من «الاختيارين» للأخفش الأصغر (ت ٣١٥هـ)
١ قال طفيل بن عوف
ابن خلف بن ضبيس بن مالك بن سعد بن عوف بن كعب بن جلان بن كعب بن غنم بن غني بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان ابن مضر. واسم غني: عمرو. واسم أعصر: منبه. وإنما عصره بيت، قاله:
أعمير، إن أباك غير رأسهمر الليالي، واختلاف الأعصر
فسمي بهذا البيت أعصراً.
وإنما قال طفيل هذه القصية في غارة، كان أغارها على طيئ، فنال منها، وقتل، وأسر. وهذه القصيدة من أجود شعره.
بالعقر دار، من خميلة، هيجتسوالف حب، في فؤادك، منصب
"العقر": بالعالية، في بلاد قيس. "سوالف" أي: سوابق سبقت، بحبها، وتقدمت. وكل متقدم: سلف. وهم السلاف. ومنه سميت سلافة الشراب، لأول ما يسيل منه. "منصب": متعب. والنصب: التعب.
فيقول: هيجت حباً، قد كان، ثم انقطع، فذهب.
وكنت، إذا ناءت بها غربة النوى،شديد القوى، لم تدر: ما قول مشغب؟
أراد "نأت" فقلب، ومعناه: بعدت عنك. يقال: نأيت عنه نأياً، ونأيته نأياً. ويقال "نوًى غربة" إذا كانت بعيدة وكل إبعادٍ: اغترابٌ. ومنه يقال: اغرب، أي: ابعد. ومنه شأوٌ مغرب أي مبعدٌ. و"النوى" والنية: الوجه الذي تنويه، وتريده. ونويك: الذي نيته مثل نيتك. "شديد القوى": أي: يشتد عزاؤك عنها، ولا يضعف. وأصل القوى: طاقات الحبل. واحدتها: قوةٌ. ويقال: قد أقويت حبلك، إذا اختلفت قواه، فكان بعضها أغلظ من بعض. ومنه الإقواء في الشعر،
وهو: اختلاف قوافيه بالرفع والخفض. "مشغب" أي: ذو شغب عليك، وخلافٍ. ويروى: "مشعب" أي: لم تدر ما قول من يشعبك عنها، فيصرفك، ويباعدك. وظبي أشعب إذا كان بعيد ما بين القرنين.
كريمة حر الوجه، لم تدع هالكاًمن القوم، هلكاً في غد، غير معقب
"حر الوجه": أكرم موضع فيه. ومنه حر الفاكهة. ومنه قول الأعشى:
فتناولت قيساً، بحر بلاده
أي بأكرم بلاده.
فيقول: لم تدع هالكاً، هلك هلكاً، غير معقب في غد، أي: لم تندب من لا يخلفه غيره، إذا هلك، لأنها في عداد قومٍ يخلف بعضهم بعضاً. ومعنى "في غد" فيما بقي. "غير معقب": لم يدع عقباً مثله.
أسيلة مجرى الدمع، خمصانة الحشىبرود الثنايا، ذات خلق، مشرعبِ
"أسيلة" أي: سهلة الخدين. يقال: أسل يأسل أسلاً، وأسالةً. "خمصانة": طاوية، خميصة. وهو الخَمْصُ والخُمْصُ. و"الحشى": ما بين آخر الأضلاع إلى الورك. والتثنية حشيان. وقال أبو زيد: حشوان. "مشرعب" يقال لكل خلق طويل منصب: مشرعب. ويقال لبرودٍ، فيها خطوط طوال: شرعبية.
ترى العين ما تهوى، وفيها زيادةمن اليمن، إذا تبدو، وملهًى لملعبِ
أي: ترى العين ما تشتهي العين أن تراه، وفيها زيادةٌ، على ما تراه فيها. "من اليمن" يعني: يمن الطائر. و"الملعب" ههنا: اللعب. قال: وهو مثل قول الراعي:
بنيت مرافقهن، فوق مزلةلا يستطيع بها، القراد مقيلا
أي: قائلةً، لأنها ملساء، لا يدب بها. فيقول: فيها ملهًى لمن أراد اللهو واللعب.
وبيت، تهب الريح في حجراتهبأرضٍ، فضاء، بابه لم يحجب
يعني: أبراداً، خلها وعمدها بالقنا والقسي، واستظل بها. يقال: هبت الريح تهب هبوباً. وهب من نومه يهب هباباً. و"الفضاء": الواسعة. و"الحجرات": النواحي. الواحدة: حجرة. ومثلٌ من الأمثال: "يأكل وسطاً، ويربض حجرة" للذي يصيب المهنأ، ويتباعد عن الشر.
سماوته أسمال بردٍ، محبرٍوصهوته من أتحمي، معصب
"سماوته": أعلاه كله. وكذلك سماؤه. و"الأسمال": الأخلاق. واحدها: سملٌ. وقد أسمل الثوب إسمالاً إذا خلق. "محبر": موشى. والتحبير: التحسين. و"صهوته" أراد وسطه. وهذا مثل صهوة الدابة، وهو موضع اللبد منها. "أتحمي": ضرب من البرود. "معصب": من عصب اليمن.
وأطنابه أرسان جرد، كأنهاصدور القنا، من بادئٍ، ومعقبِ
"الأطناب": الحبال التي يشد بها الخباء إلى الأوتاد. و"جرد" قصار الشعرة. وطول الشعرة هجنةٌ. "كأنها" يعني: الخيل. "صدور القنا" في ضمرها، وصلابتها. وإذا كان كالصدر فهو كالقناة كلها. يقال: جاء
فلانٌ على صدر راحلته، أي على راحلته. وقال الأصمعي مرة أخرى: أراد: إشرافها، وأنشد للشماخ:
مسببةٌ، قب البطون كأنهارماحٌ، نحاها وجهة الريح راكزُ
ذكر أنها مسببة، يقال: قاتلها الله وأخزاها الله، تعجباً. و"البادئ": الذي غزا أول غزوة. و"المعقب": الذي يغزى عليه غزوةً بعد أخرى. وأنشد لأعشى باهلة:
سما، للبون الجارمي، سميدعٌإذا لم ينل، في أول الغزو، عقبا
أي: غزا ثانية. ويقال: صلى فلانٌ في أول الليل، ثم عقب في صلاته.
نصبت على قومٍ، تدر رماحهمعروق الأعادي، من غريرٍ، وأشيب
أي: نصبت هذا البيت. وقوله: "تدر رماحهم": أي: تدر الدم، كما يخرج المدر اللبن. وأصل "الغرارة": قلة الفطنة والتجربة. فيقول: تقتل "الأشيب" المجرب والمحرس، و"الغدير" الذي لا تجربة له.
وفينا ترى الطولى، وكل سميدعمدرب حربٍ، وابن كل مدربِ
"الطولى": العظمى من الأمور، التي هي أطول وأشرف. يقال: الطولى من الخصال في آل فلان، أي: العظام، الشريفة. و"السميدع": السهل الخلق الموطأ الأكناف. "مدرب" أي: وقحته الحرب، وحرسته، حتى درب. وأصل الدرابة: الضراوة وهي الدربة أيضاً.
طويل نجاد السيف، لم يرضَ خطةمن الخسف، ورادٍ إلى الموت، صقعبِ
"طويل نجاد السيف" أراد: أنه طويل الجسم. وإذا كان كذلك لم يكن نجاده إلا طويلاً. و"النجاد": حمائل السيف. ويقال: إنه لغمرُ الرداء، إذا كان واسع المعروف. قال كثير:
غمر الرداء، إذا تبسم، ضاحكاًغلقت، لضحكته، رقاب المال
ويقال: ناقةٌ شديدة جفن العين، إذا كانت قليلة النوم، وإن كانت مسترخية الجفون. ويقال: فرس طرب العنان، إذا كان رشيقاً، خفيفاً.
و"الخسف": الضيم، وهو في البهائم أن تحبس على غير علف. و"الصقعب": الجسيم الطويل.
تبيت كعقبان الشريف رجالهإذا ما نووا إحداث أمر معطبِ
"رجاله": رجالته. قوم رجل، ورجال ورجالى، ورجالى. وقوله "كعقبان الشريف" شبههم بعقبان الشريف حرصاً على الغارة. وقد سألت العرب عن "الشريف" فقالوا: التسرير وادٍ بنجد. فما كان يلي المشرق منه فهو الشريف، وما كان يلي المغرب فهو الشرف. والشرف: كبد نجد. و"إحداث": مصدر أحدث. ويروى: "أحداث" بالفتح، وهو جمع حدثٍ. "معطب": ذو عطبٍ، وهو الهلاك. ويروى "تبث" أي: تفرق.
وفينا رباط الخيل، كل مطهمٍرجيل، كسرحان الغضى، المتأوبِ
يقال: في آل فلان رباطٌ، أي: أصل خيلٍ، مرتبطةٍ بنجد. ويقال: هذا من رباط آل فلانٍ، أي: من أصل خيلهم. و"المطهم":
الذي يحسن كل شيء منه، على حدته. و"الرجيل": الشديد الحافر. قال الغنوي: وذكر امرأةً:
أنى سريتِ، وكنت غير رجيلةٍ؟شهدت عليكِ، بما فعلت، شهود
و"السرحان": الذئب. وجمعه سراحين. وقال: ذئب "الغضى" أخبث من غيره، لأنه خمر، يستخفي بالشجر. يقال: أخبث الذئاب ذئب الغضى، وأخبث الأفاعي أفاعي الحدب، وأخبث الحيات حيات الحماط، وأسرع الظباء تيس الحلب، واسرع الأرانب أرانب الخُلة، لأنها تطويها وتضمرها. والحمض يفتقها، وأشد الناس الأعجف الضخم، وأجمل النساء الضخمة الأسيلة، وأقبحهن الجهمة القفرة، وهي القليلة اللحم، وأغلظ المواطئ الحصا على الصفا. و"المتأوب": الذي يأتي أهله ليلاً. فأراد: كسرحانٍ يتأوب. فذاك أشد لعدوه، ومضيه.
يذيق الذي يعلو على ظهر متنه،ظلال خذاريفٍ، من الشد، ملهب
"يذيق: أي: يوجد مس عدوٍ، وطعم عدو. كقولك للرجل: لأذيقنك ما يسوءك. "ظلال خذاريف": ظلال خذرفةٍ. والخذرفة: مرٌ
سريع. تخذرف إذا أسرع. وظلاله هو بعينه. يقال: فلان في ظل عيش. وفسر مرة أخرى فقال: هذا مثلٌ. وهو جري سريعٌ، كأنه مر الخذروف. والخذروف: الخرارة، التي يلعب بها الصبيان. ويقال للرجل، وللدابة، إذا شد العدو: قد أهذب، و"ألهب".
وجرداء ممراحٍ، نبيلٍ حزامهاطروحٍ، كعود النبعة، المتنخب
"جرداء": قصيرة الشعرة. وذلك من كرم الفرس وعتقها. وطول الشعرة هجنةٌ. وقوله" نبيل حزامها" أي: هي عظيمة الوسط. وهو كقولك: إن فلاناً لعفيف الإزار، تريد: عفيف الفرج. وتقول العرب: فداءٌ لك رجلايَ، وفداء لك ثوبايَ، كقولهم: أنا أفديك. وأنشد للراعي:
ولله ثوبا حبترٍ، أيما فتى
يريد: لله ما ضم ثوبا حبترٍ. وقوله: "طروح" أي: شديدة النفح برجليها. وذلك من شدة نساها. وإذا كان عيفاً لم يفعل ذلك. ويقال: قوسٌ طروحٌ، وهي البعيدة القذف للسهم. قال أبو النجم:
أنحى شمالاً همزى، نضوحاًوهتفي، معطيةً، طروحا
ومنه قولهم: يدعوه الربيع المطرح. وقوله: "كعود" يعني قوساً بصلابتها. و"المنتخب": الذي انتخب من القسي، أي: اختير. ويروى: "المنتجب" وهو الذي نزع نجبه، أي قشره.
تنيف، إذا اقورت من القود وانطوت،بهادٍ رفيعٍ، يقهر الخيل، صلهبِ
"تنيف": تشرف. قصر منيفٌ أي: متشرف. ويقال للمرأة الجسيمة، والناقة: نيافٌ. ويقال للسنام: نوف، لإشرافه. ومنه: ألفٌ ونيف أي: شيء يشرف على الألف. قال ابن الرقاع:
ولدت، برابيةٍ، رأسهاعلى كل رابيةٍ، نيفُ
و"الاقورار": الضمر، وتغير السبر. والسبر: الحال التي تظهر، من الطلاوة والحسن. وليس كل منطوٍ مقوراً. قد ينطوي، وهو حسن. "بهادٍ" أي: بعنق. "يقهر": يعلو على الخيل. "صلهب": طويل، جسيم. فيقول: تمد أعناقها، ويطويها القود، ويكسرها.
وعوجٍ، كأحناء السراء، مطت بهامطارد، تهديها أسنة قعضب
"عوج" معطوفة على قوله "بهادصلهب" وعوج. والمعنى:
ولها عوج، يعني: ضلوعها. وكل عود معطوف: "حنوٌ". و"السراء": شجر باليمن، تعمل منه القسيُّ. "مطت": مدت. والمطو: المد. يقال: مطا يومه وليلته، أي: مد في السير. وسمي المطي مطياً، لأنه يمد به في السير. وقوله: "مطارد": أعناق، طوال، كأنها رماح. والمطارد كناية عن الأعناق. فيريد: كأن أعناقها رماح. "تهديها أسنة" أي: تقدمها، وتكون هوادي لها. و"قعضبٌ": قين كان بأضاخ، جاهلي. وقال طرفة فشبه الأضلاع بالقسي:
كأن كناسي ضالةٍ يكنفانهاوأطر قسيٍّ، تحت صلب، مؤيدِ
ويقال: "عوج": مهازيل، من الغزو. "مطت بها مطارد" أي: مدت بها في السير، لأنها تباري الرماح، كما قال:
يباري شباة الرمح خدٌّ، مذلق
وقال الآخر:
تباري مراخيها الزجاج، كأنها
إذا قيل: نهنهها، وقد جد جدهاترامت، كخذروف الوليد، المثقبِ
يقول: إذا ذهب يكفها "ترامت" أي: تتابعت في الجري. و"الخذروف": الخرارة.
قبائل، من فرعَيْ غنيٍّ، توهقتبها الخيل، لا عُزلٍ، ولا متأشِّب
"تواهقت": تسايرت. والمواهقة: أن تسير الدابة بحذاء الدابة، إن رفعت رفعت، وإن وضعت وضعت. وهي المواغدة في السير. وقد تكون المواهقة في السقي. و"العُزْل": الذين لا سلاح لهم. واحدهم: أعزل. قال أبو عبيدة: لو كانت معه خشبة ما كان أعزل. ويقال أيضاً في الجميع: عزلان. ويقال: رجل معزال، إذا كان لا يكاد يحمل السلاح. وقوله: "ولا متأشب" أي: لا خلط فيهم، من غيرهم. قال: والأشابة - وجمعها أشائب - الأخلاط. ويقال: أشبهم يأشبهم أشباً، إذا خلط بهم. ومنه سمي المشوب مشوباً لاختلاف ألوانه. والمأشوب والمشوب واحد. ويقال: بها أشاباتٌ، من الناس، وأوباشٌ، أي: أخلاط.
ألا، هل أتى أهل الحجاز مغارناعلى حي وردٍ، وابن ريا، المضرب؟
"
مغارنا": غارتنا. و"ورد وابن ريا": طائيان. و"المضرب": المفعل من الضرب، وليس اسمه المضرب. ويروى: "الملحب" أي: لحب بالسيوف.
جنبنا، من الأعراف، أعراف غمرةٍوأعراف لبن، الخيل، يا بعد مجنب!
"لبن" جبلٌ. ويقال: هذه لبن، كما ترى، غير مصروفة، وأنشد للراعي:
كجدنل لبن، تطرد الصلالا
أي: تتبع مواقع المطر. والصلال: أمطار متفرقة. وقوله: "يا بعد مجنب" تعجبٌ من بعد الموضع، الذي جنبت منه.
بنات الغراب، والوجيه ولاحقٍوأعوج، تنمي نسبة المتنسب
قال أبو عبيدة: كان "الوجيه والغراب ولاحقٌ" ومذهب ومكتوم، هذه الخمسة، فحولاً لعني بن أعصر. وقد تفرق أولادهن في سائر قبائل
العرب فإن ذكرها ذاكرٌ فإنما يفتخر بما صار إليه، من نسلها. وكان "أعوج" لكندة، فأخذته بنو سليم في بعض أيامهم، ثم صار إلى بني هلال. فافتخر طفيل ببنات أعوج، التي صرن في غني، ولم يفتخر بأن أعوج كان لهم.
وقال الأصمعي: هما أعوجان، فالأكبر منهما لغني، والأصغر لبني هلال. وذكر أن سبل هي أم أعوج الأكبر، وأنها كانت لغني.
قال أبو عبيدة: ليس فيهن فحل أشهر في العرب، ولا أكثر نسلاً فيهم، ولا الشعراء ولا الفرسان أكثر ذكراً، ولا افتخاراً به، من أعوج. وكان أولها.
الأصمعي: "بنات" ههنا ذكور. وما لم يكن من الناس قيل للذكور منه: بنات. وقوله: "تنمي" يعني: الخيل أنها تجد، من آبائها السوابق، ما تنسب إليه. وتنمى -بضم التاء - أي ترفع. ومنه: انتمى فلان: أي: ارتفع في نسبه.
وراداً وحوّاً، مشرفاً حجباتهابنات حصان، قد تعولم، منجب
قال أبو عبيدة: ويقال: فرس ورد، والمصدر الورودة، و"الورد": بين الكميت الأحمر، وبين الأشقر، وهو إلى الصفرة. و"الحوة": خضرة إلى سواد. يقال: فرس أحوى، وفرس حواء، إذا كانت خضرته
إلى السواد، واصفرت شاكلته. ويقال: أحوَوَى الفرس يحواوِي احوِواءً. ويقال: احواوى الفرس يحواوي احويواء. وبعض العرب يقول: حوي فهو يحوى حوة. و"الحجبات": رؤوس الأوراكِ، التي تشرف على الخواصر. ويستحب منه أن تظهر من اللحم، وتشرف. ويكره منها أن يغمرها اللحم، وأن تغمض. وقوله "قد تعولم" يقال: أمر متعالم، أي: قد علمه الناس وشُهِرَ. ومنزله متعالم أي: معلوم مكانه. "منجب": كريم النسل.
وكمتاً، مدماةً، كأن متونهاجرى فوقها، واستشعرت لون مذهب
يقال: كميت أحم، وهو أشد الخيل حافراً وجلداً، وهو الذي تضرب حمرته إلى السواد. و"كميت مدمى" وهو الذي كمتته إلى الحمرة، لا يخلطها سواد. وكميت "مذهب" وهو الذي تعلوه صفرة. قال الأصمعي: وقال بنو عبسٍ: ما صبر معنا، في حربنا، إلا بنات العم، ومن الخيل إلا الكمت، ومن الإبل إلا الحمر. قال الأصمعي: وكان الوجه أن يقول: جرى فوقها، واستشربته، لون مذهب. قال:
والعرب تجعل الفعل للآخر، وتبطل فعل الأول. واستشربت أي: أشربت يقال: فلان متشرب حمرة، أي: ألزم لونه حمرة. قال المرار:
ولكن أشربوا الأقران صهباً
أي: ألزموا الحبال أعناقها، لما قرنت فيها.
نزائع مقذوفاً على سرواتهابما لم تخالسها الغزاة، وتسهب
أي: "نزيع" كل قبيلة، أي: غريب كل قبيلة. وكذلك هي من النساء: كل غريبة نزيعة. وقوله: "مقذوفاً على سرواتها" أي: قذفت الأداة على ظهورها، بما تركت ليست بموضع تخالسها الكماة والغزاة، وتترك مسهبة. فاستغنى عن ذكر الأداة، فلم يذكرها. والمعنى: هذا التعب الذي عي فيه، بتلك الراحة. قال: ومثل من أمثال العرب "بما لا أخشى بالذئب" أي: إن كنت كبرت، حتى صرت أخشى بالذئب، فهذا بما كنت وأنا شاب لا أخشاه. يضرب مثلاً للرجل الذي يكون عزيزاً، ثم يرى ذلة. وقوله "بما" معناه: هذا بذاك. و"سرواتها": أعالي ظهورها. و"تسهب": تهمل. يقال: أسهب
فلان [فرسه] إذا تركها مهملةً. ورجل مسهب في منطقه، إذا لم يكن لكلامه جول يمسكه.
تباري مراخيها الزجاج، كأنهاضراء، أحست نبأةً، من مكلبِ
يقول: أعناقها كأنها تساير الرماح، من طولها. وأنشد:
يباري شباة الرمح خدٌّ، مذلقمحد السنان، الصلبي، النحيض
و"الزجاج" أراد: الأسنة. والزج عند العرب: السنان. والزج: الأسفل. ويقال للسنان والزج: زجان، وللنصل والزج: نصلان. قال المتنخل:
أقول، لما أتاني الناعيان به:لا يبعد الرمح، ذو النصلين، والرجل
و"مراخيها": جمع مرخاء. وهي السلهلة العدو، دون الاجتهاد يقال للذكر والأنثى: مرخاء. قال أبو عبيدة: هو إرخاء أعلى، وإرخاء أسفل. والإرخاء الأعلى: أن تخليه وشهوته، من الحضر، غير متعب له ولا مستزيد. والإرخاء الأسفل: بمنزلة التقريب الأعلى.
كأن يبيس الماء، فوق متونهاأشارير ملحٍ، في مباءة مجربِ
"يبيس الماء": ما يبس، من العرق، فصار أبيض. وعرق الخيل، إذا جف، أبيض. وعرق الإبل، إذا جف، أصفر. قال العجاج:
يصفر، لليبس، اصفرار الورس
وقال بشر:
تراها، من يبيس الماء، شهباًمخالط درة، منها، غرار
و"المتنان" والمتنتان: ما ابتد الصلب، من اللحم والعصب. و"الأشارير": جمع إشرارةٍ. وهو طرف الجلة يجفف عليه الأقط. وأصحاب الإبل الجربى يتخذون عليه الملح والقطران. قال عوف بن الخرع:
كل قبائلهم أتبعتكما أتبع العر، ملحاً، وقارا
فشبه بياض ما على الخيل، من العرق، ببياض هذه الإشرارة. "مجرب": صاحب إبلٍ جربى. والمجرب يجمع للإبل الجربى الملح، لدوائها به. و"المباءة": المحلة. يقال: أبأت الإبل، إذا رددتها إلى محلتها.
من الغزو، واقورت كأن متونهازحاليف ولدانٍ، عفت، بعد ملعب
الزحلوفة والجمع "زحاليف": متزحف الصبيان على أستاههن، من أعالي الربو إلى أسفله. وهذه لعبة أهل العالية. وبنو تميم، ومن يليهم، يقولون: زحلوقة وزحاليق. فشبه متون الخيل، ولحب اللحم عنها، بآثارهم. وأنشد:
كأن جزاراً براه، فالتحبفقاره، فاقتب من دون العصب
وأذنابها وحفٌ، كأن ذيولهامجر أشاءٍ، من سميحة، مرطب
قال: كل كبير الأصل ملتف النبت: "وحفٌ". و"الأشاء": صغار النخل. واحدتها: أشاءةٌ. و"سميحة": بئر بالمدينة. فيقول: كأن آثارها في الأرض مجر نخل، من طول أذنابها.
وآضت إلى أجوازها، وتقلقلتقلائد، في أعناقها، لم تقضبِ
أي: صارت إلى أجوازها. و"الجوز": الوسط. يقول: ذهب البدن والسمن عنها، ورجعت إلى أجوازها، وحالها الأولى. ويروى: "
وتمت إلى أجوازها" أي: جعل تمامها يصير إليها، وضمر ما سوى ذلك. من خلقها. وأنشد:
مشق الغدو، مع الرواح، لحومهاحتى ذهبن، كلاكلاً وصدورا
أي: ضمر كل شيء منها، إلا كلاكلها وصدورها. وقوله: "وتقلقلت" يقول: كانت قلائدها، حين بدأن، سماناً كفاف أعناقها، فلما ضمرت تقلقلت القلائد. "تقضب": تقطع. يقال: قضب الله يده، أي: قطعها. وسيفٌ قضاب: قطاع.
كأن سدى قطن النوادف خلفهاإذا استودعته كل قاعٍ، ومذنبِ
يقول: إذا هبطت إلى سهولة رأيت خلفها مثل الملاء، للغبار الذي تثيره. فيقول: كأن بالقاع ثياباً، إذا هبطته، مما تثير به الغبار. فقال: "سدى" وإنما يريد: الثياب. قال ابن الرقاع:
يتعاوران، من الغبار، ملاءةًبيضاء، محدثةً، هما نسجاها
تطوى، إذا علوا مكاناً، جاسياًوإذا السنابك أسهلت نشراها
"القاع": المكان الحر الطين، ليس فيه حصاً، ولا حجارة.
والجمع القليل: أقواعٌ. والكثير: القيعان. و"المذنب": مدفع الماء إلى الروضة. والجمع: مذانب. وأصل ذلك أن العرب تسمي المغارف مذانب. وإنما جعل ذلك مذنباً، لغرفه الماء.
إذا هبطت سهًلا كأن غبارهبجانبه، الأقصى، دواخن تنضب
"دواخن": جمع داخنة. و"التنضب": شجر له دخان أبيض. والواحدة: تنضبة. قال الجعدي:
كأن الغبار، الذي غادرتضُحَيّاً، دواخن من تنضب
كأن رعال الخيل، لما تبادرت،نوادي جراد الوهدة، المتصوب
ويروى: "جراد الهبوة". و"الرعال": القطع من الخيل والحمر. واحدتها: رعلة. و"نوادي" كل شيء: أوائله وسوابقه. فنوادي الخيل والإبل: سوابقها وأوائلها. وكذلك نوادي الأخبار. ومن ثم قيل: لا ينداك مني أمر تكرهه، أي: لا يسبق. وأنشد:
لم تر أرضٌ، ولم يسمع بساكنهاإلا بها، من نوادي وقعه، أثر
و"الوهدة": ما اطمأن من الأرض. قال: وإذا ذكروا السرعة ذكروا الهبوط. وأما الإبطاء فالصعود. و"الهبوة"، والأهباء: الغبرة. يقال: ثار أهباء، كما ترى. وقد أهبى الظليم. ويقال: ما هاج جراد قط، إلا هاجت عليه غبرةٌ.
وهصن الحصاء، حتى كأن رضاضهذرى بردٍ من وابلٍ، متحلبِ
"الوهص": شدة الوطء. يقال: فلانٌ وهاص المشية. وأنشد:
شديد وهص، قليل الرهص، معتدلٌبصفحتيه، من الأنساع، أنداب
و"رضاضه": ما ترضض منه، وتكسر. فيقول: كأن الذي كسرت من الحصا "ذرى بردٍ" أي: أعالي بردٍ. وإنما قال "أعالي برد" لأنه يتكسر قبل ما كان منه أسفل. و"الوابل" من المطر: الضخم القطر، الشديد الوقع. يقال: وبلت السماء تبل وبلاً.
يبادرن، بالفرسان، كل ثنيةٍجنوحاً، كفراط القطا، المتسربِ
قال: لا يقال لراكب الفرس: راكب. إنما يقال له "فارس".
إنما يقال لراكب البعير: راكبٌ. والجمع: ركب وركبان. ويقال: رأيت ركبة ثلاثة، ورأيت أركوباً. و"الثنية": الطريق في الجبل. أي: كلما طلعت لهن ثنيةٌ ابتدرن بالفرسان الثنايا، تمضي بهم فيها. "جنوحاً": فيهن إصغاءٌ، قد جنحن إلى الأرض قليلاً. وقال أبو عبيدة: الجنوح والاجتناح أن يكون حضره واحداً، لأحد شقيه، يجتنح عليه، ويعتمد في حضره. قوله: "كفراط" أي: كسوابق القطا، ومتقدمه. والواحد: فارط. ويقال له أيضاً: فرطٌ، للواحد وللجمع. ويقال: فرط إليه مني قولٌ، أي: سبق. ومنه قولهم في الدعاء للمولود الميت: "اللهم اجعله لنا فرطاً" أي: أجراً يتقدمنا، حتى نرد عليه. ومنه حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أنا فرطكم على الحوض". و"المتسرب": الذي يمضي سربة سربة، أي: قطعة قطعة.
وعارضتها، رهواً، على متتابعٍشديد القصيرى، خارجيٍّ، محنَّبِ
"رهواً": سيراً سهلاً. يقال: تكلم فلانٌ سهواً رهواً. و"المتتابع": الذي أشبه بعض خلقه بعضاً. ويقال: تتابع أمر القوم إذا اتسق. وقوله: "شديد القصيرى" قال الأصمعي: فيها قولان: أنها الضلع التي
في أقصى الأضلاع، مما يلي الخاصرة، وهي ضلع الخلف. ويقال: هي الجانحة التي في الصدر. و"الخارجي" من الناس والدواب: البارع، الذي خرج على غير نسبه، بقوةٍ، ونبل، وسخاء، وكرم، أو جودةٍ في الحضر، على غير إرثٍ، أي: أصلٍ. و"المحنب": الذي هو أقنى صلب: وهو أن تكون عصبة ذراعه ظاهرةً، ليست بملساء. وهو يستحب.
كأن على أعطافه ثوب مائحٍوإن يلق كلبٌ، بين لحييه، يذهب
"أعطافه": جوانبه. وإنما له عطفان، فجمعهما بما حولهما. فيقول: قد ندي، من العرق، فكأن عليه "ثوب مائح" وهو الذي ينزل في البئر، إذا قل الماء، فيملأ الدلاء، فإذا خرجت الدلاء انصب عليه من مائها، فملأت ثيابه. وقال:
أبيت كأني كل آخر ليلةمن الرحضاء، آخر الليل، مائح
"وإن يلق كلب" لسعة شدقيه وفمه
كأن على أعرافه، ولجامه،سنا ضرم، من عرفجٍ، متلهبِ
ويروى:
تخال بكتفيه، إذا اشتد ملهباًسنا ضرمٍ
"السنا": الضوء. فيقول: كأن أعرافه ولجامه ضوء ضرمٍ. وإذا كان له كان له حفيف. ولا يكون حفيف النار حتى تتقد. يقول: يحف، من شدة العدو، حتى كأن عرفجاً يتضرم على عنانه وعنقه. و"الضرم": جمع ضرمةٍ. وهو كل هدبٍ، تسرع فيه النار، ليس بجزلٍ. وقال أوس:
إذا اجتهدا، شدّاً، حسبت عليهماعريشاً، عليه النار، فهو يحرق
والعريش: الظلة من الثمام وغيره. شبه حفيفهما، حين يمران، بحفيف ظلةٍ، قد اشتعلت فيها النار.
إذا انصرفت من عنةٍ، بعد عنةٍ،وجرسٌ على آثارها، كالمؤلب
ويروى: "من غمةٍ بعد غمة". "العنة": العطفة. أي: عطفةٍ بعد عطفةٍ. وقوله: "غمةٍ" أي: أمر شديد. وكل صوتٍ: جِرسٌ وجَرسٌ. وقد أجرس الطائر إذا سمعت صوت مره. وإنما عنى قوماً يطلبونه. و"المؤلب": المحرش.
تصانع أيديها السريح، كأنهاكلاب جميعٍ، غرة الصيف، مهربِ
يقول: تدارس به السقط من أيديها. و"المصانعة": المداراة. و"السريح": جمع سريحةٍ. وهي شقة يشد بها نعل الفرس، إذا أُنعِلَ. وقال أبو عمرو الشيباني: يريد جميع مهربٍ. "غرة الصيف" يقول: جاء الصيف، فارتحلوا عن ذلك المكان، فصارت الخيل مرسلةً، تجيء وتذهب، كأنها كلابٌ، تختلف من شدة الحر. ويقال: مازال مهرباً، إذا جاء ذعراً خائفاً. ويقال للمرأة، إذا جاءت مهربةً، مثل ذلك. ورواها أبو عبيدة: "كأنها كلابٌ، في هراسٍ، مقبب"، وقال: "الهراسة": شوكة مقببةٌ.
إذا انقلبت أدت وجوهاً، كريمةًمحببةً، أدين كل محببِ
"انقلبت": رجعت الخيل من الغزو. و"أدت وجوهاً كريمةً" أي: رجعت بها. يعني: فرسانها. "محببة" يعني: الخيل.
خدت، حول أطناب البيوت، وسوفتمراداً، وإن تقرع عصا الحرب تركبِ
"الخدي": ضرب من السير. يقال: خدى الفرس يخدي خدياً،
وخدياناً، وخد يخد وخداً. وهو أن يزج بقوائمه، نحو عدو النعامة. "سوفت" يقول: شمت مواضع، قد عرفتها، كانت ترود فيها. و"المراد": حيث تسرح. وقوله: "وإن تقرع عصا الحرب" أي: يؤذن بالحرب. وليس للحرب عصاً. إذا كان فزع قيل: قرعت العصا. وقوله: "تركب" يقول: فيها فضل للتعقيب. وقوله: "حول أطناب البيوت" أي: هي مقربةٌ مكرمةٌ.
فلما بدا هضب القنان، وصارةٌووازنٌ، من شرقيِّ سلمى، بمنكبِ
"القنان": جبلٌ لبني أسد. ويروى: "حبس القنان" وهو جبلٌ إلى جنب القنان. "وازن": ساوين وحاذين. وحكى الفراء: دارى بوازنِ [داره]، أي: بحذائها. و"سلمى": أحد جبلي طيئ.
أنخنا، فسمناها النطاف، فشاربٌقليلاً، وآبٍ، صد عن كل مشرب
أي: صببنا لها الماء، وعرضناها عليه. يقال: "سمته" كذا وكذا أي: عرضته عليه. ويقال: سامه سوم عالةٍ، أي: عرض عليه عرضاً،
ليس بالمحكم. فالعالة: التي قد نهلت فشربت شربةً، ثم علت ثانيةً، فهي لا يعرض عليها الماء عرضاً يبالغ فيه. و"النطاف": جمع نطفةٍ. وهي البقايا القليلة، في المزاد والقرب. وقوله "صد عن كل مشرب" يقول: هو مجرب، قد علم أنه يغار عليه، فيترك الشرب، لأنه إذا طرد، وقد شرب، كان أشد عليه. فيقول: أنخنا الإبل، لنسقي الخيل. وقال غير الأصمعي: تعاف الماء، فلا تشربه، من التعب والكلال.
ترادى على فأس اللجام، كأنمايرادى، به، مرقاة جذعٍ مشذبِ
"ترداى": تعالج وتراود عليه. فقلبه. وقد يكون "ترادى" من المدافعة. يقال: راداه على ذلك الأمر، من الردي. قال الأصمعي: من ثم قيل: درى حروبٍ. "مرقاة جذع" يريد: الموضع الذي يرتقى في النخلة منه. "مشذب": منزوع شذبه. وشذب كل شيء: ما إذا نقي ألقي. فيقول: كأنما نعالج، فعلاجه، جذعاً. وسمعت أبا عمرو يقول: المراداة: المصانعة، والمداراة، وهي المدالاة، والمصافاة، والمغاناة،
والمعانة، والمداجاة، والمساناة. وأنشد لكثير:
وللصرم من أسماء ما لم ندالها
وشد العضاريط الرحال، وأسلمتإلى كل مغوار الضحى، متلبب
يقول: شد الأعوان الرحال، وأسلمت الخيل. أي: أن العضاريط كانوا يقودونها، وركب القوم الإبل. فلما دنا القتال أسلموها إلى الفرسان. "مغوار الضحى" يريد: صاحب غارة بالضحى. والغارة تكون مع الصبح، فلم يقدر أن يقوله، فقال: "الضحى". و"المتلبب": المتحزم بالسلاح. قال: وأنشدني أبو عمرو بن العلاء:
واستلأموا، وتلببواإن التلبب للمغير
فلم يرها الراؤون، إلا فجاءةًبوادٍ تناصصيه العضاه، مصوب
"تناصيه": تواصله. يقال: بلد بني فلانٍ وبلد بني فلانٍ يتناصيان. قال العجاج:
قيٌّ، تناصيها بلادٌ، قِيُّ
وقال أيضاً:
لم ترهبِ الشعواء أن تناصى
والشعواء: اسم ناقة له، أغير عليها. وقال: لم ترهب أن يصل إليها أحدٌ. و"العضاه": كل شجر يعظم له شوك. من أعرفِ ذلك الطلح، والسلم، والسيال، والعرفط.
ضوابع، تنوي بيضة الحي، بعدماأذاعت، بريعان السوام، المعزبِ
"الضابع": الذي يهوي بحافر يده إلى عضده. قال: والعضد يقال له: الضبع. قال أبو عبيدة: الضبع: أن يمد ضبعيه حتى لا يجد مزيداً، حتى تساوى يداه بعنقه ورأسه. قال الراجز:
إن الجياد الضابعات في العذر
قال: ويحولون العين حاءً، فيقولون: الضبح. قال الله ﷿: [والعاديات ضبحاً]. قال: وكان الحسن يقول: الضبح في الصوت. "تنوي": تريد و"بيضة الحي": جماعة الحي ومعظمهم. "أذاعت": طيرته وفرقته. يقال للرجل، إذا فرق الشيء في كل جهةٍ: أذاع به.
و"ريعان" كل شيء: أوائله. وكل إبل ترسل، فلا تعلف في الحي، عند أهلها، فهي "سائمة". فيقول: تنوي بيضة الحي، بعد أن أذاعت بأوائل السوام، وما عزب عن أهله، ففرقته. و"المعزب" الذي يبيت في المرعى، فر يروح إلى أهله. يقال: مالٌ عازبٌ وعزيبٌ. ويقال للرجل، إذا خف: عزب عنه حمله.
رأى مجتنو الكراث، من أهل عالجٍرعالاً، مطت من أهل شرجٍ، وأيهبِ
"الكراث": نبت ينبت في الرمل. و"عالج": بلد، يمر بين طيئ وفزارة. فقال: يصغر أمرهم: "رأى مجتنو الكراث" يريد أنه من طعمتهم وعملهم. وقال: هذا مثل قوله:
أتجني حربنا، وتخيم عنهاأجبنا، يابن آكلة البرير
و"الرعال": أقاطيع الخيل، والحمر، والقطا. والواحدة: رعلة. "مطت": مدت بهم في السير. يقال: مطا بهم ليلته.
فألوت بغاياهم، بهم، وتباشرتإلى عرض جيشٍ، غير أن لم يكتب
"
ألوت": لمعت لهم بثوبٍ، أو سيفٍ. "بغاياهم": أي: بغايا مجتني الكراث، الذين يبغون لهم الخير، ويلتمسونه وقوله: "بهم" أي: بالجيش. يقول: تباشرت البغايا إلى ذلك الجيش، حين رأته، وظنت أنه شيء يسرهم. "لم يكتب": لم يجمع فيصير كتيبةً. وأصل الكتب: الجمع. فمنه: كتب البغلة إذا ضم شفريها بحلقةٍ. قال: ومنه الكتب: الخرز. ويروى: "إلى عرض جيشٍ" يقول: ذهب هذا الجيش عرضاً. قال: إذا جاء الجيش متفرقاً، غير مكتبٍ، فهو لا يريد من دنا منه. وإذا جاء، مجتمعاً، فهو يريد الغارة.
فقالوا: ألا ما هؤلاء؟ وقد بدتسوابقها، في ساطعٍ، متنصبِ
يقول: فقالوا ما هؤلاء؟ لما تبينوا، وقد بدت سوابق الخيل، في غبارٍ، قد ارتفع، وانتصب.
فقال بصيرٌ، يستبين رعالها:هم، والإله، من تخافين، فاذهبي
ويروى:
وقال بصيرٌ، قد أبان رعالها:فهي، ورضى، من تخافين، فاذهبي
و"رضى": اسم صنم. "تخافين" يعني القبيلة.
على كل منشقٍّ نساها، طمرةٍومنجردٍ، كأنه تيس حلبِ
يريد: على كل فرسٍ "منشق نساها" أي: موضع النسا منها قد انفلق اللحم عنه. و"النسا" عرق يخرج من الورك، فيستبطن الفخذ، ثم يجري في الساق، فينحرف عن الكعب، ثم يجري في الوظيف، حتى يبلغ الحافر. فإذا سمن الدابة انفلق اللحم عن النسا، فبدا. فمن ثم تقول العرب للفرس: منشق النسا. "طمرةٌ": مشرفةٌ. ويقال للبناء العالي: طمار. "منجرد": قصير الشعرة. فهو أكرم له. وطول الشعر عجنة. وقال أبو عبيدة: الطمرة: الطويلة للقوائم، المرتفعة عن الأرض، الخفيفة الوثب. والمنجرد: الذي لا يتعلق به شيء. "تيس حلب" أي: تيسٌ، من الظباء، يأكل الحلب. فذاك أشد له، وأنشط.
يذدن ذياد الخامسات، وقد بداثرى الماء، من أعطافها، المتحلب
"الذود": الرد. يقال: ذدت، إذا رددت. وأذدت إذا كنت تعين على الذود. قال الراجز:
ناديت في الحي: ألا مذيدافأقبلت فتيانهم، تخويدا
فيقول: يردون، كما تضرب الإبل، ترد الخمس، فترد عن الماء، لترسل أرسالاً، يكسر بعضها بعضاً. و"الخامسات": التي وردت يوماً، ورعت ثلاثة أيامٍ، ثم وردت اليوم الخامس. وأصحابها مخمسون. و"ثرى الماء": ندوته. وإنما يتنمى، يعني العرق. و"أعطافها": جوانبها. و"المنتحلب": السائل.
وقيل: اقدمي واقدم، وأخِّر، وأرحبيوها، وهلا واضرح، وقادعها هبي
زجرٌ كله. وأنشد:
تسمع زجر الكماة بينهم: قدم، وأخِّر، وارحبي، وهبي
يقول: والذي يقدعها ويكفها أن يقال لها: هبي وقال أبو عبيدة: "اقدم" للذكر، وللأنثى "اقدمي"، يأمره بالتقدم. و"أخِّرْ" وأخِّري يأمره بالتأخير. و"ارحبي": اخرجي إلى السعة: وتجيء "هلا" في موضع: إبعادٌ ونهي، وتجيء في موضعٍ آخر. وأنشد:
تكر بناتُ حلاب، عليهمويزجرهن بين هلا، وهاب
وتجيء توقيراً، وهي في موضع الإسكان.
فما برحوا، حتى رأوا، في ديارهملواءً، كظل الطائر، المتقلبِ
رمت، عن قسي الماسخي، رجالنابأحسن ما يبتاع، من نبل يترب
يقال: رميت عن القوس، ورميت عليها. ولا يقال: رميت بها. قال الراجز:
أرمي عليها، وهي فرعٌ أجمعوهي ثلاث أذرعٍ، والإصبع
قال: و"الماسخي" منسوب إلى رجل. "رجالنا": رجالةٌ، في صدور الخيل. يقال: رَجُلٌ راجلٌ، ورَجلانُ، ورَجِلٌ، ورَجْلٌ. وأنشد الفراء:
علي، إذا أبصرت ليلى، بخلوةٍأن ازدار بيت الله، رَجْلانَ، حافيا
وقومٌ رجالٌ، قال الله ﷿: [يأتوك رجالاً، وعلى كل ضامرٍ] وقوم رَجْلٌ، ورَجّالةٌ، ورَجالَى، ورُجالَى. قال أبو يوسف: قال ابن الكلبي: أول من عمل القسي، من العرب، ماسخة: رجلٌ من الأزد. فلذلك قيل للقسي: ماسخية. وأول من عمل الرحال عِلافٌ - وهو ريّان أبو جرمٍ - فلذلك قيل للرجال: علافية. وأول من عمل الحديد،
من العرب، الهالك بن أسد بن خزيمة. فلذلك قيل لبني أسد: القيون. قال أبو عبيدة: وأجود السهام، في الجاهلية، التي وصفتها الشعراء، سهام بلادٍ، وسهام يترب. وهما بلدان قريبان من حجر اليمامة، [معروفان] بجودة سهامهما. قال الأعشى:
بسهام يترب، أو سهام بلاد
كأن عراقيب القطا أُطَرٌ لهاحديث نواحيها، بوقعٍ وصلب
شبه الأطر بعراقيب القطا. و"الأطرة": العقبة، المشدودة على مجمع الفوق، لئلا يتفتق. وقوله: "حديث نواحيها" أي: حديث نواحي هذه السهام بالتحديد، لم يقدم، فتكل بوقعٍ. يقال: قع نصلك: اضربه بالميقعة، وهي المطرقة، حي يرق. ويقال: نصل وقيع. و"الصلب": حجارة المسان. ويقال لها: الصلبية. وأنشد:
هوي المدي من الصلب
ويقال: سنان مصلب، أي: يسن على سنان صلبي. قال أبو يوسف: وسمعت أبا عمرو الشيباني يقول: الرمض مثل الوقع. يقال: قع شفرتك وارمض شفرتك. وهي شفرة رميض ووقيع. وهو أن يرقها بين حجرين، ثم يسنها بعد بالمسن.
كسين ظهار الريش، من كل ناهضٍإلى وكره، وكل جونٍ، مقشبِ
للريشة ناحيتان، فالناحية التي هي أقصر: ظهرٌ. والتي هي أطول: البطن. والبطنان جمع بطنٍ. والظهران جمع ظهرٍ. فإذا كانت قذةٌ من ظهرٍ، وقذوةٌ من بطن، فهو لغابٌ. "من كل ناهضٍ" يريد ريش الفراخ. والناهض أقوى من المسن، وأجود. والأسود لا يكون إلا فتياً. فإذا كبر اشهاب، ورق سواده، وضعف ريشه. و"المقشب": المسموم. يعييهم، فيجعلون له الخربق، أو سماً، يقشبونه في طعامه، أي: يخلطونه، يعني النسر. وأنشد للهذلي:
تخاله نسراً، قشيباً
أي: مقشوباً. ويقال: قشبه بشرٍ، وأشبه بشرٍّ.
فلما فنى ما في الكنائن ضاربواإلى القرع، من جلد الهجان، المجوبِ
قوله "فنى" أراد: فني. وهي لغة طائيية، يصيرون الياء إذا
كانت متحركةً ألفاً. قال زيد الخيل:
فلولا زهيرٌ، أن أكدر نعمةًلقاذعت عمراً، ما بقيت، وما بقى
إلى كل عامٍ مأتمٌ تجمعونهعلى محمرٍ عودٍ، أثيب، وما رضى
تجدون خمشاً، بعد خمش، كأنماعلى سيدٍ، من خير قومكم نعى
يريد: بقي، ورضي، ونعي: يقول: لما نفدت ِالسهام ضربوا بأيديهم إلى الترسة، والسيوف، ليقاتلوا. و"القرع" هي الترسة. يقال للترس، إذا كان صلباً: إنه لقراعٌ. وأنشد:
ومجنأ، أسمر، قراع
و"الهجان": الكرام، من الإبل. وهجان كل شيء: خياره. وهجان يكون للواحد والجميع. وقد يجمع فيقال: هجائن النعمان. وأنشد:
هذا جناي، وهجانه فيه
أي: خياره. وأنشد:
وإذا قيل: من هجان قريش؟كنت أنت الفتى، وأنت الهجانا
"مجوب": معمولٌ جوباً. والجوب: الترس.
فذاقوا، كما ذقنا، غداة محجرٍمن الغيظ، في أكبادنا، والتحوب
"محجر": يوم، كان على غنيٍّ. و"التحوب": التوجع.
أبأنا بقتلانا، من القوم، مثلهموما لا يعد، من أسيرٍ مكلب
يقول: كافأنا بقتلانا مثلهم. يقال: باء فلانٌ بفلانٍ يبوء به، إذا كان كفاء به أن يقتل به. وما ذانٌ ببواء بفلانٍ أي: ما هو منه بكفاء. وقد أبأت فلاناً بفلانٍ أي: جعلت دمه بدمه. ويروى: "ضعفهم" أي: مثلهم مرتين. "وما لا يعد" أي: وما لا يحصى، أي: أن هؤلاء الأسارى أفضلوا على الضعف الذي أتاهمم. و"المكلب" والمكبل سواءٌ. وهو: الموثق في الحديد. فقلب.
نروي صدور المشرفية، منهموكل شراعيٍّ، من الهند، شرعب
"المشرفية": السيوف، منسوبة إلى المشارف. وهي أدنى الريف من البدو. و"الشرعب": الجسيم الطويل.
بضربٍ، يزيل الهام، عن سكناتهوينقع، من هام الرجال، بمشرب
"الهام": جمع هامةٍ. وهي معظم الرأس. "سكناته": مقره ومسكنه. ومقيل÷: موضعه الذي يكون فيه. فيقول: يزيله عن حيث يسكن، وقوله: و"ينقع" يقال للرجل: إذا بلغ الري: قد نقع ينقع نقوعاً، وبضع يبضع بضوعاً. فيقول: يرد هام الرجال وروداً، يذهب ما في صدره، يعني: السيف. وهذا مثل، كما يذهب ما في صدر الحران، من حرة العطش، إذا شرب فروي. فاللفظ على السيف، والمعنى على صاحبه، لأن السيف لا ينقع.
فبالقتل قتلٌ، والسوام بمثلهوبالشل شل الغائط، المتصوبِ
أي: أصابنا قتلٌ، فأصبناهم بمثله. وقوله "والسوام بمثله" يقول: وما أخذ، من سوامهم، فبمثل ما أخذ من سوامنا. والسوام: المال الراعي. و"الشل": الطرد. و"الغائط": المكان [المطمئن] من الأرض.
وجمعن خيطاً، من رعاء، أفأنهموأسقطن، عن أقفائهم، كل محلبِ
"
خيطاً" أي: فرقاً، نبذٌ من جماعةٍ. يقال: فيها خيط من نعامٍ، وخيطٌ؛ والجمع خيطان، ويقال: بها خيطى من نعامٍ، على لفظ سكرى. "أفانهم": جعلنهم فيئاً. قوله "وأسقطن عن أقفائهم" هؤلاء قوم، كانوا يرعون، فأزعتهم الخيل، ومحالبهم معلقةٌ خلفهم، فأسقطوها. و"المحالب": العلب. واحدها: محلبٌ.
فرُحن، يبارين النهاب، عشيةًمقلدة أرسانها، غير خيبِ
"يبارين" أي: يسايرن ما انتهب. و"النهاب": جمع نهبٍ. قوله "مقلدة أرسانها" يقول: ألقيت اللجم عنها، فصارت تقاد مع النهاب. "غير خيب" يقول: رجعت لم تخب، قد ظفرت بما أرادت.
معرقة الألحي، تلوح متونهاتثير القطا، في منقلٍ، بعد مقرب
أي: ليست بغلاظ الوجوه، ولا اللحم كثير فيها. ويستحب أن يكون اللحم معروقاً. قوله: "تلوح متونها" يقول: هي معرقة المتون،
يكاد يستبين العصب، من قلة اللحم. و"المنقل": الطريق في الغلظ. و"المقرب": طريق يختصر منه.
لأيامها قيدت، وأيامها غزتبغنمٍ، ولم تؤخذ بأرضٍ، فتغصبِ
يقول: هيئت، وقيدت، وصنعت لأيامها التي يحتاج إليها. وقوله: "وأيامها غزت" أي: وذاك أردات الخيل أيضاً. يقال: إن فلاناً ليغزو كذا وكذا، أي: يريده. وقال غير الأصمعي: هو من الغزو. قوله: "ولم تؤخذ" يقول: لم يأخذوها، جماعتها، من قومٍ غصباً. ولكنها انتقيت من كل حي. فهي خيار. ويروى: "ولم توجد" أي مهملة.
كأن خيال السخل، في كل منزلٍيضعن به الأسلاء، طلاء طحلبِ
ويروى: "طلاء". وكل ما طلى شيئاً، فالبسه، فهو طلاء. قال: تطرح السخلة، وهي كأنها ماء في سلاها، فتجف، فكأنها خيطٌ من طحلب، في يبسه.
طوامح، بالطرف، الظراب إذا بدتمحجلة الأيدي، دماً بالمخضبِ
أي: يطمحن بطرفهن إلى "الظراب". وهي: جمع ظرب. وهو جبيل صغير. يقول: لم يكسرها الغزو، وهي سامية العيون. وقوله "محجلة" أي: صارت محجلة بالدم. و"المخضب": موضع الخضاب، من المرأة.
وللخيل أيامٌ، فمن يصطبر لهاويعرف لها أيامها الخير تعقبِ
قوله: "وللخيل أيامٌ، فمن يصطبر لها" أي: يصطبر للأيام, وقوله "أيامها الخير" يقول: أيامها الصالحة. ويقال معناه: تعقب الخير.
وقد كان حيانا عدوين، في الذيخلا، فعلى ما كان في الدهر، فارتبي
أراد "ارتبي" أيتها العداوة، أي: اثبتي. يقال: ما زال راتباً ليلته، أي: ثابتاً. وما زال راتباً بين يدي فلانٍ. وترتبٌ: تفعلٌ منه. ومثله إنه لذو تُدرَأٍ عن قومه، أي: درء، أي: يدفع.
إلى اليوم لم نحدث، إليكم، وسيلةًولم تجدوها عندنا، في التنسبِ
يقول: لم نأتكم نتليّنُ لكم، ولكن جئنا نقاتلكم. وقوله "ولم تجدوها" يقول: ليست بيننا وبينكم مودةٌ، ولا نسبٌ، من قبل شيء من الأشياء، نعطفكم به.
جزيناهم أمس الفطيمة، إننامتى ما تكن، منا، الوسيقة نطلبِ
يقول: فعلنا بهم ما فطمهم عنا، لا يغزوننا بعدها، ولا يتعرضون لنا, وأصل "الفطم": القطع. و"الوسيقة": الطريدة. والجمع وسائق. وهي السيقة أيضاً، والجمع سيائق. وكل ما طرد وسيق فقد وسق. فيقول: متى تكن أموالنا الطريدة نطلبها.
فأقلعتِ الأيام عنا، ذؤابةًبموقعنا، في محربٍ، بعد محربِ
"بموقعنا" أي: بوقائعنا. "محرب بعد محرب" أي: محاربة بعد محاربة. و"ذؤابةٌ" أي: نحن ذؤابةٌ. وفرعٌ. لسنا بأذناب.
فلم تجد الأقوام، فينا، مسبةًإذا استدبرت أيامنا، بالتعقب
"استدبرت": نُظِرَ في أدبارها. و"التعقب": النظرُ في عاقبتها. فيقول: لا يجدون فينا مسبةً، إذا تعقبوا أيامنا، وطلبوا معايبنا.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع