تجاوز إلى المحتوى

من «الاختيارين» للأخفش الأصغر (ت ٣١٥هـ)

٣ وقال الحادرة

واسمه، فيما زعم عاصم بن منظور، قطبة بن قيس بن الأعظم بن عبد العزى. والناس يقولون: اسمه قطبة بن أوس بن محصن بن جرول بن حبيب بن عبد العزى بن خزيمة بن رزام بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان. قال أبو سعيد: سمعت شيخاً، من أهل المدينة، من بني كنانة، قال: كان حسان بن ثابت إذا قيل له: أنشد، قال: هل أنشدت كلمة الحويدرة. يعني: هذه القصيدة:

بكرت سمية، بكرةً، فتمتعِوغدت، غدو مفارقٍ، لم يربعِ

أي: فأدركها، فتمتع منها بسلامٍ، أو حديثٍ. "لم يربع": لم يكف عن السير.

وتزودت عيني، غداة لقيتهابلوى عنيزة، نظرةً، لم تنفع
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة
وتصدفت، حتى استبتك، بواضحٍصلتٍ، كمنصب الغزال، الأتلعِ
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

"تصدفت": أعرضت. و"استبتك" غلبتك على عقلك، صرت كأنك سبيٌّ في يديها. وقوله: "بواضحٍ" يعني وجهها. و"الصلت": الأجرد الأملس. و"الأتلع": الطويل العنق، من كل شيء.

وبمقلتي حوراء، تحسب طرفهاوسنان، حرة مستهل الأدمعِ
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

"وسنان" يقول: كأن به سنة، يعني: فاترة، "والسنة": النعاس. "وحرةٌ": عتيقة كريمة، أي: هي عتيقة مجرى الدمع. و"استهلت" عينه: إذا اشتد قطرها.

وإذا تنازعك الحديث رأيتهاحسناً تبسمها، لذيذ المكرع
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

يقول: مقبلها يطيب، كما يطيب المكرع، في الماء العذب، ويلذ.

كغريض ساريةٍ، أدرته الصبامن ماء أسجر، طيب المستنقع
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

"الغريض": الماء الطري من سارية سرت. و"السارية" وجمعها سوارٍ: سحائب، تمطر بالليل. قال الأصمعي: قيل لابنة الخس: أي شيء أحسن؟ قالت: أثر غادية في أثر سارية. قال: ومعنى استدرته و"أدرته" واحد، أي: استخرجت ماءه. و"أسجر": واد، لم يصف ماؤه. يقال لماء السماء قبل أن يصفو: إن فيه لسجرة، وإنه لأسجر. قال العجير:

غدت كالقطرة، السجراء، راحتأمام مزمزمٍ، لجبٍ، نفاها

أي: قذفها.

ظلم البطاح، بهب، انهلال حريصةٍفصفا النطاف، له، بعيد المقلع

"ظلم البطاح": جاء في غير وقته. يقال: ظلم المطر الأرض يظلمها ظلماً. وأرض مظلومةٌ، إذا أصابها المطر في غير وقته. ويقال: سقاء مظلوم. وهو الذي يشرب لبنه قبل أن يبلغ وقت روبه. قال: وأنشدني عيسى بن عمر:

وصاحب صدق، لم تنلني أذاتهظلمت وفي ظلمي له، عامداً، أجر

يقول: سقيته قبل أن يدرك، فأجرت في ذلك. ويقال: اليوم ظلم، أي: وضع الشيء في غير موضعه. وقال الشاعر:

قالت له سلمي، بأعلى ذي سلم:أما تزورنا، إن الشعب ألم

قال: بلى، يا ميُّ، واليوم ظلم

والظلم: ماء السن. وإنما هو بريق تراه، كما يقال: ماء السيف. والظلم: الاسم، والظلم: الفعل، وهو المصدر، مثل الدَّهن والدُّهن. و"البطاح": بطون الأودية. و"انهلالها": سيلانها. يقال: انهلت السماء، أي: سالت. و"الحريصة": السحابة، تقع على الأرض، شديدة الوقع، فتقشر وجه الأرض. "فصفا النطاف" أي: صفا ماء هذه السحابة، بعيد أن أقلعت. و"النطفة": الماء. يقال: أرض بني فلان أعذب أرض الله نطفة. قال: وزعموا أن خالد بن صفوان قال: ما رأينا أرضً أعذب نطفةً، ولا أقرب مسافةً، ولا أذل مطية، منها. يعني: الأبلة. قال: فقال أعرابي من بني نمير: فعلام تضرب أكباد الإبل إلى بيت الله الحرام؟ قال أبو عمرو: بهذا وأشباهه غلب هذا والنابغة الناس.

لعب السيول، به، فأصبح ماؤهغللاً، تقطع، في أصول الخروع
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

"لعب السيول به" أي: جاءته من كل وجهٍ، كأنهن يلعبن.

و"الغلل": الماء الجاري في أصول الشجر. والغيل: الماء الجاري على وجه الأرض. والغيل: الشجر الملتف. و"الخروع": النبت الناعم.

فسمي، ويحك، هل سمعت، بغدرةٍرفع اللواء، لنا بها، في مجمعِ؟

قال: يقال: لكل غادر لواء. فيقول هل كان منا ما يرفع للناس، ويشهر؟

إنا نعفُّ، فلا نريب حليفناونكف شح نفوسنا، في المطمعِ
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

يقول: لا نأتيه بأمر، يريبه.

ونقي، بآمن مالنا، أحسابناونجر، في الهيجا، الرماح، وندعي
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

"ندعي": نقول: نحن بنو فلان. "بآمن": أي: بقوي مالنا، وأوثقه في أنفسنا. و"الإجرار": أن تطعن الرجل، وتدع الرمح فيه.

ونخوض غمرة كل يوم كريهةٍتردي النفوس، وغنمها للأشجع
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

"الغمرة": الشدة. "تردي": تهلك. يقول: هي ذات ردًى. وقوله: "للأشجع": لأهل الشجاعة والبأس. يقول: الغنيمة للذي هو أقوى.

وتقيم، في دار الحفاظ، بيوتنازمناً، ويظعن غيرنا، للأمرعِ

"دار الحفاظ": التي لا يقيم بها إلا من حافظ على حسبه. وذلك أنه لا يحافظ على حسبه إلا الشريف. و"الأمرع": الأرض الخصبة. ومثله قول سلامة:

يقال: محبسها أدنى لمرتعهاولو تعادى، ببكءٍ، كل محلوب
للشاعر سَلامَة بن جَندَل، اقرأ القصيدة

يقول: نحبسها في دار الحفاظ، ليهابنا عدونا. فهي أدنى لأن ترتع، بعد، حيث شئنا. والبكء: قلة اللبن. يقال: كانت غزيرة فبكؤت، إذا قل لبنها. ومثله قول عمرو بن كلثوم:

ونحن الحابسون، بذي أراطىتسف الجلة، الخور، الدرينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

فيقول: نحن نحبس إبلنا، في الرعي، حفاظاً على حسبنا، حتى تصير إلى أن تأكل هذا. ومثله قول الشاعر:

تقيم، على دار الحفاظ، بيوتهمفهم خير أيسارٍ، وخير فوارس

وقوله: تعادى: تتابع.

بسبيل ثغرٍ، لا يسرح أهلهسقمٍ، يشار لقاءه، بالإصبعِ
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

"

الثغر": الموضع المخوف. والثغرة مثله. وقال الهذلي: السالك الثغرة اليقظان.

يقول: لا يسرح أهله، من الخوف، لقربهم من العدو. و"السقم": المخوف. "يشار لقاءه" أي: بلقائه، يقال: هذا أخبث بقعةٍ في الأرض.

فسمي، ما يدريك أن رب فتيةٍباكرت لذتهم، بأدكن، مترعِ؟
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة
محمرةً، عقب الصبوح، عيونهمبمرى هناك، من الحياة، ومسمعِ
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

"عقب الصبوح" أي: بعد الصبوح. وقوله: بمرى" أصله الهمز، فترك الهمز. يقول: بمنظر من الحياة، حسنٍ، ومسمعٍ حسنٍ، أي: يرون ما يشتهون، ويسمعونه.

بكروا علي، بسحرةٍ، فصبحتهممن عاتقٍ، كدم الذبيح، مشعشعِ
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

"

عاتق": خمر عتيقةٌ. "كدمِ الذبيح": دم دابة ذبح، فدمه طريٌّ.

ومغرضٍ، تغلي المراجل تحتهعجلت طبخته، لرهط، جوع

"المغرض": اللحم الذي لم يبلغ نضجه.

ولدي أشعث، باذل ليمينهقسماً، لقد أنضجت، لم يتورع
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

يقول: أشعث، من الفتيان. يبذل يمينه، يحلف. "لم يتورع": لم يكف عن اليمين، مضى عليها.

ومسهدين، من الكلال، بعثتهمبعد الرقاد، إلى سواهم، ظلعِ
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

"المسهد": الممنوع النوم. يقول: جاؤوا، كالين، فلم أدعهم أن يناموا، فبعثتهم إلى إبلٍ كالةٍ. و"الساهم": الضامر المتغير. و"الظلع": التي قد حفيت، من التعب. واحدها ظالع.

أودى السفار، برمها، فتخالهاهيماً، مقطعةً حبال الأذرعِ
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

"الرم": الشحم. و"أودى السفار به" أي: ذهب به. يقال: ثوب قد أودى، أي: تهيأ للذهاب. ومثل من الأمثال يضرب للشيء، قد ذهب، أو تهيأ للذهاب: "أودى درم". وأنشد:

كما قيل في الحرب أودى درم

و"الهيام": أن يأخذ الإبل شبيهٌ بالحمى، من شهوة الماء، تشرب، فلا تروى، حتى ترجع. فإذا أصابها ذلك فصد لها عرق، ليخف الداء عنها، ويذهب، ويبرد غليلها. ومثله:

ولم يقطع عبيدٌ عروقها، من خمال

وهام البعير يهيم هياماً. وبعير أهيم وناقة هيمى وهيماء.

تخد الفيافي، بالرحال، وكلهايعدو، بمنخرق القميص، سميدع
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة
ومطيةٍ، حملت رحل مطيةٍحرجٍ، تتم من العثار، بدعدعِ
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

قوله: "ومطية حملت رحل مطيةٍ": يقول: سرت على إبلي. فكلما انحسر بعير، أو مات أو قام، حولت رحله على بعير آخر. و"الحرج": الطويلة على وجه الأرض. وقوله "تتم، من العثار، بدعدع" كانت الإبل إذا عثرت قيل لها: دعدع، لتتم وتنمي. وكره ذلك في الإسلام أن يقال، وقيل: اللهم ارفع، وانفع.

ومناخ غير تئيةٍ، عرستهقمنٍ، من الحدثان، نابي المضجعِ
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

يقال: ما لي في هذا المكان "تيئةٌ" أي: مكثٌ. "قمن": خليق أن يكون به الحدثان. وقوله "نابي المضجع": لا يطمأن فيه، ولا يقام به.

عرسته، ووساد رأسي ساعدٌخاظي البضيع، عروقه لم تدسعِ
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

"الخاظي": الممتلئ. و"البضيع": اللحم. وهو اسم وحده. كما يقال: دخيس. ويقال: "دسع" البعير بجرته، إذا دفع بها، وقد ملأ فمه. فيقول هذا: لا تمتلئ عروق يده من الدم. إنما تمتلئ عروق الشيخ وأنشد:

عروقه من....

فرفعت، عنه، وهو أحمر فاترٌقد بان مني، غير أن لم يقطع
للشاعر الحادِرَة، اقرأ القصيدة

"فاتر" أي: قد خدر. و"أحمر" يعني: ساعده. ومثل "قد بان مني، غير أن لم يقطع" يقال: قد انقطعت رجلي، غير أنها معي.

فترى، بحيث توكأت ثقناتها،أثراً، كمفتحص القطا، للمهجعِ

يريد كأن موضع ثفناتها موضع قطاً، قد بات. يعني: ناقته.

النص من طبعة دار الفكر المعاصر (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الاختيارين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.