تجاوز إلى المحتوى

من «الاختيارين» للأخفش الأصغر (ت ٣١٥هـ)

١١٣ وقال عدي بن زيد العبادي

أرواحٌ مودعٌ، أم بكورلك؟ فاعمد، لأي حالٍ تصيرُ
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»

قال ابن الأعرابي: أتروح منهم أم تبكر. أتراهم يروحون أم يبكرون، فتفارقهم. "فاعند لأي حال تصير": إن راحوا فرح معهم، وإن شئت فتخلف. وقال غيره: يقول: الرواح والبكور مودع لك. أحدهما يذهب بك من الدنيا. فهو مودع لك على كل حال. "فاعمد" أي: اعمل للآخرة. ويقال أيضاً: إنه مبكر عليك، أو رائج، فيذهب بك من الدنيا. ثم أمره أن يعمل للذي إليه مصيره، إما إلى الجنة، أو إلى النار. يريد: لأي حال تصيره. ويروى: "أنت فاعمد".

إن شغل المصابيات، من الأس

تار، طرف يصبي، وفيه فتورُ

أي: هن يشغلن الرجال، فدعهن. ثم قال: لا يواتيك تصابيهن، إذا صحوت، وإن شبت. و"المصابيات": اللواتي يصابينه، أي: يلاعبنه. و"طرفهن" الذي يصبي. فيريد أن شغلهن نظرهن إليك.

زانهن الشفوف، ينضخن بالمسكِ، وعيشٌ مفنقٌ، وحرير

أراد: اللواتي زانهن الشفوف، فأضمر. كما قال الله ﷿ (أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها) أراد: التي بناها. والشف - والجمع "شفوف"- الثوب الرقيق. ويقال: "فنفه" أي: ناعمة.

كدمى العاج، في المحاريب، أو كالبيض، في الروض، زهوه مستنير
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

"الدمى": الصور. واحدتها دمية. و"والمحاريب": المجالس. و"البيض" يريد: بيض النعام. أي: أنها لا تبيض إلا في أيام الربيع. فلهذا وصف بأنه في الروض. و"الزهو": النور. ويروى: "زهره".

لا يواتيك، إذ صحوت، وإذ أج

هد، في العارضين منك، القتيرُ

"لا يواتيك" يريد: الصبا. و"أجهد": كثر. ويروى: "أسرع" و"أشرق". و"القتير": الشيب.

وابيضاض السواد من نذر الشر، وهل بعده لحيٍّ نذير؟
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
وحبي، بعد المنام، تزجيهـ شمالٌ، كما يوجي الكسير

ويروى: "بعد الهدوء تهاديه". و"الحبي": السحاب المتداني المجتمع. و"الهدوء": المنام. و"تزجيه": تسوقه.

وسطه كاليراع، أو سرج المجدل، حيناً يخبو، وحينا ينير
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»

"اليراع": الزمار من القصب. واحدته يراعة. ويقال: هو الفراش الذي يطير بالليل، كأنه سراج. و"المجدل": القصر.

مثل نار الحراض، يجلو ذرى المزن، لمن شامه، إذا يستطير
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

"المزن": السحاب. والواحدة مزنة. و"ذرى" الشيء:

أعلاه. و"شامه" أي: نظر إليه. و"يستطير": يلمع. ويقال: يتفرق. و"الحراض": الذي يحرق الأشنان - والأشنان: الحرض - ويقال: الذي يطبخ الجص. والأتون يقال له: الحراضة. وهي معروفة بالكوفة.

زجل عجزه، يجاوبه دف، لخون مأدوبةٍ، وزمير
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

"زجل": صوت. و"عجزه": آخره. و"خون": أخونةٌ. فشبه السحاب والرعد بمأدبة. وهي العرس.

فتأيا بالري نقدة، فالخبتين، حطت منه هنالك عير

"تأيا": تعمد. و"نقدة والخبتان": موضعان.

هزج وبله، يسح سيوب الماء سحاً، كأنه منحورُ

ويروى: "مرخ وبله". و"سيوب الماء": مجاري الماء. واحدها سيب. ويقال: قد مرخ ناقته بالقطران. ومرخت رأسي بالدهن. ويقال: امرخ سقاءك ومرخها، أي: ادهنها.

فسقى البض، فالبسيطة، فالجرفين، يهدي لصوبه، ويجورُ

هذه كلها مواضع. "يهدي لصوبه" أي: إذا رآه الناس قصدوا نحوه. و"يجور": يعدل عن وجهه. ويروى: "يهدي لوجهه".

فاستدارت به الجنوب، على الحزنة، فالحنو، سيره مقصور

"استدارت" أي: درت عليه. و"الحنة والحزنة": موضعان. و"مقصور": قليل قليل. ويقال: محبوس. ويروى: "على الحزنة يوماً، فصوبه مدرور".

لم أغمض له، وشأني به، ماذاك أني، بصوبه، مسرور

ويروى: "وشأيي به". يقال: شؤت به، أي: سررت. وأنشد:

ولقد أراك تشاء بالأظعان

أي: تسر. يقول: لم أغمض له وشأني به. ثم قال: وما ذاك أني بصوبه مسرورٌ. ولكني أرقت لأمر، فجعلت ذاك سبباً لسهري. فأنظر إليه، ولا أبالي: سقي أهله أم لا. وقال المفضل: "وشأيي به": إعجابي به.

بل عناني قول امرئٍ، لم يكن فيهـ صواب بدا، ولا تعذير

ويروى: "صواب بدءاً" أي: أول ما ابتدأ فيه. من قولك: بدءاً وعوداً. ومعنى "بدا" غير مهموز أي: ظهر.

أيها الشامت، المعير بالدهر، أأنت المبرأ، الموفور؟
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»

أأنت المبرأ مما أصابني؟ و"الموفور" يقال: قد وفر ماله وعرضه إذا لم يصب منه شيء.

أم لديك العهد، الوثيق، من الأيام، أم أنت جاهلٌ، مغرور؟
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

ويروى: "بل أنت جاهل". يعني: عدي بن مرينا.

من رأيت المنون عرين، أم منذا عليه، من أن يضام، خفير؟

"خفير": يريد: من يمنعه من الموت. يقال: خفرته: منعته. وخفرت منه: استحييت منه.

أين كسرى، كسرى الملوك أنوشروان، أم أين قبله سابور؟
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»

ويروى:

خير الملوك، أبو ساسان، أم أين قبله سابور؟

ويقال: "كسرى" بكسر الكاف، و"كسرى" بفتحها. والكسر أكثر في اللغة، وأفصح.

وبنو الأصفر الكرام، ملوك الروم، لم يبقَ منهم مذكور
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»
وأخو الحضر، إذ بناه، وإذ دجلة تجبى، إليه، والخابورُ
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

كان "الحضر" مدينة بالجزيرة. وكان بها في الزمن الأول ملك، يقال له: ساطرون. وكان لين الملك، حسن الصنيع إلى رعيته. وكان يتدين بدينٍ، يتأله فيه، على خطائه. وكان يستحل نكاح البنات، والأخوات. وكانت عنده ابنةٌ له، من أجمل الخلق، وكان قد كبر وطال عمره. فغزاه جيش من فارس في ملك سابور ذي الأكتاف. وعلى ذلك الجيش عظيم من عظمائهم، يقال له: شروين. ومعه عبدٌ له، يقال له: حرين. وأمره سابور ألا يريمها أبداً، حتى يفتحها. ووعده أن يمده بما أحب. فأقبل بجيشه، حتى نزل بشاطئ الفرات. والمدينة نحيةٌ عن شاطئ الفرات وكان من تلك المدينة بناء إلى الفرات، فد بني بالحجارة، مخرجاً إلى الفرات، فلم يزل شروين، حتى هرب من كان حول المدينة. فكانوا يغدون إليها، فينزلون قريباً منها، فيقاتلون قتالاً شديداً، ثم ينصرف ففعل ذلك حيناً.

ثم إن امرأة ساطرون - وهي ابنته - احتالت حتى أرسلت رسولاً، إلى شروين، فدلته على المدخل إلى المدينة - وشرط لها أن يتزوجها - وقالت: إنما يحرس المدينة بالليل غلمان أبي، وأنا محتالة لهم في يوم كذا وكذا. فلما كانت تلك الليلة بعثت إلى غلمان أبيها، الذين يحرسون المدينة، وإلى من كان معهم، فقالت: إني، والله، ما علمت ما تلقون من الشدة، إنكم بالنهار تقاتلون، وبالليل تسهرون. ولو علمت بذلك لبعثت إليكم ما يكفيكم من الطعام، والشراب. فأمرت أن يؤتوا بطعام وشراب. وأمرت جاريتها أن تصنع لهم ما كانت تصنع وتزيدهم، وتصنع في شرابهم بنجاً. وذلك في الليلة التي وعدت شروين فيها. فسقط القوم سكارى، من البنج، وأقبل شروين إلى المدينة. فدخل من المدخل الذي وعدته. فقتل أباها، ومن كان بها من أهلها، وأخذ المرأة، فرأى بها من الهيئة والجمال ما لم يره بامرأة قط. فقال في نفسه: ما أعلم أن في الناس أخبث من هذه. إن أباها صنع بها ما أرى، وأكرمها هذه الكرامة، فلم ترض حتى حملها الشر على قتله، وقتل إخوتها. فما ينبغي لأحد أن يدخلها بيته، ولا يأمنها. فأمر بها فذبحت. وخرب المدينة وانصرف.

شاده مرمراً، وخلله كلساً، فللطير في ذراه وكورُ
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

"

الكلس": الرماد والنورة. وكل ما ملس وسوي فهو "مرمر".

لم يهبه ريب المنون، فباد الملك، عنه، فبابه مهجورُ
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»
وتبين رب الخورنق، إذ أشرف، يوماً، وللهدى تفكير

أي: تبين أنت رب الخورنق. ويروى: "وتفكر رب الخورنق". لما التقى حرفان من جنس واحد أدغم أحدهما.

قال ابن الكلبي: أما خبر الخورنق فصاحبه الذي ذكره عدي ابن زيد، وقال فيه ما قال، هو النعمان بن امرئ القيس، فارس حليمة.

وذلك أن يزدجرد بن سابور، الملك، كان لا يبقى له ولد. فشق ذلك عليه، فسأل عن منزلٍ بريء مريء، صحيح من الأدواء والأسقام، لينزله ولده. فدل على ظهر الحيرة. فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان بن امرئ القيس، وأمر ببناء الخورنق مسكناً، وأسكنه إياه. وكان الذي بنى له الخورنق رجلاً، يقال له سنمار. فلما فرغ منه تعجب من رآه من حسنه، وإنقان عمله. فقال: لو علمت أنكم توفونني أجري، وتصنعون بي ما أنا أهله، بنيت بناء يدور مع الشمس. فقال له: وإنك لتقدر أن تبني ما هو أفضل من هذا، ثم لا تفعل؟ فطرح من رأس الخورنق، فقال في ذلك عبد العزى بن امرئ القيس:

جزانيجزاه الله شر جزائه

جزاء سنمار، وما كان ذا ذنبِ

سوى رصه البنيان عشرين حجةًيعل عليه، بالقراميد، والسكبِ
للشاعر عبد العزى بن امرئ القيس، اقرأ القصيدة
فأتهمه، من بعد دهرٍ وحقبةٍوقد هره أهل المشارق، والغربِ
فلما رأى البنيان تم سحوقهوآض كمثل الطود، ذي الباذخ الصعب
وظل سنمارٌ به كل حبرةٍوفاز لديه، بالمودة، والقربِ
فقال اقذفوا بالعلج من رأس شاهقٍفهذا لعمر الله، من أعجب الخطب

قال: وكان النعمان بن امرئ القيس قد غزا أهل الشام مرارا، وأكثر المصائب فيهم، وسبى، وغنم. وكان من أشد الناس نكاية في عدوه، وأبعدهم مغاراً فيهم. وكان ملك فارس جعل جمعه كتيبتين، يقال لإحداهما: دوسر، وهي لتنوخ، وللأخرى: الشهباء. وهي لفارس. وهما اللتان يقال لهما: القبيلتان. فكان يغزو بهما بلاد الشام، ومن لم يدن له من العرب.

فجاس يوماً في مجلسه، من الخورنق، فأشرف منه على النجف، وما يليه من البساتين والكروم والأنهار، مما يلي المغرب، وعلى الفرات، مما يلي المشرق، وهو على متن النجف، في يوم من أيام الربيع. فأعجبه ما رأى من الخضرة والنور والأنهار، فقال لوزيره وصاحبه: هل رأيت مثل هذا المنظر؟ قال: لا، لو كان يدوم. قال: وأي شيء يدوم؟ قال: ما عند الله، ﷿، في الآخرة. قال له: بم ينال ذلك؟ قال: بتركك الدنيا، وإقبالك على عبادة الله، تعالى، والتماس ما عنده. فترك ملكه من ليلته، وليس المسوح، وخرج يسيح في الأرض، لا يعلم به.

وأصبح الناس لا يعلمون بحاله، فحضروا بابه، فلم يؤذن لهم عليه،

كما كان يفعل، فلما أبطأ الإذن عليهم سألوا عنه، فلم يجدوه. ثم علموا حاله من بعد.

سره ملكه، وكثرة ما يملك، والبحر معرضاً، والسدير

قال: وكان البحر يضرب إلى الحيرة. ويروى: "والنخل معرضاً والسدير". و"السدير": السواد كله. ونصب "معرضاً" على الحال.

فارعوى قلبه، وقال: فما لذة حيٍّ، إلى الممات، يصير؟

ويروى: "فارعوى قدره" أي: شرفه. ويقال: "قدره": ما قدر. ويروى: "فما لذة عيشٍ".

ثم بعد الفلاح، والرشد والإمة وارتهم، هناك، القبور

"الفلاح": البقاء. و"الإمة": النعمة.

ثم أضحوا كأنهم ورقٌ، جفَّ، فألوت به الصبا، والدبور
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
إن يصيبني بعض الأذاة فلا وانِ ضعيفٌ، ولا أكب، عثورُ

"الأكب": الذي يكب رأسه عند السؤال. ويروى: "ولا ألف عثور".

غير أن الأيام يخنعن بالمرءِ، وفيها العيصاء، والميسور

"يخنعن" أي: يغدرن به، ويملن عليه. ويروى: "يصرفن بالمرء" من صروف الدهر. و"العيصاء" والعوصاء واحد. وهي العسر والشدة.

وأنا الناصر الحقيقة، إذ أظلم يومٌ، تضيق فيه الصدور
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

"الحقيقة": ما يحق عليك أن تحميه، وترعاه. ويروى: "إن أشرف يومٌ".

يوم لا ينفع الرواغ، ولا ين

صع إلا المشيع، النحرير

يقال: "نصع": أضاء. ويقال إذا صلب وخلص. ويقال: أسود ناصعٌ، وأبيض وأخضر ناصعٌ.

شيعتني نعمى علي، وما وافق ربي، إن التقي شكور
واشتريت الجمال بالحمد، إن السعي فيه الإمضاء، والتعذير
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
كقصير، إذ لم يجد غير أن جدع أشرافه، لشكرٍ، قصير
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

"أشرافه": ما أشرف منه. وهو أنفه. ويروى: "لا قصير". قال ابن الكلبي، في حديث جذيمة والزباء - وهو جذيمة الأبرش، والزباء التي ذكرها عدي -: إن جذيمة الأبرش ملك بعد أبيه،

وكان جذيمة من أفضل ملوك العرب، وأبعدهم مغاراً، وأشدهم نكاية، وأول من استجمع له الملك بأرض العراق. وكان برص، فكانت العرب تكره أن تسميه، أو تنسبه إليه، إعظاماً له. فقيل: جذيمة الأبرش، وجذيمة الوضاح. وكانت منازله بين الحيرة والأنبار، وعين التمر، وبقة وناحيتها. وكانت تجبى إليه الأموال. وكان غزا طسماً وجديساً، في منازلهم، فأصاب حسان بن تبع بن أسعد بن أبي كرب، قد أغار على طلسم وجديس باليمامة، فانكفأ راجعاً. وأتت سرية تبعٍ على خيل جذيمة، فاجتاحها. وبلغ جذيمة خبرهم، فقال:

ربما أوفيت، في علمٍترفعن، ثوبي، شمالاتُ
للشاعر جَذيمَة الأبرش، اقرأ القصيدة
في فتوٍ، أنا رابئهممن كلال غزوةٍ، ماتوا
ليت شعري: ما أباتهم؟نحن أدلجنا، وهم باتوا
ثم أبنا، غانمي نعمٍوأناسٌ، بعدنا، ماتوا
للشاعر جَذيمَة الأبرش، اقرأ القصيدة
نحن كنا في ممرهمإذ ممر القوم خواتُ
للشاعر جَذيمَة الأبرش، اقرأ القصيدة

وفي ملك جذيمة، ومغازيه العرب، يقول الأول:

أضحى جذيمة في يبرين منزلهقد حاز ما جمعت، في دهرها، عادُ

وكان ملك العرب يومئذ، بأرض الجزيرة، ومشارق بلاد الشام، عمرو بن الظرب بن حسان بن أذينة بن السميدع بن هوبر العاملي. فجمع جذيمة جنوده من العرب، فسار إليه يريد غزاته، وأقبل عمرو بن الظرب، بجموعه، من الشام. فاقتتلوا قتالاً شديداً. فقتل عمرو بن الظرب، وفضت جنوده، وانصرف جذيمة، بمن معه، غانمين. فقال في ذلك الأعور بن عمرو بن هناءة بن مالك بن فهم الأزدي:

كأن عمرو بن ترنا لم يعش ملكاًولم تكن حوله الرايات تختفقُ
لاقى جذيمة، في شعواء مشعلةٍفيها خراشيف، بالنيران ترتشق

ويقال: إن الزباء رومية. ولذلك قال عدي:

مخالبة ابنة الرومي زبا

فملك، بعد عمرو بن الظرب، ابنته الزباء، واسمها نائلة. وكان

في جنودها بقايا من العماليق، والعاربة الأولى، وسليح وتزيد ابني حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، ومن كان معهم من قبائل قضاعة. وكانت للزباء أخت تسمى زبيبة، فبنت لها قصراً حصيناً، على شاطئ الفرات الغربي، تشتو عند أختها، وتربع ببطن النجار، وتصير إلى تدمر. فلما اجتمع لها أمرها أجمعت لغزو جذيمة الأبرش، تطلب ثأر أبيها. فقالت لها أختها زبيبة - وكانت ذات رأي ودهاء وإرب -: إن غزوت جذيمة فإنما هو يوم له ما بعده: إن ظفرت أصبت ثأرك، وإن قتلت ذهب ملكك. والحرب سجال، وعثرتها لا تستقال، وإن كعبك لم يزل سامياً على من ناوأك، ومن قصد لك، ولم تري بؤساً، ولا تدرين لمن تكون العاقبة، ولا على من تدور الدائرة؟ فقالت لها الزباء: قد أديت النصيحة، والرأي ما رأيت. فانصرفت عما أجمعت عليه، من غزو جذيمة. وأرادت ختله، فمكرت به، وكتبت إليه أنها لم تجد ملك النساء إلا إلى قبحٍ في السماع، وضعف في السلطان، وأنها لم تحد لملكها موضعاً، ولا [لنفسهاٍ كفواً. فأقبل إلي، وتقلد أمري، وصل

ملكي بملكك، وبلادي ببلادك. وزعم حماد، وأبو عمرو، وأبو عبيدة، أن جذيمة هو الذي كتب إليها، وأراد تزوجها. فلما انتهى كتاب الزباء إلى جذيمة، وقد عليه رسلها، استخفه ما دعته إليه، ورغب فيها، وفيما أطمعته فيه. فجمع أهل الحجى، من ثقات أصحابه، وهو بالبقة من شاطئ الفرات، فعرض عليهم ما دعته إليه الزباء، وعرضته عليه، واستشارهم في أمره. فأجمع رأيهم على أن يسير إليها، ويستولي على ملكها وكان فيهم رجل يقال له: قصير. وهو قصير [بن سعد بن عمرو بن جذيمة بن قيس بن ربي] بن نمارة بن لخم. وكان حازماً، أثيراً عنده، وناصحاً له، فخالفهم فيها، وفيما أشاروا به عليه. وقال رأي فاتر، وغدر ظاهر. فرادوه في الكلام، ونازعوه الرأي، فقال: إني لأرى أمراً ليس بالخسا، ولا الزكا. فذهبت مثلاً. وقال لجذيمة: اكتب إليها. فإن كانت صادقة فلتقبل إليك، وإلا فلم تمكنها من نفسك، ولم تقع في يدها، وقد وترتها، وقتلت أباها. فلم يوافق جذيمة ما أشار به قصير. فقال قصير:

إني امرؤٌ، لا يميل العجز ترويتيإذا أنت دون شيء مرة الوذم

مثل تضربه العرب. فقال جذيمة: لا، ولكنك امرؤٌ رأيك في الكنِّ لا في الضح فذهبت مثلاً. ودعا جذيمة ابن أخته عمرو بن عدي، فاستشاره فشجعه على المسير، وقال: إن نمارة قومي مع الزباء. ولو قد رأوك صاروا معك. فأطاعه جذيمة، وعصى قصيراً. فقال قصير: لا يطاع لقصير أمر. وفي ذلك يقول نهشل بن حري الدارمي:

ومولى عصاني واستبد برأيهكما لم يطع، بالبقتين، قصير
للشاعر نَهشَل بنِ حَرِّي، اقرأ القصيدة

وقالت العرب: ببقة أبرم الأمر. فذهبت مثلاً.

واستخلف جذيمة عمرو بن عدي على ملكه، وسلطانه، وجعل عمرو بن عبد الجن معه، على خيوله، وسار في وجوه أصحابه. فأخذ على الفرات الجانب الغربي. فلما نزل القرضة دعا قصيراً، فقال له: ما الرأي؟ قال: ببقة تركت الرأي والأمر. فذهبت مثلاً.

واستقبلته رسل الزباء بالهدايا، والألطاف. فقال: يا قصير، كيف ترى؟ فقال: خير يسيرٌ، في خطبٍ كبير. فذهبت مثلاً. وستلقاك الخيل، فإن سارت أمامك فهي صادقة، وإن أخذت جنبتيك فإن القوم غادرون بك، فاركب العصا. وكانت فرساً لجذيمة، لا تجارى. فلقيته الخيول والكتائب، فحالت بينه وبين العصا، فركبها قصير، فنظر إليها جذيمة مولياً، فقال:

ويل أمه حزماً على ظهر العصا. فذهبت مثلاً. فجرت به إلى غروب الشمس، فنفقت، وقد قطعت أرضاً بعيدة. فبنى عليها برجاً، يقال له: برج العصا. فقالت العرب: خيرٌ ما جاءت به العصا.

وسار جذيمة، وقد أحاطت به الخيول، حتى دخل على الزباء فلما رأته تكشفت، فإذا هي مضفورة الإسب، محتبية بشعرها. فقالت: يا جذيم، أذات عرسٍ ترى؟ قال: بلغ المدى، وجف الثرى، وأمر غدرٍ أرى. فقالت: لا، وإلهي، ما من عدم مواس، ولا قلة أواس، ولكنها شيمة ما أناس. فأجلسته على نطع، وأمرت بطست من ذهب، فأعدت له، وسقته من الخمر حتى إذا أخذت منه مأخذها أمرت براهشيه، فقطعا، وقدمت إليه الطست. وقد قيل: إن قطر من دمه في غير الطست طلب بدمه. وكانت الملوك لا تقتل بضرب الأعناق، إلا في قتال تكرمةً للملك فلما ضعفت يداه سقطتا، فقطر من دمه في غير الطست. فقالت: لا تضيعوا دماء الملوك. فإنها شفاء من الخبل، والجنون. فقال جذيمة: دعوا دماً، ضيعه أهله فهلك جذيمة. وجعلت الزباء دمه في قطن في ربعة لها.

وخرج قصير من الحي الذي هلكت العصا بين أظهرهم، حتى قدم على عمرو بن عدي بالحيرة. فقال له قصير: أدائرٌ أنت أم ثائر؟ فقال: لا بل ثائر سائر. فذهبت مثلاً. ووافق قصير الناس، قد اختلفوا، فصارت طائفة منهم مع عمرو بن عدي، وجماعة مع عمرو بن عبد الجن، فاختلف بينهم قصير، حتى أصلح ذلك، وإنقاذ ابن عبد الجن لعمرو بن عدي، ومال إليه الناس. فقال عمرو بن عدي في ذلك:

دعوت ابن عبد الجن للسلم بعدماتتابع، في غرب السفاه، وكلسما
للشاعر عمرو اللَخمي، اقرأ القصيدة
فلما ارعوى عن مدنا باعتزامهمريت هواه، مري أمٍ، أو ابنما

فأجابه ابن عبد الجن:

أما، ودماء مائراتٍ، تخالهاعلى قلة العزة، أو النسر، عندما
وما قدس الرهبان، في كل هيكلٍأبيل أبابيل، المسيح بن مريما
للشاعر عمرو القُضاعي، اقرأ القصيدة

ذكر أنه هكذا وجد الشعر، ليس بتام. فقال قصير لعمرو بن

عدي: تهيأ واستعد، ولا تبطلن دم خالك. فقال: كيف لي بها، وهي أمنع من عقاب الجو؟ وكانت الزباء سألت كاهنةً لها، عن أمرها، وملكها. فقالت: أرى هلاكك على يدي غلامٍ، مهين، غير أمين، وهو عمرو بن عدي. ولن تموتي إلا بيده. ولكن حتفك بيدك، ومن قبله يكون ذلك فحذرت الزباء عمراً، واتخذت نفقاً من محبسها الذي كانت فيه تجلس إلى حصن لها داخل مدينتها. وقالت: إن فجئني أمرٌ دخلت النفق إلى حصني. ودعت رجلاً مصوراً، من أجود أهل بلادها تصويراً. وكان من أحسنهم عملاً، وأحذقهم حذقاً. فجهزته، وأحسنت إليه. وقالت له: سر حتى تقدم على عمرو بن عدي متنكراً، فتخلو بحشمه. وتنضم إليهم، وتعلمهم ما عندك. وأثبت معرفة عمرو بن عدي، فصوره قائماً وقاعداً وراكباً، ومتفضلاً ومتسلحاً بهيئته، ولبسه وثيابه ولونه. فإذا أحكمت ذلك فأقبل إلي: فانطلق المصور حتى قدم على عمرو بن عدي، فصنع لها الذي أمرته، وبلغ ما أوصته. ثم رجع إليها بعلم ذلك. وإنما أرادت أن تعرف عمرو بن عدي، فلا تراه على حال إلا عرفته، وحذرته.

وقال له قصير: اجدع أنفي، واضرب ظهري، ودعني وإياها. فقال له عمرو: ما أنا بفاعل، وما أنت بالمستحق لذلك. قال قصير: خل عني، وخلاك ذم. فذهبت مثلاً. وجدع قصير أنفه، وأثر بظهره. فقالت العرب: لمكر ما جدع قصير أنفه. وقال المتلمس:

ومن خدر الأوتار ما حز أنفهقصيرٌ، ورام الموت بالسيف بيهسُ

فلما فعل قصير ذلك خرج كأنه هارب، وأظهر أن عمراً فعل ذلك به، ويزعم أنه مكر بخاله، وغره من الزباء. فسار قصير، حتى دخل على الزباء. فأدخل عليها، فقالت له: يا قصير، ما الذي أرى بك؟ فقال: زعم عمرو بن عدي أني غررت خاله، وزينت له المصير إليك، ومالأتك عليه، ففعل بي ما ترين، فأقبلت إليك، وعرفت أني لا أكون مع أحد هو أثقل عليه منك. فأكرمته وألطفته، وأصابت عنده بعض ما أرادت، من الحزم والرأي، والمعرفة بأمور الملوك. فلما عرف أنها قد استرسلت، ووثقت به، قال لها: إن لي بالعراق أموالاً كثيرة، وبها طرائف من ثياب وعطر، فابعثيني إلى العراق، لأحمل لك من بزوزها، وطرائف ثيابها، وصنوف ما يكون بها من الأمتعة، والطيب والتجارات. فتصيبين، في ذلك أموالاً عظاماً، وبعض ما لا غناء بالملوك عنه. فإنه لا طرائف كطرائف

العراق. فلم يزل يزين لها ذلك حتى سرحته، ودفعت إليه أموالاً، وجهزت معه عيراً، وقالت: انطلق إلى العراق، فبع ما جهزناك به وابتع لنا من طرائف ما يكون بها من الثياب، وغيرها. فسار قصير بما دفعت إليه، حتى قد العراق، وأتى الحيرة، متنكراً. فدخل على عمرو بن عدي، فأخبره الخبر، وقال: جهزني بأصناف الأمتعة، والطرائف. لعل الله تعالى يمكن من الزباء، فتصيب ثأرك، وتقتل عدوك، فأعطاه عمرو حاجته، وجهزه بما أراد. فرجع بذلك كله إلى الزباء، فعرضه عليها، فأعجبها ما رأت، وسرها ما أتاها، وازدادت به ثقة.

ثم جهزته بعد ذلك بأكثر مما جهزته أول مرة، فسار حتى قدم اتلعراق. فلقي عمراً، وحمل من عنده ما ظن أنه موافق للزباء، ولم يترك جهداً. ثم عاد الثالثة إلى العراق، فأخبر عمراً الخبر، وقال له: اجمع لي ثقات جندك، وهيئ لهم الغرائر والمسوح، واحمل كل رجلين على بعير، في غرارتين، واجعل معمقد رؤوس الغرائر من باطنها. فكان أول من جعل الغرائر. فلما أحكم قصير ما أراد قال لعمرو: إنا إذا دخلنا مدينة الزباء أقمتك على رأس نفقها، وخرج الرجال من الغرائر، فصاحوا بأخل المدينة. فمن قاتلهم قاتلوه فقتلوه. وإن أقبلت الوباء، تريد النفق، جللتها أنت بالسيف. ففعل عمرو ذلك. وحمل الرجال في الغرائر، على ما وصف له قصير، ثم وجه الإبل إلى الزباء، عليها الرجال بأسلحتهم. فلما كانوا قريباً منها

تقدم قصير فبشرها، وأعلمها كثرة ما حمل إليها من الثياب والطرائف، وسألها أن تخرج فتنظر إلى قطرات الإبل، وما عليها من الأحمال، [وقال لها]: فإني جئتك بما ضاء وصمت. فذهبت مثلاً. فخرجت الزباء، فأبصرت الإبل تكاد تسوخ قوائمها من ثقل أحمالها. قال أبو عبيدة: فصنع لها شعر تكلمت به - فقالت:

ما للجمال مشيها وئيا؟أجمدلاً يحملن، أم حديدا
أم صرفاناً، بارداً، شديداًأم الرجال، قبضاً، قعود؟

فدخلت الإبل المدينة، حتى كان آخرها بعيراً، مر على بواب المدينة، وهو نبطي، فنخش الغرارة التي تليه، فأصاب خاصرة الرجل الذي فيها، فضرط. فقال البواب لما سمع ذلك: بشتا بشقا، وراعب قلباً. وهو بالعربية: الشر في الجوالق. فلما توسطت الإبل المدينة، وانيخت، دل قصير عمراً على النفق. وأقبلت الزباء، تريد النفق الذي كانت فيه قبل ذلك. ولما دل قصير عمراً على النفق، وأراه إياه، خرج الرجال

من الغرائر، وصاحوا بالمدينة، ووضعوا فيهم السلاح. وقام عمرو على باب النفق، وأقبلت الزباء، تريد النفق، لتدخله فأبصرت عمراً قائماً، فعرفته بالصورة التي صورها لها المصور، فضمت خاتمها، وقالت: بيدي لا بيدك، يا عمرو, وتلقاها عمرو، فجللها بالسيف، فقتلها. وأصاب ما أصاب من أهل المدينة، وانكفأ راجعاً إلى العراق.

أنت مما لقيت، يبطرك الإغراب بالطيش، معجب، محبورُ

"الإغراب": الجد. يقول: يبطرك جدك وشرك. و"الطيش": الخرق والخفة.

وتمهلت فوزةً، أحرزت عرضي من الذم، والشهود كثيرُ
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

"تمهلت" أي: تقدمت، أي: قبل أن تقع. و"فوزة": ما فاز به ويروى: "والأنام كثير".

لو تحملت مثلها غمك العب

ء، وحارت على يديك الأمور

"العبء": الثقل. وجمعه أعباء. وإنما يريد عدي بن زيد بهذه المخاطبة عدي بن مرينا، وهو الشامت.

ويقول العداة: أودى عديوعدي، بسخط ربٍّ، أسير
للشاعر عدي بن زيد، من قصيدة «أرواح مودع أم بكور»

"العداة": الأعداء. واحدهم عادٍ. ويقال: قوم عُدى وعِدى وعُداةٌ. وقوم عِدى أي: غرباء. قال الشاعر:

إذا كنت في قوم عدى لست منهمفكل ما علفت، من خبيثٍ، وطيبِ
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «لعمري لقوم المرء خير بقية»

أي: غرباء.

ظنةٌ، شبهت، فأملكها القسم، فداه، والخبير خبير
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

"ظنةٌ شبهت" أي: هي شبهة. وإنما سميت الشبهة شبهة، لأنها تشبه الحق والباطل، ليست بحق واضح، ولا باطل لا شك فيه.

هي بين ذلك. وقوله "فأملكها القسم" أي: أمضاها. و"القسم": الرأي. ويقال: القدر. يقول: اتبع الظن، وسوء الرأي، فحبسه. وقوله "فعداه" أي: صرفه. والعداء: الصرف. ثم قال "والخبير خبير" أي: الخبير بهذا الأمر، الذي وصفت، خبيرٌ أي عالم به.

وكلانا، بر يساعده برٌّ، وربي بما أتى معذور
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة

"وكلانا بر يساعده بر" أي: رجل بر مثله. يعني: نفسه. و"البر" الأول: النعمان. وقوله "بر" أي: بار. يقال فلان بر سر، أي: بار سارٌّ. ويقال: قوم برون سرون.

إن ربي لولا تداركه الملك، وأهل العراق، ساء العذير
ملك، يقسم الخزائن، والذمة قد ردها، وكادت تبور

قوله "والذمة قد ردها" أي: من كان خائفاً فقد رده إلى الأمن. و"تبور: تهلك.

عالم بالذي يريد، نقي الصدر، عف، على جثاه نحور

"الجثا": تراب توضع عليه الحجارة، ينحر عليه، وتسكب عليه الدماء. ويقال: هي الأصنام.

لا بسخط المليك ما يسع العبد، وما في نكاله تنكير

يقول: لا يسع العبد ما يسخط الملك.

النص من طبعة دار الفكر المعاصر (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الاختيارين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.