فجلس عندها ليلة هو وجواري الحيّ، يتحدّثون حتى أصبحوا، ثم ودّعها وودّع الحيّ وشدّ على راحلته، وصحبه في طريقه فتيان من بني هلال، بن عامر كانا يألفانه، وكان حيّاهم متجاورين، وكان في طول سفره ساهيا يكلّمانه فلا يفهم، فكرة في عفراء، حتى يردّ القول عليه مرارا، حتى قدم على ابن عمّه، فلقيه وعرّفه حاله وما قدم له، فوصله وكساه، وأعطاه مائة من الإبل، فانصرف بها إلى أهله.
وقد كان رجل من أهل الشّام من أسباب بني أميّة نزل في حيّ عفراء، فنحر ووهب وأطعم، وكان ذا مال عظيم، فرأى عفراء، وكان منزله قريبا من منزلهم، فأعجبته وخطبها إلى أبيها، فاعتذر إليه وقال: قد سمّيتها إلى ابن أخ لي يعدلها عندي، وما إليها لغيره سبيل، فقال له: إني أرغبك في المهر، قال: لا حاجة لي بذلك، فعدل إلى أمّها، فوافق عندها قبولا، لبذله ورغبة في ماله. فأجابته ووعدته، وجاءت إلى عقال فآدته وصخبت معه، وقالت: أيّ خير في عروة حتى تحبس ابنتي عليه وقد جاءها الغنيّ يطرق عليها بابها؟ واللّه ما ندري أعروة حيّ أم ميّت؟ وهل ينقلب إليك بخير أم لا؟ فتكون قد حرمت ابنتك خيرا حاضرا ورزقا سنيّا، فلم تزل به حتى قال لها: فإن عاد لي خاطبا أجبته. فوجّهت إليه أن عد إليه خاطبا. فلمّا كان من غد نحر جزرا عدّة، وأطعم ووهب وجمع الحيّ معه على طعامه، وفيهم أبو عفراء، فلمّا طعموا أعاد القول في الخطبة، فأجابه وزوّجه، وساق إليه المهر، وحوّلت إليه عفراء وقالت قبل أن يدخل بها:
يا عرو إنّ الحيّ قد نقضواعهد الإله وحاولوا الغدرا
في أبيات طويلة.
فلمّا كان اللّيل دخل بها زوجها، وأقام فيهم ثلاثا، ثم ارتحل بها إلى الشام، وعمد أبوها إلى قبر عتيق، فجدّده وسوّاه، وسأل الحيّ كتمان أمرها.
وقدم عروة بعد أيّام، فنعاها أبوها إليه، وذهب به إلى ذلك القبر، فمكث يختلف إليه أيّاما وهو مضنى هالك، حتى جاءته جارية من الحيّ فأخبرته الخبر، فتركهم وركب بعض إبله، وأخذ معه زادا ونفقة، ورحل إلى الشّام فقدمها وسأل عن الرجل فأخبر به، ودلّ عليه، فقصده وانتسب له إلى عدنان، فأكرمه وأحسن ضيافته، فمكث أيّاما حتى أنسوا به، ثم قال لجارية لهم: «هل لك في يد تولينيها؟ قالت: نعم، قال: تدفعين خاتمي هذا إلى مولاتك. فقالت: سوءة لك، أما تستحي لهذا القول؟ فأمسك عنها، ثم أعاد عليها وقال لها: ويحك! هي واللّه بنت عمّي، وما أحد منّا إلا وهو أعزّ على صاحبه من الناس جميعا، فاطرحي هذا الخاتم في صبوحها، فإذا أنكرت عليك فقولي لها: اصطبح ضيفك قبلك، ولعلّه سقط منه. فرقّت الأمة وفعلت ما أمرها به.
فلما شربت عفراء اللبن رأت الخاتم فعرفته، فشهقت، ثم قالت: اصدقيني عن الخبر، فصدقتها. فلمّا جاء زوجها قالت له: أتدري من ضيفك هذا؟ قال: نعم، فلان بن فلان، للنّسب الذي انتسب له عروة، فقالت: كلا واللّه يا هذا، بل هو عروة بن حزام ابن عمّي، وقد كتم نفسه حياء منك.
وقال عمر بن شبّة في خبره: بل جاء ابن عمّ له فقال: أتركتم هذا الكلب الذي قد نزل بكم هكذا في داركم يفضحكم؟ فقال له:
ومن تعني؟ قال: عروة بن حزام العذريّ ضيفك هذا، قال: أوإنّه لعروة؟ بل أنت واللّه الكلب، وهو الكريم القريب.
قالوا جميعا: يتركه مع عفراء
ثم بعث إليه فدعاه، وعاتبه على كتمانه نفسه إيّاه، وقال له: بالرحب والسّعة، نشدتك اللّه إن رمت هذا المكان أبدا، وخرج وتركه مع عفراء يتحدّثان. وأوصى خادما له بالاستماع عليهما، وإعادة ما تسمعه منهما عليه، فلمّا خلوا تشاكيا ما وجدا بعد الفراق، فطالت الشّكوى، وهو يبكي أحرّ بكاء، ثم أتته بشراب وسألته أن يشربه، فقال: واللّه ما دخل جوفي حرام قطّ، ولا ارتكبته منذ كنت، ولو استحللت حراما لكنت قد استحللته منك، فأنت حظّي من الدّنيا، وقد ذهبت منّي، وذهبت بعدك فما أعيش! وقد أجمل هذا الرجل الكريم وأحسن، وأنا مستحيى منه، وو اللّه لا أقيم بعد علمه مكاني، وإنّي عالم أنّي أرحل إلى منيّتي. فبكت وبكى، وانصرف.
فلما جاء زوجها أخبرته الخادم بما دار بينهما، فقال: يا عفراء، امنعي ابن عمّك من الخروج، فقالت: لا يمتنع، هو واللّه أكرم وأشد حياء من أن يقيم بعد ما جرى بينكما، فدعاه وقال له: يا أخي، اتّق اللّه في نفسك، فقد عرفت خبرك، وإنّك إن رحلت تلفت، وو اللّه لا أمنعك من الاجتماع معها أبدا، ولئن شئت لأفارقنّها ولأنزلنّ عنها لك. فجزاه خيرا، وأثنى عليه، وقال: إنما كان الطّمع فيها آفتي، والآن قد يئست، وقد حملت نفسي على اليأس والصّبر، فإنّ اليأس يسلي، ولي أمور، ولا بدّ لي من رجوعي إليها، فإن وجدت من نفسي قوّة على ذلك، وإلا رجعت إليكم وزرتكم، حتّى يقضي اللّه من أمري ما يشاء. فزوّدوه وأكرموه وشيّعوه، فانصرف. فلمّا رحل عنهم نكس بعد صلاحه وتماثله، وأصابه غشي وخفقان؛ فكان كلّما أغمي عليه ألقي على وجهه خمار لعفراء زوّدته إيّاه؛ فيفيق.
قال: ولقيه في الطّريق ابن مكحول عرّاف اليمامة، فرآه وجلس عنده؛ وسأله عمّا به؛ وهل هو خبل أو جنون؟ فقال له عروة: ألك عنده علم بالأوجاع؟. قال: نعم؛ فأنشأ يقول:
وما بي من خبل ولا بي جنّةولكنّ عمّي يا أخيّ كذوب
أقول لعرّاف اليمامة داونيفإنّك إن داويتني لطبيب
فوا كبدا أمست رفاتا كأنمّايلذّعها بالموقدات طبيب
عشيّة لا عفراء منك بعيدةفتسلو ولا عفراء منك قريب
عشيّة لا خلفي مكرّ ولا الهوىأمامي ولا يهوى هواي غريب
فو اللّه لا أنساك ما هبّت الصّباوما عقّبتها في الرّياح جنوب
وإنّي لتغشاني لذكراك هزّةلها بين جلدي والعظام دبيب
وقال أيضا يخاطب صاحبيه الهلاليّين بقصّته:
خليليّ من عليا هلال بن عامربصنعاء عوجا اليوم وانتظراني
ولا تزهدا في الذّخر عندي وأجملافإنّكما بي اليوم مبتليان
ألمّا على عفراء إنّكما غدابوشك النّوى والبين معترفان
فيا واشي عفراء ويحكما بمنوما وإلى من جئتما تشيان
بمن لو أراه عانيا لفديتهومن لو رآني عانيا لفداني
متى تكشفا عنّي القميص تبيّنابي الضّرّ من عفراء يا فتيان
إذن تريا لحما قليلا وأعظمابلين وقلبا دائم الخفقان
وقد تركتني لا أعي لمحدّثحديثا وإن ناجيته ونجاني
جعلت لعرّاف اليمامة حكمهوعرّاف حجر إن هما شفياني
فما تركا من حيلة يعرفانهاولا شربة إلا وقد سقياني
ورشّا على وجهي من الماء ساعةوقاما مع العوّاد يبتدران
وقالا: شفاك اللّه واللّه مالنابما ضمّنت منك الضّلوع يدان
فويلي على عفراء ويلا كأنّهعلى الصّدر والأحشاء حدّ سنان
أحبّ ابنة العذريّ حبّا وإن نأتودانيت فيها غير ما متداني
صوت
إذا رام قلبي هجرها حال دونهشفيعان من قلبي لها جدلان
غنّته شاريه؛ ولحنه من الثقيل الأوّل.
إذا قلت: لا، قالا: بلى، ثمّ أصبحاجميعا على الرأي الّذي يريان
تحمّلت من عفراء ما ليس لي بهولا للجبال الرّاسيات يدان
فيا ربّ أنت المستعان على الّذيتحمّلت من عفراء منذ زمان
كأنّ قطاة علّقت بجناحهاعلى كبدي من شدة الخفقان
في: تحمّلت من عفراء…
والذي بعده، ثقيل أوّل، يقال إنه لأبي العبيس بن حمدون.
قال: فلم يزل في طريقه حتى مات قبل أن يصل إلى حيّه بثلاث ليال، وبلغ عفراء خبر وفاته، فجزعت جزعا شديدا، وقالت ترثيه:
ألا أيّها الرّكب المخبّون ويحكمبحقّ نعيتم عروة بن حزام
فلا تهنأ الفتيان بعدك لذّةولا رجعوا من غيبة بسلام
وقل للحبالى: لا ترجّين غائباولا فرحات بعده بغلام
قال: ولم تزل تردّد هذه الأبيات وتندبه بها، حتى ماتت بعده بأيّام قلائل.
وذكر عمر بن شبّة في خبره: أنّه لم يعلم بتزويجها حتى لقي الرّفقة التي هي فيها، وأنّه كان توجّه إلى ابن عمّ له بالشّام، لا باليمن، فلمّا رآها وقف دهشا، ثم قال:
فما هي إلا أن أراها فجاءةفأبهت حتى ما أكاد أجيب
وأصدف عن رأيي الذي كنت أرتئيوأنسى الذي أزمعت، حين تغيب
ويظهر قلبي عذرها ويعينهاعليّ فما لي في الفؤاد نصيب
وقد علمت نفسي مكان شفائهاقريبا، وهل ما لا ينال قريب؟
حلفت بربّ السّاجدين لربّهمخشوعا، وفوق السّاجدين رقيب
لئن كان برد الماء حرّان صادياإليّ حبيبا إنّها لحبيب
وقال أبو زيد في خبره: ثم عاد من عند عفراء إلى أهله، وقد ضني ونحل، وكانت له أخوات وخالة وجدّة، فجعلن يعظنه ولا ينفع، وجئن بأبي كحيلة رباح بن شدّاد مولى بني ثعيلة، وهو عرّاف حجر، ليداويه فلم ينفعه دواؤه.
وذكر أبو زيد قصيدته النّونيّة التي تقدّم ذكرها، وزاد فيها:
وعينان أوفيت نشرا فتنظرامآقيهما إلا هما تكفان
سوى أنّني قد قلت يوما لصاحبيضحى وقلوصانا بنا تخدان
ألا حبّذا من حبّ عفراء واديانعام وبزل حيث يلتقيان
وقال أبو زيد: وكان عروة يأتي حياض الماء التي كانت إبل عفراء تردها فيلصق صدره بها، فيقال له: مهلا، فإنّك قاتل نفسك، فاتق اللّه. فلا يقبل، حتى أشرف على التّلف، وأحسّ بالموت.
فجعل يقول:
بي اليأس والدّاء الهيام سقيتهفإيّاك عنّي لا يكن بك ما بيا
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال: حدّثنا الزّبير بن بكّار قال: حدّثني عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون، عن أبي السّائب قال: أخبرني ابن أبي عتيق قال: واللّه إنّي لأسير في أرض عذرة إذا بامرأة تحمل غلاما جزلا، ليس يحمل مثله، فعجبت لذلك، حتى أقبلت به، فإذا له لحية، فدعوتها فجاءت، فقلت لها: ويحك! ما هذا؟ فقالت: هل سمعت بعروة بن حزام؟ فقلت: نعم، قالت: هذا واللّه عروة. فقلت له: أنت عروة؟ فكلمني وعيناه تذرفان وتدوران في رأسه، وقال: نعم أنا واللّه القائل:
جعلت لعرّاف اليمامة حكمهوعرّاف حجر إن هما شفيان
فقالا: نعم نشفي من الدّاء كلّهوقاما مع العوّاد يبتدران
فعفراء أحظى الناس عندي مودّةوعفراء عنّي المعرض المتواني
قال: وذهبت المرأة، فما برحت من الماء حتى سمعت الصّيحة، فسألت عنها، فقيل: مات عروة بن حزام.
قال عبد الملك: فقلت لأبي السائب: ومن أيّ شيء مات؟ أظنّه شرق، فقال: سخنت عيناك، بأيّ شيء شرق؟ قلت بريقه - وأنا أريد العبث بأبي السائب - أفترى أحدا يموت من الحبّ؟ قال: واللّه لا تفلح أبدا، نعم يموت خوفا أن يتوب اللّه عليه!!
أخبرني عمّي قال: حدّثنا الكرانيّ، عن العمري، عن الهيثم بن عديّ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النعمان بن بشير قال: ولاني عثمان - رضي اللّه عنه - صدقات سعد هذيم، وهم: بليّ، وسلامان وعذرة، وضبّة بن الحارث، ووائل: بنو زيد، فلمّا قبضت الصدقة قسّمتها في أهلها، فلمّا فرغت وانصرفت بالسهمين إلى عثمان - رضي اللّه عنه - إذا أنا ببيت مفرد عن الحيّ، فملت إليه، فإذا أنا بفتى راقد في فناء البيت، وإذا بعجوز من ورائه في كسر البيت، فسّلمت عليه، فردّ عليّ بصوت ضعيف، فسألته: مالك؟ فقال:
كأنّ قطاة علّقت بجناحهاعلى كبدي من شدّة الخفقان
وذكر الأبيات النونيّة المعروفة، ثم شهق شهقة خفيفة كانت نفسه فيها، فنظرت إلى وجهه فإذا هو قد قضى فقلت: أيّتها العجوز، من هذا الفتى منك؟ قالت: ابني، فقلت: إني أراه قد قضى، فقالت: وأنا واللّه أرى ذلك، فقامت فنظرت في وجهه ثم قالت: فاظ وربّ محمد، قال: فقلت لها: يا أمّاه، من هو؟ فقالت: عروة بن حزام، أحد بني ضبّة، وأنا أمّه، فقلت لها؛ ما بلغ به ما أرى؟ قالت: الحبّ، واللّه ما سمعت له منذ سنة كلمة ولا أنّة إلا اليوم، فإنه أقبل عليّ ثم قال:
من كان من أمّهاتي باكيا أبدافاليوم إنّي أراني اليوم مقبوضا
يسمعننيه فإنّي غير سامعهإذا علوت رقاب القوم معروضا
قال: فما برحت من الحيّ حتى عسّلته، وكفّنته، وصلّيت عليه، ودفنته.
وذكر أبو زيد عمر بن شبّة في خبره، هذه القصة عن عروة بن الزّبير، فقال هذين البيتين بحضرته: من كان من أخواتي باكيا أبدا…
قال: فحضرنه فبرزن - واللّه - كأنهنّ الدّمى، فشققن جيوبهنّ، وضربن خدودهنّ، فأبكين كلّ من حضر. وقضى من يومه.
وبلغ عفراء خبره، فقامت لزوجها فقالت: يا هناء، قد كان من خبر ابن عمي ما كان بلغك، وو اللّه ما عرفت منه قطّ إلّا الحسن الجميل، وقد مات فيّ وبسببي، ولا بدّ لي من أن أندبه وأقيم مأتما عليه. قال: افعلي. فما زالت تندبه ثلاثا، حتى توفّيت في اليوم الرابع.
وبلغ معاوية بن أبي سفيان خبرهما، فقال: لو علمت بحال هذين الحرّين الكريمين لجمعت بينهما.
وروي هذا الخبر عن هارون بن موسى القرويّ، عن محمد بن الحارث المخزوميّ، عن هشام بن عبد اللّه، عن عكرمة، عن هشام بن عروة عن أبيه، أنّه كان شاهدا ذلك اليوم. ولم يذكر النعمان بن بشير في خبره.
وذكر هارون بن مسلمة عن غصين بن برّاق، عن أم جميل الطائيّة: أنّ عفراء كانت يتيمة في حجر عمّها عمّه، فعرضها عليه فأباها، ثم طال المدى، وانصرف عروة في يوم عيد، بعد أن صلّى صلاة العيد، فرآها وقد زيّنت، فرأى منها جمالا بارعا، وقدّمت له تحفة فنال منها وهو ينظر إليها، ثم خطبها إلى عمّه فمنعه ذلك، مكافأة لما كان من كراهته لها لمّا عرضها عليه، وزوّجها رجلا غيره فخرج بها إلى الشام، وتمادى في حبّها حتى قتله.
حدّثنا محمد بن خلف وكيع قال: حدّثنا عبد اللّه بن شبيب قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وغيره، عن سليمان بن عبد العزيز بن عمران الزّهريّ قال: حدّثني خارجة المكّيّ: أنه رأى عروة بن حزام يطاف به حول البيت، قال: فدنوت منه، فقلت: من أنت؟ فقال: الذي أقول:
أفي كلّ يوم أنت رام بلادهابعينين إنسانا هما غرقان!
ألا فاحملاني بارك اللّه فيكماإلى حاضر الرّوحاء ثم ذراني
فقلت له: زدني، فقال: لا واللّه ولا حرفا.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال: حدّثني أبو سعيد السكّريّ قال: حدّثني محمد بن حبيب قال: ذكر الكلبيّ، عن أبي صالح، قال: كنت مع ابن عبّاس بعرفة، فأتاه فتيان يحملون بينهم فتى لم يبق منه إلا خياله، فقالوا له: يا بن عمّ رسول اللّه، ادع له، فقال: وما به؟ فقال الفتى:
بنا من جوى الأحزان في الصدر لوعةتكاد لها نفس الشّفيق تذوب
ولكنّما أبقى حشاشة معولعلى ما به عود هناك صليب
قال: ثم خفت في أيديهم فإذا هو قد مات.
فقال ابن عبّاس:
هذا قتيل الحبّ لا عقل ولا قود
ثم ما رأيت ابن عبّاس سأل اللّه - جلّ وعزّ - في عشيّته إلّا العافية، ممّا ابتلي به ذلك الفتى، قال: وسألنا عنه فقيل: هذا عروة بن حزام.
صوت
أعالي أعلى اللّه جدّك عالياوأسقى برّياك العضاة البواليا
أعالي ما شمس النهار إذا بدتبأحسن ممّا تحت برديك عاليا
أعالي لو أنّ النساء ببلدةوأنت بأخرى لا تّبعتك ماضيا
أعالي لو أشكو الذي قد أصابنيإلى غصن رطب لأصبح ذاويا
اشعر للقتّال الكلابيّ.
وقد أدخل بعض الرّواة الأوّل من هذه الأبيات مع أبيات سحيم عبد بني الحسحاس التي أوّلها:
فما بيضة بات الظّليم يحفّها
في لحن واحد. وذكرت ذلك في موضعه، وأفردته على حدته، وأتيت به على حقيقته.
والغناء لابن سريج، ثاني ثقيل بالسبّابة في مجرى الوسطى. وذكر الهشاميّ أن فيه لأبي كامل ثاني ثقيل، لا أدري أهذا يعني أم غيره. ووافقه إبراهيم في لحن أبي كامل ولم يجنّسه، وزعم أن فيه لحنا آخر لابن عبّاد، وفيه ثقيل أول، ذكر ابن المكيّ أنه لمعبد. وذكر الهشاميّ أنّه ليحيى منحول إلى معبد. وذكر حبش أنّه لطويس.
وفي هذه القصيدة يقول القتّال:
أعالي أخت المالكيّين نوّليبما ليس مفقودا وفيه شفائيا
أصارمتي أمّ العلاء وقد رمىبي الناس في أمّ العلاء المراميا
أيا إخوتي لا أصبحن بمضلّةتشيب إذا عدّت عليّ النّواصيا
فراد لديك القوم واشعب بحقّهمكما كنت لو كنت الطّريد مراديا
وشمّر ولا تجعل عليك غضاضةولا تنس يا بن المضرحيّ بلائيا
ولهذه القصيدة أخبار تذكر في مواضعها ها هنا إن شاء اللّه تعالى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع