من «البديع في نقد الشعر» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
الانتكاث والتراجع
اعلم أن الانتكاث والتراجع هو أن ينقض الشاعر قوله بقول آخر أو ينقض مما زاد فيه، كما عابوا على امرئ القيس قوله:
فلوْ أنَّ ما أسعى لأدنى معيشةٍكفاني ولمْ أطلبْ قليلاً من المال
ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثلٍوقدْ يدركُ المجدَ المؤثلَ أمثالي
وقوله في موضع آخر:
فتملأ بيتنا أقطاً وسمناًوحسبكَ من غنى شبعٌ وريُّ
لأنه وصف نفسه في موضع بسمو الهمة إلى الأمور العظيمة، وفي موضع آخر بالقناعة والشبع والري.
وقال قدامة: هما متفقان، وإنما أراد بأحدهما زيادة ما ينقص في الآخر، لأن الشبع والري هو الذي أخبر أنه يكفيه، ثم قال في البيت الثاني: إنه يطلب المجد، يريد في الأول أن القليل يكفيه وفي الثاني إنه لا يكفيه: وأيضاً إن هذا في قصيد، وهذا في قصيد. وايضاً إن الشعر أحسنه أكذبه وكما قال المتنبي:
كأنَّ المعاني في فصاحة لفظهانجومُ الثريا أو خلائقي الزهرُ
فقال خلائقي، ولم يقل خلائقك، لأنه قال قبل هذا:
فجئتك دون الشمس والبدر قاصداًودونك في أخلاقك الشمس والبدرُ
فلو شبهه بالثريا بعد تفضيله على الشمس والبدر نقصه حقه وكان انتكاثاً وعيباً.
باب
النص من طبعة وزارة الثقافة بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع