من «الاختيارين» للأخفش الأصغر (ت ٣١٥هـ)
١١٦ وقال كعب بن سعد الغنوي
يرثي إخوته، ويخص أبا المغوار:
تقولي سليمى: ما لجسمك شاحباًكأنك يحميك الشراب طبيبُ؟
فقلت، ولم أعي الجواب، ولم ألح
وللدهر، في صم السلام، نصيبُ:
تتابع أحداثٍ، تخرمن إخوتيوشيبن رأسي، والخطوب تشيبُ
لعمري، لئن كانت أصابت منيةٌأخي، والمنايا للرجال شعوب
لقد كان: أما حلمه فمروحٌعلينا، وأما جهله فعزيب
أخٌ، كان يكفيني، وكان يعيننيعلى نائبات الدهر، حين تنوب
لقد عجمت، مني، المصيبة ماجداًعروفاً، لريب الدهر، حين يريب
هوت أمه! ماذا تضمن قبرهمن الجود والمعروف، حين يغيب؟
جموع خلال الخير، من كل جانبٍإذا جاء جياءٌ، بهن، ذهوب
مفيدٌ، ملقي الفائدات، معودٌلبذل الندى والمكرمات، كسوب
فتًى، لا يبالي أن يكون بجسمه،إذا نال خلات الكرام، شحوب
غنينا بخيرٍ، حقبةٍ، ثم جلجلتعلينا التي كل الأنام تصيب
فأبقت قليلاً، فانياً، ثم هجرتلآخر، والراجي الحياة كذوب
ويروى: "فانياً وتهجرت*لآخر".
وأعلم أن الباقي، الحي، منهماإلى أجلٍ، أقصى مداه قريب
فلو كان ميتٌ يفتدى لفديتهبما لم تكن، عند النفوس، تطيب
يعيني، أو يمنى يدي، وإننيلبذلي هاتا، جاهداً، لمصيب
فإن تكن الأيام أحسن مرةً،إلي، فقد عادت لهن ذنوب
عظيم رماد القدر، رحبٌ فناؤهإلى سند، لم تحتجنه غيوب
لقد أفسد الموت الحياة، وقد أتىعلى يومه علقٌ، إلي حبيب
حليمٌ، إذا ما الحلم زين أهلهمع الحلم، في عين العدو، مهيب
إذا ما تراءته الرجال تحفظوافلم تنطق العوراء، وهو قريب
أخي ما أخي؟ لا فاحش عند بيتهولا ورعٌ، عند اللقاء، هيوب
هو العسل الماذي، حلماً، ونائلاًوليثٌ، إذا يلقى العدو، غضوب
حليمٌ إذا ما سورة الجهل أطلقتحبى الشيب، للنفس اللجوج، غلوب
كعالية الرمح الرديني، لم يكنإذا ابتدر الخير الرجال يخيب
حليف الندى، يدعو الندى، فيجيبهمراراً، ويدعوه الندى، فيجيب
أخو شتواتٍ، يعلم الحي أنهسيكثر ما في قدره، ويطيبُ
ترى عرصات الحي، منه، كأنهاإذا غاب لم يشهد، بهن، عريبُ
إذا غاب لم يبعد محلة بيتهولكنه الأدنى، بحيث يؤوب
حبيبٌ إلى الزوار، غشيان بيتهجميل المحيا، شب، وهو أديب
يبيت الندى، يا أم عمرو، ضجيعهإذا لم يكن في المنقيات حلوب
إذا شهد الأيسار، أو غاب بعضهم،كفى ذاك وضاح الجبين، أريب
وداعٍ دعا، يبغي القرى، بعد هدأةٍدعا، والقرى بعد الهدوء حبيبُ
فقلت: ادع أخرى، وارفع الصوت مرةًلعل أبا المغوار، منك، قريب
يجبك، كما قد كان يفعل، إنهنجيبٌ، لأبواب العلاء، طلوب
وإني لباكيه، وإني لصادقٌعليه، وبعض القائلين كذوب
فتًى أريحي، كان يهتز، للندىكما اهتز عضب الشفرتين، قضوب
وقد قيل جهلاً: إنما الموت في القرىفكيف، وهاتا روضةٌ، وكثيب؟
ويروى: "فقلت: فهاتا".
وماء سماءٍ، كان غير محمةٍببريةٍ، تجري عليه جنوبُ
"غير محمة": من شرب منه لم تصبه حمى.
ومنزلةٌ، في دار صدقٍ، وغبطةٍوما اقتال، من حكمٍ، علي طبيبُ
"
اقتال": تحكم. والمقتال: المتحكم في الأشياء.
تم كتاب الاختيارين: اختيار المفضل الضبي، وعبد الملك بن قريب الأصمعي. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد النبي، خاتم النبيين، ولسان الصدق في الآخرين. وعلى أخيه ووصيه، علي بن أبي طالب، أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وليث الدين، وعلى الأئمة، من ذريتهما الطيبين الأخيار، المنتجبين. وسلم عليه، وعليهم أجمعين، سلاماً دائماً في العالمين.
وكان فراغ النساخة في يوم الخميس، التاسع عشر من شهر رمضان المعظم، من سنة إحدى عشرة وستمائة. نفع الله به مقتنيه، وبارك له فيه، وغفر لكاتبه وقاريه. وحسبنا الله ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع