تجاوز إلى المحتوى

من «نضرة الإغريض في نصرة القريض» للمظفر العلوي (ت ٦٥٦هـ)

الفصل الخامس فيما يجب أنْ يتوخاهُ الشّاعرُ ويتجنَّبَه ويطّرحَه ويتطلّبَه

يجب على الشّاعر أن يتجنّبَ سَفْسافَ الكلامِ، وسخيفَ الألفاظ، ونازلَ المعاني المسترَدَةِ، ووحشيَّ اللغةِ المتكلَّفَة، ولا يستعملُ التشبيهاتِ الكاذبةَ، ولا الإشاراتِ المجهولةَ، ولا الأوصافَ البعيدةَ، ولا العباراتِ الغثّةَ، ولا يختصر في موضع البَسْطِ، ولا يبسُطُ في موضع الاختصار. فإذا أراد أن يبني قصيدةً أو ينظم قطعةً صوّرَ المعنى في قلبه، ومثّلَهُ في نفسه كلاماً منثوراً، ثم أعدّ له ألفاظاً تُطابقه، واختار له من القوافي ما يوافقه، وجعله على وزنٍ يسْلسُ القولُ عليه، وينقاد المعنى إليه. فإذا نظم بيتاً تأمّلَهُ تأمُّلَ غيرِ راضٍ عن نفسه، ولا مغالطٍ لفهمه وحسِّهِ، وانتقدَه انتقاد متعنِّتٍ فيه، فإنْ وافق الصحّةَ، وجرى على منهاجِ الاستحسانِ، وإلا فالواجب عليه إسقاطُه. وإنِ اتّفقَ له بيتان على قافيةٍ واحدة، اختار الأوقعَ منهما وأبطلَ الآخرَ.

ويجبُ على الشاعر أنه لا يُظْهِرَ له شعراً إلا بعد ثِقتِه بجودتِه وسلامتِه من العيوب التي نبّه عليها العُلماءُ وأمروا بالتحرُّزِ منها. ولا يسلكُ سبيلَ الأعرابِ فيما نَهَيْنا عنه في صدر الكتاب.

وأمّا ارتكابُ الضروراتِ غير المحظوراتِ فيجوزُ استعمالُها وإن كانت عند المحققينَ عيباً، وقائلُها عندهم مسيئاً، إلا أنّ اجتنابَها مع جَوازها أحسنُ. ولا ينبغي الاقتداءُ بمن أساءَ من الشُعراءِ القدماءِ بل بمن أحسنَ منهم وأجاد. ولا يحذو إلا حذْوَ الشِّعر الجيّد، والنظم المختار، والطريقة الحسنة، والسُنّة الهادية، واللّفظ الرشيق، الحُلو اللطيف السّهلِ، الآخذِ بمجامع القلوب، المستولي على قُوَى النفوس، الواصلِ الى الأفهام من غير حجاب، الهاجمِ على العقول بلا مِطْرَقٍ ولا بوّاب، المُشاكلِ للأرواح لفظاً ورقّةً، وللسّحرِ حلاوةً ودقّةً.

ويجبُ على الشاعر أن يتنكّبَ سرِقةَ الأشعارِ ويتجنّبَ الإغارةَ على المعاني، فإذا حاولَ النظرَ الى شيءٍ من ذلك جعل خاطرَهُ كوادٍ مُطمئِنٍ قد مدّتْهُ سيولٌ جاريةٌ من شِعابٍ مختلفة، أو كمَنْ ركّبَ طيباً من أخلاطٍ متغايرةٍ من الطيبِ، فلا يُعرَفُ أرَجُ ما ركّبَهُ من أي طيبٍ هو.

ومما يُحكى في مثلِ ذلك أنّ خالدَ بنَ عبد الله القَسْري قال: حفّظني أبي ألفَ خطبةٍ ثم قال لي: تناسَها فتناسَيْتُها فغاضَتْ ثم فاضَتْ، فواللهِ ما أردتُ بعد ذلك شيئاً من الكلامِ إلا سهُلَ عليّ وعْرُه ولانَ لخاطري صعبُه.

وينبغي للشّاعرِ أنه إذا نظمَ شِعراً يردِّده برفيعٍ من صوته، فإنّ الغِناءَ فيه يكشفُ عيوبَه، ويبيّنُ متكلَّفَ ألفاظِه؛ ألا ترى الى قولِ حسّان بن ثابت:

تغنَّ في كلِّ شِعْرٍ أنتَ قائلُهُإنّ الغِناءَ لهذا الشِّعْرِ مِضْمارُ
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «تغن في كل شعر أنت قائله»

وينبغي للشاعر أن يتأمّل مصراعَ كل بيْتٍ حتى يُشاكل ما قبلَه ويطابقَ ما تقدّمه، فقد عاب العلماء على خَلْقٍ من الشُعراء القدماء مثلَ ذلك، كقول الأعشى:

أغَرُّ أبيضُ يُسْتَسْقى الغَمامُ بهِلو قارعَ الناسَ عن أحسابِهمْ قَرَعاً

فالمِصْراعُ الثاني غيرُ مُشاكِلٍ للأوّل، وإنْ كان كلُّ واحدٍ منهما قائماً بنفسِه، وهذا معنىً ينبغي مراعاتُه والوقوفُ عندَه. ومثله قول امرئ القيس:

كأنّي لم أرْكَبْ جَواداً للذّةٍولم أتبطّنْ كاعِباً ذاتَ خَلْخالِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»
ولم أسْبأِ الزّق الرّويَّ ولم أقلْلخَيْليَ كُرّي كرّةً عندَ إجْفالِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

قال محمد بنُ أحمد بن طباطبا العلَوي: هذان بيتان حسنان، ولو وُضِعَ مصراعُ كلِّ واحدٍ منهما في موضع الآخر كان أشكلَ وأدخل في استواء النسج، فكأنْ يُقال:

كأني لم أركبْ جواداً ولم أقُلْلخيليَ كُرّي كَرّةً بعدَ إجفالِ
ولم أسبأِ الزِّقَّ الرّويَّ للذّةٍولم أتبطّنْ كاعباً ذاتَ خَلخالِ

وينبغي للشاعر أن يتجنّب الحشوَ الذي يفسُدُ به البيت، كقول الأعشى لمّا مدح قيْساً:

ونُبّئْتُ قيْساً ولم آتِهوقد زعَموا، سادَ أهلَ اليَمَنْ

فقال له قيس: يا ويلكَ تقول وقد زعَموا. وهذه كلمةٌ لا تُستعمَل إلا عندَ الشكِّ في صِدْق القائل! فجعلها حَشْوةً أفسدَ بها معنى البيت. فلو قال:

ونُبّئْتُ قيساً ولمْ آتِهعلى نأيِهِ سادَ أهلَ اليمَنْ

لخلَص من ذلك.

وينبغي للشاعر أن يتعفّفَ في شعرِه ولا يستَبْهِرَ بالفواحشِ، ولا يتهكّمَ في الهجاء، فإنّ العلماء ذمّوا من اعتمد ذلك، ومن كان يتعهّرُ ولا يتستّرُ مثل امرئ القيس في قوله:

ومثلِك حُبْلى قد طرَقْتُ ومُرضعفألْهَيتُها عن ذي تمائمَ مُحْوِلِ

وينبغي للشاعر أن يستعمل لفظةً لإقامة وزنِ البيت وهي مُفسِدة بمعناها له، وإذا حكَم عليه البيتُ بذلك فالأوْلى إسقاطُه. ألا ترى ذا الرُمّة وقوله:

حَراجيجُ ما تنفكُّ إلا مُناخةًعلى الخَسْفِ أو ترمي بها بلداً قَفْرا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «لقد جشأت نفسي عشية مشرف»

كيف أدخلَ إلا بعد ما تنفك لإقامة وزن البيت فأفسدَه. لأنّ مايزالُ وماينفك في كلامِهم جَحْدٌ وإلا تحقيقٌ، فكيف يجتمعان! ولهذا لو قُلت: مازالَ زيدٌ إلا قائماً، لم يجُزْ.

وينبغي للشاعر أنه إذا رأى الشِّعرَ قد اعتاصَ عليه ومنعَ جانبَه منه أنْ يتركَهُ في تلك الحال ولا يكُدَّ قريحتَه فيه، ولا يكلِّفَ خاطرَهُ اقتحامَ مهاويه. فقلّما يجيءُ الشعر على تلك الحال كما يؤْثِرُ الشاعرُ، ولعلّ في تركِه له حدوثَ معنىً لم يكنْ في الخاطر من قبْلُ، وقد وقعَ لجماعةٍ من الشعراءِ مثلُ ذلك كثيراً.

قيلَ: لما وفدَ ذو الرُمّة على بلال جعلَ يتردّدُ إليه ويحاولُ أن يبتدئَ قصيدةً فيه والشّعرُ يعتاصُ عليه فلا يقدرُ أن يصل إليه، فقال له عجوزٌ كان يُكثر الغُدوَّ والرَّواحَ عليها. وكان جميلاً: قد طالَ تَردادُك يا فتى، أفإلى زوجةٍ سعِدتَ بها، أم الى خُصومةٍ شَقيتَ من أجْلِها، فالتفت ذو الرُمّة الى راويتِهِ وقال: جاء والله ما أريد، ثمّ أنشأ قائلاً:

تقولُ عجوزٌ مَدْرَجي مُتروِّحاًعلى بابِها من عِنْدِ أهلي وغادِيا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ألا حي بالزرق الرسوم الخواليا»
الى زوجةٍ بالمصرِ أمْ لخُصومَةٍأراكَ لها بالبصرةِ العامَ ثاوِيا

ومرّ في القصيدة، فكأنّ العجوزَ اقتدَحَتْ بكلامِها زَنْدَ خاطرِه.

والفصيحُ في اللغة أن يُقال: فلانةٌ زوجُ فلان ولا يقالُ زوجةُ فلان. وقال ابن مناذر قلت:

يَقدحُ الدهرُ في شماريخِ رضوى

ومكثتُ حوْلاً لا أقدرُ على إتمامِه فسمعتُ قائِلاً يقول: هَبّود، فقلت: وما هَبّود؟ قيلَ جبلٌ، فقلت:

ويحطُّ الصّخورَ من هبّود

وفي مثلِ هذه الحكاية ما حدّثَ به أبو الحسن عليُّ بنُ نصْرٍ الكاتب قال: حدّثني زعيمُ المُلك قال: قال لي أبو الحسن الجهرميّ: لمّا عملتُ قطْعَتي التي أصِفُ الدّيكَ فيها، وأوّلها:

يا رُبَّ أفرَقَ قُبْرُ سِيٍّ ليسَ بالجَزِعِ الفَروقِ
علِقَ الدُجى بذيولِهِلمّا تطلّسَ بالبُروقِ
فالنّارُ لونُ لِباسِهوسِواهُ منها في حَريق
حُذيَ النُّضار وزيدَ تحْسيناً فتُوِّجَ بالعقيقِ
فتخالُهُ خاضَ الأصيلَ وبلَّ فرْعاً بالشُروقِ
يمشي بمِهْمازَيْنِ إمما للنّجاةِ أو اللُّحوقِ
سكِرَتْ لحاظُ الناظريهـ بكأسِ مَفْرقِه الرّحيقِ

بقيتُ أياماً أفكّرُ في بسْطِ رجلِه إذا وطِئَ الأرضَ ورفعِها متمَهِّلاً أن يضعَها على الأرض، ومازلْتُ أقبِضُ يديَ وأبسطُها متطلّباً المعنى، فقالتْ لي امرأة كانت تراني: أيُّ شيءٍ بك، كأنك تقارعُ أحداً؟ فقلت لها: رفّهتِني وخرجتِ إليّ بغَرضي ثمّ قلت:

مُتشابِهُ الخطَواتِ ينْقُلُهنّ بالمَهْلِ الرفيقِ
رِجْلٌ تُريكَ يدَ المُقارعِ في مُصافحةِ الطريقِ

وينبغي للشاعر أن يُقارِبَ بين الألفاظِ ولا يُباعِدَ بينها، فهو عيبٌ، كما قيل: إنّ الكُمَيْت أنشد نُصَيْباً قولَه:

وقد رأينا بها حُوراً منَعَّمةًبِيضاً تكاملَ فيها الدّلُ والشنبُ
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «هل أنت عن طلب الإيفاع منقلب»

فعقدَ نُصَيْبٌ خِنصَرَهُ فقال له الكُمَيْت: ما هذا؟ قال: أعُدُّ غلطَك، هلاّ قُلتَ كما قال ذو الرّمّة:

لَمْياءُ في شفَتَيْها حوّةٌ لعَسٌوفي اللِّثاثِ وفي أنيابِها شنَبُ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

وأقول: إنّ الذي أنكرَه نُصَيبٌ في موضِع الإنكار، وهو عيٌ قبيحٌ؛ لأن الكلامَ لم يجرِ على نظمٍ متسِقٍ، ولا وقعَ الى جانبِ الكلمةِ ما يشاكلُها. وأول ما يحتاجُ إليه الشّعرُ أن يُنظَمَ على نسَقٍ وأن يوضَعَ على رسمِ الُشاكلة.

وقيل: إنّ عمّ عُبَيْد الراعي النُمَيْريّ قال للراعي: أيُّنا أشعرُ أنا أم أنتَ؟ فقال الراعي: أنا أشعرُ يا عمُّ منكَ، فغضِبَ وقال: بمَ وكيفَ؟ قال: لأني أقولُ البيتَ وأخاهُ، وأنتَ تقول البيتَ وابنَ أخيه.

وينبغي للشاعرِ أن يتجنّب الألفاظَ التي تَشْتَبهُ على سامعيها وقارئيها ولا ينزِلَ في الخطابِ من عُلوّ الى مهْبِطٍ؛ لأنّ الأجدرَ أن يرتقيَ من انحطاطٍ الى عُلوّ.

فأما الألفاظُ التي تشتبِهُ فمثالُها ما جرى لأرطأةَ بن سُهيّة المُريّ، وكان قد بلغَ مائة وثلاثين سنةً، فدخل على عبد الملك فقال له: ما بقيَ من شِعرِك يا بنَ سُهيّة؟ فقال: واللهِ ما أشربُ ولا أطربُ ولا أغضبُ، ولا يجيءُ الشّعرُ إلا على مثلِ إحدى هذه الخِلال، وإني لأقول:

رأيتُ المرءَ تأكلُهُ اللياليكأكْلِ الأرضِ ساقطةَ الحديدِ
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة
وما تَبْغي المنيّةُ حين تأتيعلى نفْسِ ابنِ آدمَ من مَزيدِ
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة
وأعلمُ أنها ستَكُرُّ حتىتُوفِّي نَذْرَها بأبي الوليدِ
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة

وكان أرطأةُ يُكنى أبا الوليد، وعبدُ الملكِ يُكنى أبو الوليد، فارتاعَ عبدُ الملك واشتدّ ذلك عليه وتغيّر لونُ وجهِه ظناً بأنه يعْنِيه، فقال له أرطأة: إني لم أعْنِكَ وإنما عَنَيْتُ نفسي، وشهِدَ عندَهُ جماعةٌ أنّ كُنيتَه أبو الوليد فأمسكَ عنه، ولولا ذلك لأوقَعَ به وأهلَكَه.

والروايةُ الصحيحةُ أن عبدَ الملكِ بلغَتْهُ الأبياتُ فأنكرَها وأعظمَه وقال: ما هذا الجِلْفُ وذِكْري، وأمرَ بإحضارِه ليوقِعَ بهِ فشهِدوا عندَهُ بكُنيَتِه وأنه لم يقصِدْهُ بذلك. فلما أُحضِرَ وهو خائفٌ وجِلٌ، آمنَهُ وأطلقَه، فعادَ وجماعةٌ من أعدائه قد أرْجَفوا عليه بالنَّكال والوَبالِ فأنشأ قائلاً:

إذا ما طَلعْنا من ثَنيّةِ لَفْلَفٍفبَشِّرْ رِجالاً يكرهونَ إيابي
وخبّرْهُمُ أنّي رجِعْتُ بغبْطَةٍأحدِّدُ أظفاري وأصرفُ نابي
وأنّي ابنُ حرْبٍ لا تزالُ تهِرُّنيكِلابُ عدوٍ أو تهِرُّ كِلابي
للشاعر أرطأة بن سهيّة، اقرأ القصيدة

وقريٌ من هذه الحكاية ما حدّث به المصوِّر العَنزيّ وكان راويةَ العربِ قال: دخلتُ على زيادٍ فقال: أنشِدْنا، فقلت: من شِعْرِ مَنْ؟ قال: من شعرِ الأعشى، قال: فأُرْتِجَ عليّ ولم يحضرْني إلاّ قولُه:

رحَلَتْ سُميّةُ غُدْوَةً أجْمالَهاغَضْبى عليكَ فما تقولُ بَدا لَها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

فقطّبَ زيادٌ وغضبَ وعرَفْتُ ما وقعتُ فيه فخرجتُ منهزِماً. فلمّا أجاز الناسَ لم أسْتَجرِ أن أرجِعَ إليه، لأنّ أمّ زيادٍ كان اسمُها سُميّة.

ودخل ذو الرّمّة على عبد الملك فقال له: أنشدني أجودَ شِعرِكَ فأنشدَه:

ما بالُ عينِكَ منها الماءُ ينسكِبُكأنهُ من كُلَى مَفْريّةٍ سَرِبُ
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «ما بال عينك منها الماء ينسكب»

وكانت عيْنا عبد الملك تسيلان ماءً، قال: فغضِبَ عليه وأمرَ به، فأُخْرِجَ مهاناً وقد عرَفَ موضعَ خطئه. فلمّا كان من الغد دخل في زُمرةِ الناس وأنشد:

ما بالُ عينيَ منها الماءُ ينسكبُ

حتى أتى على آخرِها فأجازَهُ ومن الاتفاق العجيبِ أنّ عبدَ الملك كان قد أعطى عمروَ بن سعيد الأشْدَق أمانَهُ وخدَعُه وكاذَبَه حتى حصلَ وقتلَه. واتّفقَ أنّ إبراهيمَ بن مُتمِّم بن نُوَيْرة وفدَ على بني عمرو بنِ سعيدٍ الأشدَق فقالوا لعبدِ الملك: ما رأيْنا بدويّاً يشبهُ إبراهيمَ بنَ متمِّم عقْلاً وفضْلاً، فقال عبدُ الملك: أدخِلوه، فلمّا دخل عليه رأى منه ما رآه القوم، فقال له: أنشِدْنا بعضَ مراثي أبيك متمم في عمّك مالكٍ فأنشدَه:

نِعْمَ الفوارسُ يومَ نُشْبَةَ غادَرواتحتَ التُرابِ قتيلكَ ابنَ الأزْوَرِ

فلمّا انتهى الى قولِه:

أدَعَوْتَهُ باللهِ ثمّ قتَلْتَهُلوْ هو دعاكَ بمثلِها لم يغْدِرِ
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة

فظنّ عبدُ الملك أنّ بني عمرو بن سعيدٍ قد وضعوهُ على ذلك، فغضِبَ حتى انتفخَ سَحْرُهُ غيْظاً، ونظرَ الى بنيهِ مقطِّباً فعرفوا ما عنده، فأقسموا له بالطلاقِ وأكّدوا الأيْمانَ وأنذروا الحجّ وحرّموا الأموالَ والعبيدَ والإماءَ إنْ كانوا علِموا بقولِه، أو اطّلعوا عليه، أو شاوروه فيه، أو جرى منهم في هذا قولٌ أو فِعْل، فأمسكَ مُعْرِضاً وأخرجَ ابنَ متمِّم خائباً. فلما انصرفوا جمعوا له من بينهم شيئاً وردّوه الى بلادِه خوْفاً على نفسِه من عبدِ الملك.

فيجبُ على الشاعر التحرّز في مثل هذه الشُبَهِ والإعراضُ عنها.

ومن الألفاظِ التي بدّلها قارئُوها ما حدّثني به والدي رحمَهُ الله تعالى قال: مدحَ حيدرُ بنُ محمدِ بن عُبَيدِ اللهِ العلَويّ الحُسَيْنيّ يوسفَ بنَ أيوبٍ بقصيدة، فأخذَها بعضُ أعدائِه وهي بخطِّه، ومن جُملتِها: فلا يَغْرُر الباغي أناتُك. وكشَطَ نُقطَتَيْ التاء كشْطاً خفِياً لا يكادُ يظهرُ ولا يُدرَك، ونقَطَ التاء نقْطَ الباء، وأضاف الى نُقطةِ النون أخرى فصارتِ الكلمةُ أتابكَ، وأتى بالقصيدةِ الى عزّ الدين مسعودٍ أتابك، وقال له: هذا حيدَرٌ ولدُ وزيركَ قد مدحَ عدوَّكُم وقد هجاك وسمّاك باغياً. فلما رأى ذلك لم يشُكَّ فيه ولا أمكنَ أن يُزيلَهُ من قلبِه مُعتذِرٌ، وأُخِذَ حيْدَرٌ وأودِعَ السجنَ، فما زال محبوساً حتى أشرف على التلفِ. هذا بتصحيفِ كلِمة واحدة فمِن مثلِ هذا ينبغي التحفّظ.

وأما النّزولُ في الخطاب من مرتَبةٍ شريفةٍ الى منزلةٍ سخيفةٍ، فكقول أبي الطّيّب:

ترَعْرَعَ المَلِكُ الأستاذُ مُكْتَهِلاًقبْلَ اكتهالِ، أديباً قبلَ تأديبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «من الجآذر في زي الأعاريب»

لم يَحْسُنْ في حُكم صناعةِ الشعر أنْ يخاطبَهُ بالأستاذِ بعدَ المَلِكِ فإنّ ذلك نقصٌ في الأدب، وقُبحٌ في المعرفة. ألا ترى أن الكلمةَ الدنيّة لا يليقُ أن تقترنَ بكلمةٍ شريفةٍ، وكذاك الكلمةُ الشريفةُ لا يليقُ أن يُذْكَرَ معها إلا ما هو من قبيلِها، وغير ذلك يقدحُ في الصناعةِ عندَ أهلِ المعرفةِ.

قد عرّفْتُك أنّ اللفظةَ الواحدةَ تُفْسِدُ البيتَ جميعَهُ، ألا ترى قولَ أبي الطيّب أيضاً:

ولا فضْلَ فيها للشجاعةِ والنّدىوصبْرِ الفَتى لولا لِقاءُ شَعوبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لا يحزن الله الأمير فإنني»

لفظةُ الندى أفْسَدَتِ المعنى؛ لأنّ مقْصدَهُ أن يقول: إنّ الدنيا لا فضلَ فيها للشجاعةِ والصبر لولا الموتُ، لأنّ الشُجاع إذا علمَ أنه مخلّدٌ لا ينالُه تلَفٌ ولا إذا ألْقى نفسَهُ في المهالِكِ يمَسُّه ضررٌ، لم يكنْ لشجاعتِه فضلٌ، وإنّما الفضلُ له في الشجاعةِ والصبر مع علمِه أنّ ذلك يؤدي الى تلَفِ النفس، وفقْدِ نعيمِ الدُنيا. وأما النّدى فمخالِفٌ لذلك، لأنّ الإنسانَ إذا علمَ أنّهُ يموتُ هان عليه بذلُ مالِه. ألا ترى المرءَ إذا عوتِبَ على الإسرافِ في البَذْلِ كيفَ يتعتذرُ ويقول: إنّما أبذُلُ ما لا أبْقى له، ولا أنا على ثِقةٍ من التمتّعِ به، كقول الأول:

أبْذُلُ ما لسْتُ بباقٍ لهُولا بهِ أسطيعُ نيْلَ البَقا

وقول الآخر:

نفسي التي تملِكُ الأشياءَ ذاهِبةٌفلَسْتُ آسى على شيءٍ إذا ذهَبا

فقد بانَ لك أن لفظةَ الندى أفسدتِ المعنى.

وقريبٌ من هذا المعنى أنّ الشاعرَ يصفُ نفسَه بما يرفعُها ثم يُعْقبُ ذلك بقولٍ يحُطُّ منها ويَضَعُها، وهو عيبٌ يُسقِطُ فضيلةَ الشاعرِ ويوهنُ تقدُّمَه. ولهذا قدحَ العلماءُ في امرئ القيس وعابوهُ ولامُوهُ في كتبهم وعاتبوه حيث يقول:

فلوْ أنّ ما أسْعَى لأدْنى معيشةٍكفاني ولم أطلُبْ، قليلٌ من المالِ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»
ولكنّما أسعى لمَجْدٍ مؤَثَّلٍوقد يُدرِكُ المجدَ المؤثَّلَ أمْثالي
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي»

فهذا شعرُ ملكٍ يفتخرُ بملكِه ويصفُ ما يحاولُ من بَهيّ عِزِّه مع جلالةِ شأنِهِ وعظيمِ خطَرهِ، فكيفَ حسُنَ بهِ أن ينزلَ عن هذا المركب الجليلِ الى محَلٍّ مُستَرذلٍ، ويرتديَ برداءٍ مُبتذَلٍ فيقول:

لنا غنَمٌ نُسَوِّقُها غِزارٌكأنّ قُرونَ جِلَّتِها عِصيُّ
فتَمْلأُ بيتَنا أقِطاً وسَمْناًوحسبُك من غِنىً شِبَعٌ ورِيُّ
للشاعر عمرو بنِ قُمَيئَة، اقرأ القصيدة

هذا شِعْرُ أعرابي مُتلفِّعٍ بكسائه لا تتجاوزُ هِمتُه، ما حوَتْهُ خيمتُهُ.

وقد هجا الحطيئةُ الزِّبْرقانَ بدون هذا حيث يقول:

دعِ المكارِمَ لا تنهَضْ لبُغْيَتِهاواقْعُدْ فإنّك أنتَ الطّاعمُ الكاسي

فاسْتعدى الزبرقانُ عمرَ بنَ الخطّاب على الحطيئة فحبسَه حتى تابَ وأنابَ.

وينبغي للشاعر أن يتحرّزَ كلَّ التحرّزِ من لفظٍ يتطيّرُ بهِ سامعُهُ خصوصاً إذا ابتدأ به، وافتتَحَ الكلامَ بسببه. فكم من شاعرٍ قد حُرِمَ بطريقه الإفادة، ونُزعَتْ عنهُ جلابيبُ السّعادةِ. من ذلك ما رَوَوْهُ عن الأخطلِ لمّا دخلَ على عبدِ الملكِ فأنشدَهُ قصيدةً أولُها:

خَفَّ القطينُ فراحوا منكَ أوْ بكَروا

فقال عبدُ الملك: بلْ منك يا بنَ اللخناء أخرِجُوه، فأُخْرِجَ فلمّا كان من الغدِ دخل عليه وأنشدَُ:

خفّ القَطينُ فراحوا اليومَ أو بكِروا

ومرّ في القصيدةِ الى آخرِها.

وقيل: دخل إسحاقُ بنُ إبراهيم على المُعتصمِ وهو جالسٌ في قصرِ بناهُ بالمَيدانِ لم يُرَ أحسنُ منه وعندَهُأهلُ بيتِه وأكابرُ النّاسِ للهناءِ، فاستأذنَهُ في إيرادِ قصيدةٍ يهنّئُهُ فيها بالموضِع، فأذِنَ له، فابتدأ وأنشد:

يا دارَ هندٍ ما الذي عفّاكِبعْدَ الجميعِ وما الذي أبْلاكِ
إنْ كان أهلُكِ ودّعوكِ وأصْبَحوافِرَقاً وأصبَح دارِساً مغْناكِ
فلقدْ نراكِ ونحنُ فيك بغِبْطَةٍلوْ دامَ ما كُنّا عليهِ نراكِ
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة

فتطيّرَ المعتصمُ من قوله ونفرَ حتى ارْبَدّ وجهُهُ ووقعَ على النّاسِ كآبةٌ، فخرج من ذلك المجلس وما عاد إليه ولا أحَدٌ من الحاضرين. قلت هذا عجَبٌ من إسحاقَ، ولولا غفلةٌ أدركتْهُ من قِبَلِ اللهِ تعالى فرانَتْ على عقلِه حتى قال ما قاله، إمّا للعِظة أو التأديب، لكان له من المعرفةِ والفهمِ والتجربةِ بخدمةِ الخُلفاءِ، والانتقادِ على الشُعراء، ما يزَعُهُ عن النُطْقِ بمثلِ هذا كلاّ بلْ رانَ على قلوبِهم.

وحدّثَ إبراهيمُ بنُ شِكْلَة بحديثٍ يُحِقُّ أنّ الألفاظَ الرديئةَ قد تجري على اللسانِ، بغير حُكم الإنسان، مع النَهْي عنها والتحذير منها، قال: دخلتُ على الأمين محمدٍ والأمورُ عليهِ مختلّةٌ فقال: يا عمُّ، هلاّ جلستَ معَنا لنتسلّى بألفاظِك وتخفِّفَ بها همَّنا، قال: فجلستُ وتغدّيْنا ودعا بالشرابِ واستحضَرَ جاريتَهُ دِبسيّةَ وأمَه بالغناء فغنّتْ:

كُلَيْبٌ لعَمْري كانَ أكثرَ ناصراًوأيْسَرَ جُرْماً منكَ ضُرِّجَ بالدّمِ
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «أيا دار سلمى بالحرورية اسلمي»

فاغتاظَ الأمين من قولِها وقال: ما هذا؟ فقالت: يا مولايَ هذا الذي كنتَ تقترحهُ عليّ قديماً. قال غنّي غيرَه فغنّتْ:

هُمْ قتَلَوهُ كي يكونوا مكانَهكما فعلَتْ يوماً بكِسْرى مَرازِبُهْ

فتطيّر من غنائِها، وأخذَ العودَ وضربَ به رأسها وقال: انهضي إلى لعنةِ الله. قال إبراهيمُ: فقلت يا سيدي إنما قصدَتْ لعادتِكَ من الأغاني فإنْ رأيتَ أن ترجِعَ. وسكّنتُ غضبَهُ، فأمرَ برجوعِها وجيءَ بعودٍ فغنّتْ:

أرى الأثْل من وادي العقيق مُجاوريففيمَ وقَدْ غالَتْ يزيدَ غوائِلُهْ
للشاعر زينب بنت الطثرية، اقرأ القصيدة

فأمر بسحبِها، فسُحِبَتْ وأُخرِجَتْ وأقسمَ أنه لا يسمعُ يومَه غناءً ولا يشرب شَراباً. فما مضَتْ إلا ثلاثةُ أيامٍ حتى اجتُزَّ رأسُه وضُرِّجَ بدمائِه.

ودخلَ أبو مقاتل على الدّاعي في يوم المهرجان وابتدأ في الهناء بهِ فقال:

لا تَقُلْ بُشْرَى ولكنْ بُشْرَيانغُرّةُ الدّاعي ويومُ المَهْرَجانِ

فلمّا قال لا تَقُلْ بُشْرَى نهضَ من مجلسِهِ متَطيّراً وقطعَ الإنشاد مُبدِّلاً لمجلسِهِ مُغيِّراً.

ودخلَ أبو نواس على الفضلِ بنِ يحيى البرمكي وأنشدَه:

أرَبْعَ البِلى إنّ الخشوعَ لبادِعليكَ وإني لمْ أخُنْكَ وِدادي
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أربع البلى إن الخشوع لباد»

فانزَعَج الفضلُ مُتطيراً بذلك وعادَ يكرِّرُ يمحو اللهُ ما يشاءُ، فلما انتهى الى قوله:

سلامٌ على الدنيا إذا ما فُقِدتُمُبني بَرمكٍ من حاضرينَ وبادِ

استحكَمَ تطيُّرهُ ونهضَ فدخلَ دارَ الحُرَمِ ولم يبقَ أحدٌ في مجلسِه إلا واستقبحَ ذلك من اختيارِ أبي نواس.

ودخل أبو عُبادة البُحتري على أبي سعيدٍ الثّغْريّ فأنشده:

لكَ الويلُ من ليلٍ بِطاءٍ أواخرُهُ

فقال أبو سعيد: بَلْ الويلُ والحرَبُ لك لا أمَّ لك. وللهِ العجَبُ كيف فات البُحتريَّ ذلك، واستحسنَ أن يقابلَ ممدوحاً ويفتتحَ كلامَهُ له بقولِه لكَ الويلُ، وما الذي أعجبه من هذا الافتتاحِ لولا غفلةٌ أدركتهُ!؟ وقيل: لما أنشدَ أبو الطيّب عضُدَ الدولةِ قصيدَهُ الذي أولُه:

أوْهِ بَديلٌ من قولَتي وَاها

قال له عضدُ الدولة: أوّه وكيَّه، ويلَكَ ما هذا الكلام.

وإنّما ينَبَّهُ على مساوئِ الشاعرِ المتقدّمِ ليتجنّبَ المتأخِّر ما أُخِذَ عليه وأخطأ فيه. وليسَ الغرضُ بذلك الغَضَّ من نُبلِه، ولا الاستنقاصَ بفضلِهِ.

والشاعرُ إذا أوقعَ الكلامَ مواقعَهُ، ووضعَ المعانيَ مَواضعَها اكتسى شعرُهُ البهاءَ، وكسَبَهُ حُسْنُ تأتّيهِ الثناءَ. وإذا أجادَ في نظمِهِ، وأساءَ في تأتّيهِ وقلّةِ حَزْمِه، غطّتِ الإساءةُ على الإحسان، واستحقَ بعد الإكرامِ محلّ الهوانِ.

ومن غلْطاتِ الشعراءِ أنّ أبا النّجْمِ العِجْليّ دخلَ على هِشام بنِ عبدِ الملك، وكان أحولَ فأنشدَهُ أُأَرجوزتَهُ اللاميّةَ التي يقولُ في أوّلِها:

الحمدُ للهِ الوَهوبِ المُجْزِلِ

حتى بلغ قولَه:

والشمسُ قد صارَتْ كعينِ الأحْوَلِ

غضب هشام وأمرَ به فضُربَ وسُجِن.

ووفدَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ العَبْليّ على هشامٍ أيضاً ومدحَه، فأجازَهُ بمئتَيْ دينارٍ، ثمّ خرجَ من عندِه فمرّ بالوليدِ بن يزيد وهو وليُّ عهدِ هشام فقال له:

يا بنَ الخليفةِ للخليفةِ والخليفةُ عن قليل

فبلغ قولُه هشاماً فغضبَ وأرسلَ خلْفَهُ، فرُدَّ من الطريق فلمّا حضرَ قال له: ويلكَ! مدَحْتَني في كلمتِكَ التي أولُها:

لَيْلَتي من كَنودَ بالغَوْر عُوديبصفاءِ الهوى من امِّ أسيدِ
للشاعر عبد الله بن عمر العبلي، اقرأ القصيدة

وقلتَ فيها لي:

ووقاكَ الُتوفَ من وارِثٍ والٍ وأبقاكَ صالحاً رَبُّ هودِ

ثم مررتَ بالويدِ فنَعَيْتَني إليه! قبحكَ الله، وأمرَ بهِ فضُربَ مئتَيْ سوْطٍ مكانَ كلِّ دينارٍ سوْطاً. ثم أقامَ عبدُ اللهِ العَبْليّ حتى هلَكَ هشامٌ وقُتِلَ الوليدُ وقام مروانُ بنُ محمدٍ فمدحَهُ ومدحَ وليَّيْ عهدِه عبدَ الله وعُبَيْدَ الله فقال:

لا حُرِماها ولا بها خَلَصاحتى يكونَ البَدا بكَ الهَرَمُ
للشاعر عبد الله بن عمر العبلي، اقرأ القصيدة

فضحِكَ مروانُ وقال: يا عبدَ الله لقد أدّبَك أبو الوليد، يعني هِشاماً. ولمحَ ذلك بعضُ المُحدَثين فقال:

ووليُّ عهدِكَ لا يزالُ أميرا

ومن بوادرِ اللسانِ التي يجبُ تجنُّبُها على كل شاعرٍ بل كل إنسان، ما اعتمدَهُ الأخطلُ مع الجحّاف بن حكيم السُلمي؛ فقيل إنّ الأخطلَ دخلَ على عبدِ الملكِ بن مروانَ والجحّافُ عندَه وكان قد اعتزلَ حرْبَ بني تغلبَ، فلما رآه الأخطلُ أنشدَ محرِّضاً للجحّافِ أو مستهزئاً به:

ألا سائِلِ الجَحّافَ هلْ هوَ ثائِرٌبقَتْلى أُصيبَتْ من سُلَيْمٍ وعامِر
للشاعر الأخطل، من قصيدة «ألا سائل الجحاف هل هو ثائر»

فقبضَ الجحّاف على لحيتِه وقال:

نعَمْ سوفَ نَبْكيهِمْ بكلِّ مُهَنَّدٍونَنْعى عُمَيْراً بالرّماحِ الشّواجِرِ

يعني عُمَيْر بن الحُبابِ السُلمي. ثم قال: ما ظنَنْتُ يا بنَ النصرانية أنّكَ تجترئُ عليّ ولو رأيْتَني مأسوراً، وأوعدَهُ وتهدَّدَهُ وخرجَ يجرُّ مُطْرَفَهُ غضباً، فقالَ عبدُ الملكِ للأخطل: ما أراكَ إلا قد جررتَ على قومِكَ شرّاً، فما فارقَ الأخطل موضعَهُ حتى حُمَّ، فقال له عبدُ الملك: أنا جارُكَ منهُ، فقال: إنْ أجَرْتَني وأنا يقظان فمن يُجيرُني وأنا نائِمٌ؟ فضحك عبد الملكِ منه. ومن هذا أخذَ السّلمي قولَه:

وعلى عَدوِّكَ يا بنَ عمِّ محمّدٍرَصَدانِ: ضَوْءُ الصُبْحِ والإظلامُ
فإذا تنبّهَ رُعْتَهُ، وإذا هَداسلّتْ عليهِ سُيوفَك الأحلامُ

وخرج الجحّافُ الى قومِه وقال لهم: إنّ عبدَ الملك قد ولاّني بلادَ بني تغلبَ. وزوّرَ كتاباً، وحَشا جُرباً تراباً، وزعم أنه مالٌ، ورحلَ بهم متأهّبينَ فلما أشرفَ على بلادِ بني تغلب خَبَّرهُم بحقيقةِ الأمرِ وأنشدَهُم بيتَ الأخطلِ وقال: إنّما غضبتُ لكم فاثأروا بقومِكم. فشدّوا على بني تغلب بالبِشْرِ ليْلاً وهم غارّونَ غافلون آمنون، فقتلَ منهم مقتلةً عظيمةً وهرَبَ الأخطلُ من ليلتِه مُستَغيثاً بعبدِ الملكِ فلما دخلَ عليه أنشدَهُ:

لقدْ أوقَعَ الجحّافُ بالبِشْر وَقْعَةًالى اللهِ منها المُشْتَكى والمُعَوَّلُ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «عفا واسط من آل رضوى فنبتل»
فإلاّ تُغَيّرُها قُرَيْشٌ بمُلكِهايكُنْ عن قُرَيشٍ مُستمازٌ ومَزْحَلُ
للشاعر الأخطل، من قصيدة «عفا واسط من آل رضوى فنبتل»

فقال له عبدُ الملك: الى أين يا بنَ اللّخْناء؟ فقال: الى النار يا أميرَ المؤمنين، فقال: واللهِ لو قلتَ غيرَها قطعتُ لسانَك. ثم إنّ الجحّافَ لَقي الأخطلَ بعد ذلك فقال:

أبا مالِكٍ هل لُمْتَني إذا حَضَضْتَنيعلى القتلِ أمْ هل لامني لكَ لائِمُ

فهذا ما استجلَبَهُ الأخطلُ على قومِه وجناهُ عليهم بكلمةٍ ما كان أغناهُ عنها وأقدرَهُ على تركِها. ومَنْ كان عندَه من القوّةِ أن يُحرِّضَ بما حرّضَ به ما كان يليقُ أن يكونَ عندَه من الخَوَرِ ما يوجبُ قولَه: لقد أوقعَ الجحّاف ... البيت.

ولما أنشدَ جريرٌ عبدَ الملكِ قولَه:

أتَصْحو أمْ فؤادُكَ غيرُ صاحِ

قال له: بلْ فؤادُك يا بنَ اللّخْناء. فلمّا بلغَ قولَه:

تشكّتْ أمُّ حَرْزَةَ ثم قالتْرأيتُ المورِدينَ ذَوي لِقاحِ

قال له: لا أروى اللهُ عَيْمتَها ثم أخرجَهُ خائباً، وكان سبَبُه ما بدأ به.

وينبغي للشاعرِ ألا يُسيءَ أدَبَهُ في خطابِ الممدوحِ ويتجنّبَ ما تسبقُ إليهِ الظّنّةُ في مثلِ قول أبي نواس:

سأشكو الى الفضلِ بنِ يحيى بن خالدٍهَواها لعلّ الفضلَ يجمعُ بيْنَنا

فقال له الفضل: ويلك أما وجدتَ غيري يجمعُ بينكما؟، فقال: يا مولايَ إنّما وجمْعُ تفَضُّلٍ لا جمْعُ توصُّلٍ. ولَعمري إنّ له وجهاً يعلَّلُ به، ولقد كان عن التُهمةِ فيه غنيّاً. وتبعَهُ فيه أبو الطيبِ فجعلَ مكانَ الجمعِ الشفاعةَ. والجمعُ قد يكون بصلاتِ الممدوح، والشفاعة فلا تُؤَوّل بذلكَ، ففسدَ عليه المعنى بلفظة الشفاعة.

ومدح جرير بشرَ بنَ مروانَ بقصيدةٍ منها:

يا بشْرُ حُقَّ لوجهِكَ التبشيرُهلاّ غضِبْتَ لَنا وأنتَ أميرُ
للشاعر سُراقة البارقي، اقرأ القصيدة
قد كانَ حقُّكَ أنْ تقول لبارِقٍيا آلَ بارِقَ فيمَ سُبَّ جريرُ؟
للشاعر جرير، من قصيدة «يا صاحبي هل الصباح منير»

فقال له بِشرٌ: قبّحَكَ اللهُ يا بنَ المَراغَة، أما وجدتَ رسولاً غيري؟! وقد أخذَ بلال على ذي الرُمّة كلمةً هي دونَ هذا المأخذِ لمّا أنشدَه:

سمِعتُ: الناسُ ينْتَجِعون غيْثاًفقلتُ لصَيْدَحَ: انْتَجِعي بلالا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أراح فريق جيرتك الجمالا»
تُناخي عندَ خيْر فتى يمانٍإذا النكباءُ ناوَحَتِ الشِّمالا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أراح فريق جيرتك الجمالا»

صيدحُ اسمُ ناقتِه. فقال بلال: يا غلام مُرْ لَها بالقتِّ والنّوَى يريدُ أنّ ذا الرُمّة لا يُحسنُ المدحَ. وأقول: إنّهُ لم ينصِفْ ذا الرُمّة في ذلك؛ لأن الكلامَ يُحتَملُ أنّهُ أراد: فقلتُ لصاحبِ صَيْدَح، ويريدُ نفسَه، كما قال الحارثي:

وقفتُ على الديارِ فكلّمَتْنيفما ملَكَتْ مدامِعَها القَلوصُ

يريدُ صاحبَ القَلوص وعنى نفسَهُ قال الله تعالى: (واسألِ القريةَ) أي أهلَ القرية. وإذا كان هذا التأويلُ ممكناً فلا نقْصَ على ذي الرمّة بإنكارِ بلالٍ.

ولقائلٍ أن يقول: فهلاّ اعتذرَ ذو الرُمّة عن نفسِه وقد قابله بلال بردّه؟ والجوابُ عن ذلك أنّ الحاكي لم يقُلْ: إنّ ذا الرُمّة ما اعتذرَ عن نفسِه ولا منع من ذلك، وإنّما كان قصدُهُ حكايةَ قولِ بلال. ويجوزُ أن يكونَ ذو الرُمّةِ قد اعتذرَ الى بلالٍ بذلك أو بغَيْرِه وافلجَ بحُجتِه. ويمكنُ أنه لم يفهمْ مقصدَ بلال بالقتّ والنّوى حتى يُجيبَ عنه، لأنه بدويٌ لا يعرفُ لحْنَ كلامِ الحضريين. والمقصودُ أنه لم يكن جاهلاً مقدارَ ما ذكرناه، ولا هو ببعيدٍ عنه. وأما قولُه: سمعتُ الناسُ برفعِ سينِ الناس فإنه رُفِعَ على الحكاية، أي سمعتُ قائلاً يقول: الناسُ ينتجعونَ، كما قال الآخر:

وجَدْنا في كتابِ تميمٍأحَقُّ الخيلِ بالركضِ المعارُ
للشاعر بشر بن أبي خازم، من قصيدة «ألا بان الخليط ولم يزاروا»

أحقُ مُبتدأ والمُعارُ خبرُه، بعينٍ غير مُعجمَة، وهو أنّ الفرسَ ينفلِتُ فيذهبُ يميناً وشمالاً من مرحِه وأرَنِه، يقال: عارَ الفارسُ وأعارَهُ صاحبُه فهو مُعارٌ. والناس يظنون المُعارَ من العارِية وهو خطأ.

ورواهُ بعضُ أهل الأدبِ بخط أبي عليّ الفارسي: المُغار بغين مُعجمةٍ، وهو من أغَرْتُ الحبْلَ فتلتُهُ فهو مُغارٌ. يعني أنّ الفرسَ إذا ضمَرَ واندمَجَ في شحمِه وذهبَتِ البِطْنَةُ عنه كان حقيقاً بالمسابقةِ به. وما رأيتُ العلماءَ باللغةِ اعتمدوا على هذا المعنى، والصحيحُ ما رَوَوْهُ أولاً.

وممّا ينبغي أنْ يتجنّبه الشاعرُ من سوءِ الأدب في خطابِه، ويعطفَ عليهِ جيّدَ البحثِ والتنقيبِ حتى يهتديَ الى صوْبِ صوابِه ما غلِطَ فيه الشُعراءُ وعابَهُ عليهم العُلماء، كقولِ بعضِهم وقد مدحَ زُبيدةَ وهي تسمعُ من أبياتٍ:

أزُبَيْدة ابنةُ جعفرٍطوبى لزائرِك المثابْ
تُعطينَ من رِجْلَيْكِ ماتُعطي الأكفُّ من الرِّغابْ

فهمّ الخدمُ والحشمُ بضربه، فقالتْ: دعُوهُ فإنّه لم يُردْ إلا خيراً، ولكنهُ أخطأ الصّوابَ، وضلّ عن المنهجِ، لأنه سمعَ قولَهم في الشعر: شمالُكِ أندى من يمينِ غيرِك، وظهرُكِ أحسنُ من وجهِ سواك، فظنّ أن الذي ذهبَ إليه من ذلك القبيل، أعطوهُ ما أمّلَ ونبّهوهُ على ما أهمل. فعجبَ الناسُ من حِلمها وضياءِ حِسِّها وفهمِها، وليسَ كلُّ ممدوحٍ حليماً، ولا كلُّ سامعٍ عليماً. وقريبٌ من هذا ما رَثَى به أبو الطيّب والدةَ سيفِ الدولة بقوله:

رِواقُ العِزِّ فوقَكِ مُسْبَطِرٌومُلْكُ عليٍّ ابنِكِ في كمالِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ولولا غَفْلةٌ ذهبتْ بعقلِ أبي الطيّب ورانَتْ على حِسّه وفهمِه لما خاطبَ ملِكاً في أمّه بذلك ولا جعلَ شيئاً مُسبطِرّاً فوقَها. وهذا كقوله أيضاً:

لو استطعتُ ركبتُ الناسَ كلَّهمُالى سعيدِ بنِ عبدِ الله بُعْرانا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أوَ ما علمَ أبو الطيب أن زوجةَ سعيدٍ وأمَّه من جُملةِ الناس، فكيفَ ذهبَ عنهُ ذلك حتى اعتمدَه، وشافه الممدوح بهِ وأنشدَه؟! وللهِ درّ المتوكّل الليثيّ حيث يقول:

الشِّعْرُ لُبُّ المَرْءِ يعرِضُهُوالقولُ مثلُ مواقِعِ النَّبْلِ
للشاعر المتوكل الليثي، اقرأ القصيدة
منها المُقصِّرُ عن رَمِيّتِهونواقِرٌ يَذْهَبْنَ بالخَصْلِ
للشاعر المتوكل الليثي، اقرأ القصيدة

أخذ ذلك من قولِهم: الشرُ كالنَّبْلِ في جَفيرك إذا رمَيْتَ به الغرضَ. فمنهُ طالِعٌ وواقِعٌ، وعاضدٌ وقاصرٌ. فالطالعُ الذي يعلو الغَرَضَ، لم يَزغْ عنه يميناً ولا شمالاً وهو مستحَبٌّ. والواقعُ الذي يقعُ بالغرضِ. والعاضدُ الذي يقعُ عن يمين الغرَض أو شمالِه، وهو شرُّها. والقاصرُ الذي يقصّرُ دونَ الغرض فلا يبلغه. وقوله: ونواقِرٌ يذهبنَ بالخَصْلِ، أي صوائب، يُقال: نقرَ السّهمُ فهو ناقِرٌ إذا أصابَ، والنَواقِر: الدواهي.

وينبغي للشاعر أن يجتنبَ التناقضَ في شعره، فإنّه من أوْفَى عيوبِ الشرِ الدالّة على جهلِه بالمعاني ووضْعِ الكلام مواضِعَهُ. وقد عيبَ على جماعةٍ من الشعراء القدماءِ ذلك، وهو أنّ الشاعرَ يبتَدئُ بشيءٍ ويقرره ثم يعطِفُ عليه، إمّا في باقي البيتِ أو في الذي يليه، فينقضُ ما بناهُ، ويأتي بما يخالفُ معناهُ فمن ذلك ما ناقضَ فيه على سبيلِ المُضافِ عبدُ الرحمن القَسُّ حيث يقول:

وإنّي إذا ما المَوْتُ حلّ بنفسِهايُزالُ بنفسي قبلَ ذاكَ فأُقْبَرُ

جمعَ بين قبلُ وبعدُ وهما من المُضاف، لأنه لا قَبْلَ إلا لبَعْدٍ ولا بعدَ إلا لقَبْلٍ. فإنّ قولَه: إذا حلّ الموتُ بها، وفي هذا الكلام معنى الشرط وقد وضعَهُ ليكونَ له جواباً يأتي به، وجوابُه: يُزالُ بنفسي قبلَ ذاك، وهذا تناقضٌ مِثالهُ قولُ القائل: إذا ماتَ زيدٌ ماتَ عمروٌ قبلَهُ، فجعلَ ما هو قبلُ بعْداً وهذا معنىً يغلطُ فيه خلْقٌ كثيرٌ ولا يُحقّقونه.

ومثلُه في التناقُض على سبيلِ الإيجابِ والسّلْبِ قولُه أيضاً:

أرى هجْرَها والقتلَ مِثْلَيْنِ فاقْصُرواملامَكُمُ فالقتلُ أعْفى وأيْسَرُ

فأوجبَ أنّ الهجرَ والقتلَ مِثلانِ، ثم سلبَهما ذلك بقوله: إنّ القتلَ أعفى وأيسَر، فكأنّه قال: إنّ القتلَ مثلُ الهجر وليس هو مِثله. ومن ذلك قولُ ابن نوفل:

لأعلاجٍ ثمانيةٍ وشَيْخٍكبير السّنِّ ذي بصَرٍ ضَريرِ
للشاعر يحيى بن نوفل، اقرأ القصيدة

ضرير: فعيل من الضُرّ، ولا يُستعملُ في الأكثرِ إلا لمَنْ لا بصَرَ له؛ فكأنّه يقول: إنّ لهُ بصَراً ولا بصَرَ له؛ فهو بصيرٌ أعمى، وهذا تناقضٌ ظاهر. وقال مسلمُ بنُ الوليد:

عاصَى الشبابَ فراحَ غيْرَ مفنَّدِوأقامَ بينَ عزيمةٍ وتجَلُّدِ
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «عاصى الشباب فراح غير مفند»

قال له الحَكَميّ: كيفَ يكونُ الإنسان رائحاً مُقيماً، والرّواحُ لا يكونُ إلا بانتقالٍ منْ مكانٍ الى مكان، ثم قلتَ وأقام بين عزيمةٍ وتجلُّدِ، فجعلتهُ مُنتقِلاً مُقيماً. وهذا تناقض وله عندي حُجّةٌ ليسَ هذا موضعَ ذكرِها. وقال محمودُ بنُ مروانَ ابن أبي الجَنوب:

لي حيلةٌ فيمَنْ ينُمُّ وليسَ في الكذّابِ حِيلَهْ
للشاعر منصور بن اسماعيل الفقيه، اقرأ القصيدة
من كانَ يخلُقُ ما يُريدُ فَحيلَتي فيهِ قَليلهْ

ناقضَ لأنه قال: وليسَ في الكذّابِ حيلة، ثم قال: فحيلتي فيه قليلة. وهذا ظاهرٌ بيّنٌ.

وينبغي للشاعرِ أنْ يتجنبَ التّثْليمَ، وهو أنْ يجيءَ بالأسماءِ ناقصةً لإقامةِ الوزن، كقولِ علقمةَ بنِ عَبَدة الفَحْل:

كأنّ إبْريقَهُمْ ظَبْيٌ على شرَفٍمُفَدّمٌ بِسَبا الكَتّانِ مَلْثومُ
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «هل ما علمت وما استودعت مكتوم»

أرادَ بسبائِبِ الكتانِ فحذفَ. وكقول لبيد:

درَسَ المَنا بمُتالِعٍ فأبانِ

أرادَ المنازلَ فحذفَ. وقال إسحاقُ بنُ خلفٍ البصري:

ولُبْسُ العَجاجةِ والخافقاتُتريكَ المَنا برؤوسِ الأسَلْ
للشاعر إسحاق بن خلف البهراني، اقرأ القصيدة

أراد المنايا فحذفَ. وقال الآخر: وهذا يُسمّى التّغييرُ؛ وهو إحالةُ الاسمِ عن صورتِه:

ونسْجِ سُلَيْمٍ كلَّ قضّاءَ ذائِلِ

أراد: ونسج سُليمان، فحذفَ النون. وقال الآخر:

من نسْجِ داودَ أبي سَلاّم

فجعلَ سليمانَ سَلاّماً وهو تغييرٌ قبيحٌ.

وينبغي للشّاعِرِ أن يتجنّبَ التذنيب وهو ضِدُّ التثليم، وذاك أن يأتي بألفاظٍ تُقصِّرُ عن إقامةِ الوزن فيزيدُها حروفاً ليفتِمّ عروضَ البيت كقولِ الشاعر:

لا كعَبْدِ المليكِ أو كيزيدٍأو سُليمانَ بعْدُ أو كهِشامِ

أرادَ أن يقول: كعبدِ الملكِ، يعني ابنَ مروان، فجعلَه كعبدِ المليكِ لإقامةِ الوزنِ. والمليكُ والمَلِكُ اسمان للهِ تعالى، وليس إذا سُمّي إنسانٌ بالتعبّدِ لأحدِهما وجبَ أن يُدعى بالآخر كما أنّ من سُمِّيَ بعبدِ الرحمنِ لا يجبُ أن يُدعَى بعبدِ الرحيم.

وينبغي للشّاعرِ أنْ يتجنّب الإخلالَ، وهو أن يتركَ من اللفظِ ما يتمُّ به المعنى، كقولِ عُبَيْدِ اللهِ بن عبد الله بن عُتْبَةَ بن مسعود:

أعاذِلَ عاجِلُ ما أشْتَهيأحَب من الأكثرِ الرائِثِ

أرادَ أن يقول: عاجلُ ما أشتهي مع القِلّةِ أحبُّ إليّ من الأكثر المبطئ، فتركَ مع القلّةِ وبهِ يتمّ المعنى. وقال عُرْوَةُ بنُ الورد:

عجِبْتُ لهُمْ إذ يقتلونَ نُفوسَهُمومقتلُهُمْ يومَ الوَغى كانَ أعْذَرا

أراد: عجبْتُ لهم إذ يقتلون نفوسَهم في السِّلْم ومقتلُهم يومَ الوَغى أعذرُ، فتركَ في السلم وبه يتِمُّ المعنى.

وينبغي للشاعِرِ أن يتجنب الزيادة كما يجبُ أن يتجنّبَ الإخلالَ وهو أن يأتي في الكلامِ بما لا حاجةَ له إليه فيفسد ما قصدَهُ من المعنى بتلك الزيادة كما قال الشاعر:

فَما نُطْفَةٌ من ماءِ نهْضٍ عَذيبةٌتمنّعُ من أيدي الرُقاةِ يرومُها
بأطيبَ من فيها لو انّكَ ذُقْتَهُإذا ليلةٌ أسْجَتْ وغارَتْ نجومُها

قولُه: لو أنّك ذُقتَه، زيادة أفسدَ بها المعنى، لأنه أوْهمَ أنك إذا لم تذُقْهُ لم يكن طيّباً. ولو قال: بأطيبَ من فيها وإنّي لَصادِقٌ، لكان أوكدَ في الإخبارِ وأصحّ في الانتقادِ.

وينبغي للشاعرِ أن يتجنّب فسادَ التفسير وهو أن يقَرِّرَ معنىً ثمّ يحاولَ تفسيرَ ما قرّره، فلا يأتي بما يطابقُ ما قدّمَه فيُفسِدَ تفسيرَه ويُغايرَ تقريرَه، كما قال الشاعر:

فيا أيُّها الحيْرانُ في ظُلَمِ الدُجىومَنْ خافَ أن يَلْقاهُ بغْيٌ من العِدَى
تعالَ إليهِ تلْقَ من نورِ وجهِهضِياءً ومن كفّيْهِ بحْراً من النّدى

لمّا قابلَ الظّلَم في البيت الأول بالضياءِ في البيت الثاني كان مُصيباً مُجيداً، ووجبَ عليه أن يقابلَ الخوفَ من بغْي العِدى بالانتصارِ عليهم والإذالةِ لهمُ، فتركَ ذلك وفسّرهُ بغير اقرّرَهُ فقال: ومن كفّيْهِ بحْراً من النّدى. وكان ينبغي أن يكون ذلك في جوابِ الشكوى من الفقر. ولو قال: ومن كفَّيْهِ نَصراً مؤيَّداً أو ما يقاربُ هذا، كان مُصيباً، فاعْرِفْهُ وقِسْهُ.

وينبغي للشاعر أن يتجنّب تكلُّفَ القوافي واستِدعاءَها مع إبائِها وامتناعِها، فإنه يشغَلُ معنى البيت بقافيةٍ قد أتى بها متكلَّفةً صعبةً، فهو عيبٌ قد نصّ العلماءُ عليه؛ ألا ترى الى قول أبي تمام:

كالظّبْيَةِ الأدماءِ صافَتْ فارْتَعَتْزَهْرَ العَرارِ الغضِّ والجَثْجاثا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قف بالطلول الدارسات علاثا»

فبنى البيتَ جميعَه لطلب هذه القافيةِ، وشغلَ المعنى بها، وليس في وصف الظبيةِ بأنّها ترعى الجثجاثَ زيادةُ حُسْنٍ على رعْيِها القَيْصومَ والشيحَ.

وتبع أبو الطيّب أبا تمّام في ذلك فقال:

جَلَلاً كما بي فلْيَكُ التّبريحُأغِذاءُ ذا الرَّشأ الأغنِّ الشّيحُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

هذا بيْتٌ فيه عدةُ عُيوب: منها حذْفُ النونِ في فليَكُن وقد تقدّم ذكرُه، ومنها حذفُ النون مع الإدغام، ومنه عباعُدُ ما بين الجملة الصّدريّة منه والجُملة العجُزيّة حتى لا مُلاءَمَةَ بينهما؛ لأنه بدأ بذكرِ تباريحِهِ وأشجانِهِ، ثم تركَ ذلك وعدلَ الى السؤالِ عن غذاءِ الرشأ، وما تقدّمَ من شكوى تباريحه لا يليقُ بالسؤالِ عن غذاءِ الرشأ. ولو قال إنّ الذي أشكوهُ من التباريحِ في حُبِّ رشأٍ ليسَ من مراعيهِ الشيحُ لجازَ، ولكنهُ كما تَرى. وبعدُ فليتَ شعري! هل هذا الرشأُ الأغنُّ الذي أرادَ في النيّةِ أنه يُشبِهُ حَبيبَهُ إذا ارتَعى القَيْصومَ والبريرَ والكَباثَ وغيرَ ذلك من مراعي الظِّباءِ، يزولُ عنه الشبهُ لحبيبهِ لاختلافِ مراعيهِ التي يغتذى بها؟ فإنْ كان الأمرُ كذلك فحُسْنُه وشَبَهُهُ في الشيحِ لا غير، ولولا تكلّف القافيةِ لما دعتْهُ الضرورةُ الى تعسُّفٍ أفسدَ المعنى به. وقد استَوْفَيْنا في الرسالة العلوية أقسامَ ما في هذا البيت. وقال عبدُ اللهِ العبْليُّ:

ووقاكَ الحُتوفَ من وارِثٍ والٍ وأبقاكَ صالِحاً ربُّ هُودِ

لولا القافيةُ لأمكنَ أن يقول: ربُّ نوحٍ أو ربُّ لوطٍ، إذْ ليس النِّسبةُ الى الله تعالى بأنّه ربُّ هودٍ بأجودَ من النسبةِ إليه تعالى أنه ربُّ إبراهيم وإسماعيل. ولكنّ القافيةَ الى ذلك ساقَتْهُ، ومن غُصَصِ الاضطرارِ سقَتْهُ.

وقد يجيءُ من القوافي ما يكون رُقَى العقاربِ أحلى منه. فمن ذلك قولُ أحمدَ بنِ جَحدرٍ الخُراساني:

وما شَبْرَقَتْ من تَنوفيّةٍبها منْ وحَى الجِنِّ زِيزَيْزَمُ

وقال محمد التَيْميّ:

أخطأْتَ وجه الحَقِّ في التّطَخْطُخِلَتَمْطَخَنّ برشاءٍ مِمْطَخِ

وقال ابن مناذر:

ومن عاداكَ لاقى المَرْمَريسا

وقال أبو تمّام:

ورَمَوْهُ بالصّيْلَمِ الخَنْفَقيقُ

لو أن الخَنفَقيقَ في بحرٍ لكدّرتْهُ.

وقد يجيء من القوافي ما يقعُ موقِعاً لو اجتهدَ الشاعرُ أن يسدّ غيرُه مسدَّهُ لأعْياهُ ذلك وعنّاهُ، وتعذّرَ عليه نقضُ ما أسّسَهُ فيه وبناه. وعلى مثلِه يجبُ أن ينَقِّبَ الشاعر. فمن ذلك قولُ عُروَةَ بنِ أُذينَةَ اللّيْثيّ:

منَعَتْ تحيّتَها فقلتُ لصاحبيما كان أكثرَها لنا وأقلَّها
للشاعر عروة بن أذينة، اقرأ القصيدة
فدَنا وقال: لعلّها معْذورةٌفي بعضِ ما منَعَتْ فقلتُ: لعلّها

فقولُه في القافية لعلها لا يقعُ موقِعَه شيءٌ مثلُها. وقال أبو نواس:

أنتَ تبقَى والفناءُ لَنافإذا أفْنَيْتَنا فكُنِ
للشاعر عبد الهادي السودي، اقرأ القصيدة

قولُه فكُنِ لا يقعُ في حرفِ النونِ قافيةٌ موقعها.

وقالت عُليّةُ ابنةُ المهديّ:

ومُغتربٍ بالمَرْجِ يبكي بشَجْوِهوقد بان عنهُ المُسعِدونَ على الحُبِّ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أحجاج بيت الله في أي هودج»
إذا ما أتاهُ الرّكبُ من نحو أرضِهتنسّمَ يسْتَشْفي برائحةِ القُرْبِ
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أحجاج بيت الله في أي هودج»

كان للركبِ من هذا المكان موضِعٌ حسَنٌ ولكنها رأتْ القُربَ أحقَّ به؛ لأن الركبَ لولا القربُ لم يُسْتَشْفَ برائحتِه، فإذا أمكنَ استعمالُ الأصلِ لم يبْقَ للفرعِ النائبِ عنهُ موضعٌ وإن سدّ مسدّاً حسَناً. وقال ابن المعتزّ يصفُ اليَمام:

حتى عرَفْنَ البُرْجَ بالآياتِيلوحُ للناظرِ من هَيْهاتِ
للشاعر ابن المعتز، اقرأ القصيدة

هيهات في هذا الموضع قافيةٌ لا يقَعُ غيرُها موقعَها فهي عاليةٌ على مَنْ رامَها، غاليةٌ على اسْتامَها. ولابنِ المعتزّ في وصفِ فرسيْنِ تباريا في السرعةِ يقول:

وكمْ قد غدَوْتُ على سابِحٍجَوادِ المِحَثّةِ وثّابها
تُباريهِ جرْداءُ خيْفانَةٌإذا كادَ يسبِقُ كِدْنا بِها
للشاعر ابن المعتز، من قصيدة «ألا من لعين وتسكابها»

وقال المعتمدُ محمد بن عبّاد المغربي وكتبَ بها الى أبيه:

مولايَ أشكو إليكَ داءًأصبحَ قلبي به قريحا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «مولاي أشكو إليك داء»
سُخْطُكَ قد زادَني سَقاماًفابْعَثْ إليّ الرِّضا مَسيحا
للشاعر المعتمد بن عباد، من قصيدة «مَولايَ أَشكو إِلَيكَ داءً»

فقولُه مسيحاً من القوافي التي لا يسدّ غيرُها مَسدُّها. ومن ذلك قولُ مهيار:

وقالوا: يكونُ البيْنُ والمرءُ رابطٌحشاهُ بفضْلِ الحزمِ؟ قلتُ: يكونُ
للشاعر مهيار الديلمي، من قصيدة «صحا القلب لكن صبوة وحنين»

وقال الصَّنَوْبَري:

وافَتْ منيّتهُ الستينَ وا أسَفاإذ لمْ يكنْ عُمْرُهُ سِتينَ سِتينا

وقال آخر:

عهْدي بظلِّكَ والشّبابُ نزيلُهأيّامَ ربعكَ للحسانِ عُكاظُ

القافيةُ ظائيةٌ لا يسدُّ موضعَها غيرُ عكاظ، وهو اسمُ سوقٍ للعرب بناحيةِ مكةَ كانوا يجتمعون بها كلّ سنة. وأمثالُ ذلك في الشعرِ القديمِ والحديثِ كثير.

وينبغي للشاعرِ ألا يخالفَ الشعراءَ المتقدمينَ في عوائدهم إذا شبّهوا، ومقاصِدِهم إذا أيْقَظوا ونبّهوا، فإنّ ذلك ممّا يُعابُ به، ويُعدُّ من ذنوبِه. ألا ترى العلماء كيفَ عابوا على المرّارِ قوله:

وخالٍ على خدَّيْكَ يبدو كأنّهُسَنا البَدرِ في دعْجاءَ بادٍ دُجونُها
للشاعر المُرّار الفَقعَسي، اقرأ القصيدة

والمعلومُ أنّ الخالَ أسودُ، والخدَّ أبيضُ، فعكسَ المرّارُ وجعل الخالَ كسَنا البدرِ نوراً، والخدَّ كالليلِ سواداً، وهذا غير ما جرَتْ به عادةُ الشُعراء في وصفِ الخال. والمعروفُ كقوْلِ العباسِ بن الأحنف:

يُقطِّعُ قلبي حُسْنُ خالٍ بخَدِّهاإذا سفَرَتْ عنه تنغّمَ بالسِّحر
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «ومحجوبة في الخدر عن كل ناظر»
لَخالٌ بذاكَ الخدِّ أحسنُ منظراًمن النُّكتةِ السوداءِ في وضَحِ البدر

وكقولِ عبدِ الملك الحارثي في وصفِه:

كأنّ نُقطَةٌ بمِسْكٍلائحةٌ في بياضِ عاجِ

وكقول الصّنوبريّ:

والخالُ في الخَدّ إذ أُشَبِّهُهُزهْرةُ مِسْكٍ على ثَإى تِبْرِ
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

وكقول الآخر:

كأنّهُ من سبَجٍ فاحِمٍمركَّبٍ في لُؤلؤ رطْبِ
للشاعر الصنوبري، اقرأ القصيدة

ومثْلُ هذا المعنى في الشِّعرِ كثير. ولما أتى المرّارُ بما خرَقَ فيه الإجماع وخالفَ العَيانَ والسَّماع، عدّه أهلُ الأدب عيباً عليه وخطأ منه.

وممّنْ خالَفَ عوائدَ الشُعراء في مقاصدِهم الحكَمُ الخُضْري بقوله:

كانت بنو غالبٍ لأمّتِهاكالغيْثِ في كل ساعةٍ يكِفُ

وليس المعهودُ من الغيْثِ أن يكفَ في كلّ ساعةٍ، ولا وصَفَ الشعراءُ الغيثَ بالوكْف في كلّ ساعة ولا كلّ شهرٍ، وإنّما شبّهوا الممدوحَ بالغَيْث لعمومِ إفْضالِه، وأنّه لا يشُحُّ بنوالِه، كما يعُمّ الغيثُ بتهطالِه، ولا ينْحَلُّ بريِّقِ سَلْسالِه. ومعانيهم في هذا كثيرة.

وممّنْ خالفَ عوائدَ الشعراء في تشبيهاتِهم أحمدُ بن أبي فنَنٍ حيث يقول:

لا تَميلنّ فإنّيخائفٌ أن يتقصَّفْ
للشاعر أحمد بن أبي فنن، اقرأ القصيدة

وإنّما يُشَبّهُ المحبوبُ بالقضيبِ اللّدْنِ والخُوطِ الرّطْبِ، ولا يوصَفُ بأنّه يتقصّف. وابنُ أبي فنَن تبعَ في قولهِ قيْسَ بنَ الخَطيم. وقد سبَقَ القول أن الشاعرَ ينبغي أن يقتدي بمن أحسَنَ من الشُعراء وأجاد، لا بمَنْ أساءَ وخالف القانونَ المُعتادَ. قال ابنُ الخطيم:

كأنّها عودُ بانةٍ قَصِفُ

وقال ابنُ الرومي في ذمِّ ابن أبي فنَن على قولِه يتقصّف:

أيها القائلُ إنّيخائفٌ أن يتقَصّفْ
ليسَ هذا الوصفُ إلاّوصْفَ مصْلوبٍ مُجَفَّفْ

وقال أبو نُواس في مثل قوله:

غُلامٌ فوقَ ما أصِفُكأنّ قوامَهُ ألِفُ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «غلام فوق ما أصف»
إذا ما مالَ يرْعَبُنيأخافُ عليهِ ينْقَصِفُ
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «غلام فوق ما أصف»

ولمّا قال أبو الطيّب:

دون التّعانُقِ ناحِلَيْن كشَكْلَتيْنصْبٍ أدقَّهُما وضَمّ الشّاكلُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

عِيبَ ذلك عليه لأنه خالفَ مذهبَ الشعراءِ فيه وجعلَ نفسَهُ ومحبوبَهُ في النّحولِ سَواءً، والعادةُ أن يوصَفَ العاشِقُ بالنحولِ دونَ المعشوقِ، كقولِ ديك الجنّ:

كِلانا غُصُنٌ شَطْبُفَذا بالٍ وذا رَطْبُ
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «كلانا غصن شطب»
إذا ما هبّتِ الريحُومالَ المِرْطُ والإتْبُ
أبانَتْ منهُ ما طابَومني ما بَرَى الحُبُّ
للشاعر ديك الجن، من قصيدة «كلانا غصن شطب»

وأما تشبيهُ نفسِه وحبيبهِ بشكلَتَيْ نصْبٍ ولابُدّ من خلَلٍ وافتراقٍ بينهما، وعادةُ الشُعراءِ في شِدّةِ الالتزامِ وتضايُقِ العِناق غيرُ ذلك، كما قال ابنُ الجهْم وابنُ المُعتزّ وغيرُهما، وقد استوفَيْنا الكلامَ والإنشادَ عليه في الرسالة العلويّة، وبلَغْنا فيه الغايةَ. ونصَبَ ناحلَيْن على الحالِ كأنّه قال: كمْ وقفةٍ وقفنا دونَ التعانُق ناحلَيْن.

وينبغي للشّاعرِ أن يُحسنَ الاستعارةَ ويتجنّبَ فيها المآخذَ التي أُنكِرَتْ على سواه، فالسعيدُ مَنْ وُعِظَ بغيرِه، فمن ذلك قولُ أبي نُواس:

لمّا بَدا ثعلبُ الصّدودِ لَناأرْسَلْتُ كلْبَ الوصالِ في طَلَبِهْ

وقال أبو العُذافِرُ العَمّي:

باضَ الهَوى في فؤاديوفرّخَ التّذْكارُ
للشاعر ورد العمي أبو العذافر، اقرأ القصيدة

وقال الآخر:

ضِرامُ الحبِّ عشّشَ في فؤاديوحضّنَ فوقه طيْرُ البعادِ
للشاعر أبو العَنبَس الصَيمَري، اقرأ القصيدة
وأنْبَذَ للهوى في دنّ قلبيفعَربدتِ الهمومُ على فؤادي
للشاعر أبو العَنبَس الصَيمَري، اقرأ القصيدة

هذه استعاراتٌ كمَن لبسَ ثيابَ حِدادٍ في عُرْسٍ. وقال أبو تمام:

لا تسْقِني ماءَ المَلامِ فإنّنيصبٌّ قد استعذَبْتُ ماءَ بُكائي
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «قدك اتئب أربيت في الغلواء»

ماءُ المَلامِ من الاستعاراتِ القبيحة. وقال أيضاً:

لم تُسْقَ بعدَ الهوى ماءً على ظمأٍكماءِ كافيةٍ يَسقيكَهُ فهِمُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «محمد بن سعيد أرعني أذنا»

وقال أيضاً:

فضَربْتَ الزّمانَ في أخْدَعَيْهِضرْبَةً غادَرَتْهُ عَوْداً رَكوبا

ولأبي الطيّب في هذا الباب أشعارٌ تُعَدّ من العجَبِ العُجاب، منها قوله:

مسَرّةٌ في قلوبِ الطِّيبِ مفْرِقُهاوحسْرةٌ في قلوبِ البيضِ واليَلَبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «يا أخت خير أخ يا بنت خير أب»

جعلَ للطيبِ والبيضِ واليَلبِ قلوباً تُسَرُّ وتتحسّرُ. وقوله:

وقد ذُقْتُ حلواءَ البَنين على الصِّبافلا تحْسَبَنّي قلتُ ما قلتُ عن جهْلِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بنا منك فوق الرمل ما بك في الرمل»

وقولُه:

فكأنّه حسِبَ الأسنّةَ حُلْوَةًأو ظنّها البَرْنيَّ والآزاذا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أمساور أم قرن شمس هذا»

وقولُه:

تستغرِقُ الكَفُّ فوْدَيْهِ ومنكبَهُفتكتسي منهُ ريحَ الجوْرَبِ العرِقِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قالوا لنا مات إسحاق فقلت لهم»

وقولُه:

خَلوقيّةٌ في خَلوقِيّهاسُوَيْداءُ من عِنَبِ الثّعلَبِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أيا ما أحيسنها مقلة»

وله من هذا أشعار كثيرة.

وقريبٌ من هذه الأشعار حكايةٌ أخبَرَني بها عبدُ الرحمن الدَقّاق بقراءَتي عليهِ في سنة ثلاثَ عشرةَ وستمائة قال: أنبأني ابنُ خيرون عن الجوهري عن المَرزُبانيّ قال: أخبرَني الصّوليُّ قال: حدّثَني يموتُ بنُ المُزَرَّع قال: كان لمحمّد بن الحسن الحِصْنيّ ولدٌ فقال له يوماً: إني قد قلتُ شعراً، فقال الحصنيّ: أنشِدْنيهِ يا بنيَ لئِلا يلعبَ بكَ شيطانُ الشِّعر، قال: فإنْ أجدتُ أتَهَبُ لي جاريةً أو غُلاماً؟ فقال: بل أجمعُهُما لك، فأنشدَه:

إنّ الديارَ بميَّفاهيّجْنَ حُزناً قد عَفا
أبْكَيْنَني لشقاوَتيوجعلنَ رأسي كالقَفا

فقال الحِصنيّ: والله يا بني ما تستحقُّ بهذا جاريةً ولا غُلاماً، ولكنْ أمُّك مني طالِقٌ ثلاثاً إذا ولدَتْ مثلَك.

وينبغي للشاعر أن يتجنّبَ الإغارةَ وقد قدّمنا في أقسامِ السّرِقاتِ المذمومةِ ذِكْرَها وهي: ادعاءُ اللفظِ والمعنى من غير أن يُفكِّرَ الشّاعرُ أن يتعنّى، فما ذُمَّ شاعرٌ في السّرقاتِ بأقبحَ منها، ومثال ذلك قال والِبةُ بن الحُباب:

يا شقيقَ النّفْسِ من أسَدِنِمْتَ عن ليلي ولمْ أكَدِ
للشاعر والبة بن الحُباب الأسدي ، اقرأ القصيدة

أخذَهُ أبو نُواس فقال:

يا شقيقَ النفسِ من حكَمِنِمْتَ عن ليلي ولمْ أنَمِ
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «يا شقيق النفس من حكم»

وقول والبةَ أبلغُ لأنّه قال: لم أكَدِ ومن لم ينَمْ قد يكادُ ينام. ومعظمُ شِعر أبي الطيّب من هذا القِسْم، فمن ذلك قوله:

كفَلَ الثناءُ له برَدِّ حياتِهلمّا انطوى فكأنّهُ منْشورُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إني لأعلم واللبيب خبير»

أخذَهُ من أبي القوافي الأسديّ حيثُ يقول:

ردّتْ صنائِعُهُ عليهِ حياتَهُلمّا انطَوى فكأنّه منشورُ

وقال المتنبي:

وإنّي لتُغْنِيني عن الماءِ نُغْبَةٌوأصبرُ عنه مثلما تَصبِرُ الرُّبْدُ

أخذَه من مروانَ بنِ أبي حفصة حيثُ يقول:

وإنّي لتُغنيني عن الماءِ نُغْبَةٌوأصبرُ عنه مثلَ صبْرِ الأباعِرِ
وأرفعُ نفسي عن صِغارِ مطامِعٍإذا أعوزتني مُرغباتُ الأكابرِ

وقال المتنبي:

ومن نكَدِ الدُنيا على الحُرِّ أن يرَىعدّواً لهُ ما مِنْ صداقَتِهِ بُدُّ
للشاعر عمر الأنسي، من قصيدة «فقدت شبابي وهو لي خير صاحب»

أخذهُ من إسحاق الموصلي حيث يقول:

ومنْ نكَدِ الدُنيا على الحُرِّ أن يرىعدوّاً فيَهْوى ان يُقالَ خليلُ

وقال المتنبي:

كأنّ بناتِ نعْشٍ في دُجاهاخَرائِدُ سافراتٌ في حِدادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أحاد أم سداس في أحاد»

أخذَه من أبي العبّاس الناشئ حيثُ يقول:

كأنّ مُحجّلاتِ الدُّهْمِ فيهِخرائدُ سافراتٌ في حِدادِ

وقال المتنبي:

كالشّمسِ في كَبدِ السّماءِ وضوؤهايَغْشى البِلادَ مَشارِقاً ومَغارِبا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بأبي الشموس الجانحات غواربا»

أخذَه من ابن الروميّ حيث يقول:

كالشمسِ في كبِدِ السّماءِ محلُّهاوشُعاعُها في سائرِ الآفاقِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «لا تكثرن ملامة العشاق»

ولو استقصَيْنا أقسامَ سَرقاتِه في هذا القِسْم خاصةً لأفْرَدْنا لها كتاباً.

ومن حقّ الشاعر أنه إذا أخذ معنىً قد سُبقَ إليه أن يغيّر ألفاظَه ويصنعَه أجودَ من صَنعةِ السابق إليه، أو يزيدَ فيه عليه حتى يستحقّه. فأما إذا أتى بلفظِهِ ومعناهُ فذاكَ عيْبٌ قبيحٌ عندَ الشُعراء المقصّرينَ فضلاً عن المُجيدين.

وينبغي للشّاعرِ أن يوفّقَ بين التشبيهِ والمُشبّهِ به ويراعي ذلك، بحيثُ لا يأتي الكلام متنافراً والمعاني متباعدةً، فإنّه إذا أنعم النظرَ في تأليفِ شِعرِه، وتنسيقِ أبياتِه، ووقفَ على حُسْنِ تجاوُرِه أو قُبْحِه فلاءم بينها، ونظمَ معانيها، ووصل الكلامَ فيها، كان مُجيداً، مع الشعراء المجيدينَ معدوداً. ألا ترى ابنَ هرْمَة وقولَه:

وإني وترْكي نَدَى الأكرمينَوقَدْحي بكفّي زِناداً شِحاحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»
كتارِكَةٍ بيضَها بالعَراءِومُلْبِسةٍ بيْضَ أخرى جَناحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»

والفرزدقَ وقولَه:

وإنّك إذْ تهجو تميماً وترْتَشيسَرابيلَ قيْسٍ أو سُحوقَ العمائِمِ
كمُهْريق ماءٍ بالفاةِ وغرَّهُسَرابٌ أذاعتْهُ رياحُ السّمائمِ

قال ابنُ طَباطِبا العلوي: لو أنّ ثاني بيْتَي ابن هرْمة عِوَضٌ عن ثاني بيْتَي الفرزدق، وثاني بيْتَي الفرزدق عوض عن ثاني بيتي ابن هرمة لصحّ التشبيهُ لهما واتّسقَتْ معاني شِعْرَيْهما، وإلا فالتشبيهُ في الشّعرين غيرُ واقعٍ موقِعَهُ وهذا نقدٌ من ابن طباطبا في أعلى درجاتِ الحُسنِ والإدراك.

وينبغي للشاعر ألا يصِفَ ممدوحَه في فنٍّ من فنونِ كرَمِه وعلمِه وبراعتِه وشجاعتِه وشرفِ محْتِدِه وأصالةِ بيتِه وجميع ما يُضَمّنُه شعرَهُ من مدحه، إلا ويطلبُ فيه الغايةَ ولا يقتنعُ فيه بدونِ النهاية. فإنّ الشّاعِرَ إذا أتى بمعنىً قد قصّر فيه لا يعذِرُهُ ناقدُهُ ولا يقول: عملُهُ على قدرِ ممدوحِه. ولمّا أنشدَ كُثيّرٌ عبدَ الملكِ مدحَتَه التي يقول فيها:

على ابنِ أبي العاصي دِلاصٌ حَصينةٌأجادَ المُسَدّي سَرْدَها وأذالَها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليليّ إنْ أمُّ الحكيم تحمَّلتْ»
يَؤودُ ضَعيفَ القومِ حمْلُ قتيرِهاويستَضْلِعُ القرْمُ الأشَمُّ احتمالَها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «خليلي إن أم الحكيم تحملت»

قال له عبد الملك: ألا قُلتَ كما قال الأعشى لقَيْس بن معْديكَرب:

وإذا تجيءُ كتيبةٌ ملمومَةٌخرْساءُ يخْشى الذائِدونَ نهالَها
كُنتَ المُقدَّمَ غيرَ لابِس جُنّةٍبالسّيْفِ تضْرِبُ مُعلِماً أبْطالَها
للشاعر الأعشى، من قصيدة «رحلت سمية غدوة أجمالها»

فقال كثيّر: إنما وصفَ الأعشى صاحبَهُ بالطّيشِ والخُرْقِ والتغرير، ووصفتُك بالحزْمِ وحصافةِ الرأي والعملِ على الحياطة، فرضيَ عبدُ الملكِ بقوله. وقولُ الأعشى في صناعة الشعرِ وحُكْمِ الشّجاعةِ والبسالةِ، أبلغُ وأحسن. وكثيّر مقصّر عن ذلك الوصف ولكنّه عُذْرٌ دفَعَ به خصمَه، وتمّم به نقصَهُ. وهذا كعُذرِه الى محمد بن عليٍّ الباقر رحمهما الله تعالى حين قال له يا كثيّر، أتزْعُمُ أنّك من شيعتنا ومُحبّينا وتمدحُ آلَ مروان؟ قال: يا مولايَ إنّما أسخَرُ منهم وأستهزئُ بهم، وأجعلُهم حيّاتٍ وعقارِبَ وليوثاً، والليوثُ كلابٌ، وآخذُ أموالَهم وملابسَهم، كقولي لعبدِ العزيزِ بنِ مروان حينَ عتَبْتُ عليهِ فنفرَ بعضَ النفور:

وكنتُ عتبتُ معْتِبَةً فلجّتْبيَ الغُلَواءُ عن سَنَنِ العِتابِ
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «فَلَوْلا الله ثُمَّ نَدَى ابنِ لَيْلَى»
وما زالتْ رُقاكَ تسُلُّ ضِغْنيوتُخرِجُ من مكانِها ضِبابي
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «فَلَوْلا الله ثُمَّ نَدَى ابنِ لَيْلَى»
ويَرْقيني لكَ الراقونَ حتّىأجابكَ حيّةٌ تحت الحجابِ

فجعلتُه راقياً للحيّات. وقلت لعبد الملك:

تَرى ابنَ أبي العاصي وقد صُفّ دونَهثمانونَ ألفاً قدْ تَوافَتْ كُمولُها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أهاجك ليلى إذ أجد رحيلها»
يُقلِّبُ عينَيْ حيّةٍ بمَحارَةٍأضافَ إليها السارياتِ سبيلُها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أهاجك ليلى إذ أجد رحيلها»
يصُدُّ ويُغْضي وهْوَ ليْثُ خفيّةٍإذا أمكَنَتْهُ عدْوَةٌ لا يُقيلُها
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «أهاجك ليلى إذ أجد رحيلها»

فلما سمِع ﵀ ذلك منه قال: يا كُثيّر، من أرادَ الآخرةَ لم يرغبْ في حُطام الدنيا. وهذا دليلٌ على أنه لم يقبلْ عُذْرَ كثيّر، وهو كعُذرِ ابن الرُقيّاتِ في قوله:

وبعضُ القوْلِ يذهَبُ في الرياحِ

والحكايةُ معروفة.

وينبغي للشّاعرِ أن يُقرِّبَ مأخذَهُ ولا يُبعّد مُلتَمَسَه ولا يقصِدَ الإغرابَ فإنه إذا دقّ أغلقَ، وإذا استعملَ وحشيَّ اللغةِ نفرَتْ عنهُ مسامعُ الرّواةِ، وأن يوردَ المعنى باللفظِ المعتادِ في مِثلِه، وأن تكون استعاراتُه وتشبيهاتُه لائقةً بما استُعيرَتْ له وشُبِّهَتْ به، غيْرَ نافرةٍ عن معانيها. فإنّ الشِّعرَ لا تروقُ نضارتُهُ وتشرقُ بهجتُهُ وترقُّ حواشيه، وتورقُ أغصانُه، ويعجبُ أقاحيه، إلا إئا كان بهذه الصِّفَة، وإذا اتفق مع ذلك معنىً لطيفٌ أو حكمةٌ غريبةٌ أو أدبٌ حسَنٌ، فهو زيادةٌ في بهاءِ الشعرِ، وإنْ لمْ يتفقْ فقد قامَ الشعرُ بنفسِه واستغنى عمّا سواه. وإذا سلكَ الشاعرُ غيرَ هذا المذهبِ المُذْهَب، وكان لسانُه ولفظُه مُقصّرَيْن عن إدراكِ هذا المطلبِ، حتى يعتمدَ على دقيقِ المعاني بألفاظٍ متعسّفةٍ، ونسجٍ مُضطَربٍ، وإن اتّفقَ في ضمنِ ذلك شيءٌ من سليمِ الرّصْفِ، وقويمِ النّظْمِ، قُلنا له: قد جِئْتَ بحكمةٍ، فإن شئتَ دعَوْناكَ حكيماً ولا ندعوكَ شاعراً ولا بليغاً؛ لأنك ذهبتَ غيرَ مذْهَبِ الشُعراءِ البُلغاءِ. وهذه طريقةٌ لم يذهبْ إليها من شكرَهُ العلماءُ من أهلِ هذه الصناعة.

وينبغي للشاعرِ ألا يُعاديَ أهلَ العلم ولا يتخذَهم خصوماً فإنهم قادرونَ على أن يجعلوا إحسانَهُ إساءةً، وبلاغتَهُ عِيّاً، وفصاحتَهُ حصْراً، ويُحيلوا معناهُ، وينتقضوا ما بَناه. فكم من أديبٍ أسقطَ أهلُ العلمِ حُكْمَ أدبِه، وأخملُوا من ذكره ما تنبّلَ به. ولو عدَدْناهُم لأفردْنا لهم كتاباً. ولله عمّارٌ الكلبي حيثُ يقول:

ماذا لقيتُ منَ المستَعْربينَ ومنْقياسِ نحوهمُ هذا الذي ابْتدَعوا
للشاعر عمار الكلبي، اقرأ القصيدة
إن قُلتُ قافيةً بِكراً يكونُ بهابيْتٌ خِلافَ الذي قاسوه أو ذرَعوا
قالوا: لحَنْتَ وهذا ليسَ مُنتَصِباًوذاك خفْضٌ وهذا ليسَ يرتَفِعُ
وحرّضوا بينَ عبدِ الله من حُمُقٍوبينَ زيْدٍ فطالَ الضّرْبُ والوَجَعُ
كمْ بيْنَ قومٍ قد احْتالوا لمنطقِهِمْوبينَ قوْمٍ على إعرابِهم طُبِعوا
للشاعر عمار الكلبي، اقرأ القصيدة
ما كُلّ قوليَ مشروحاً لكُمْ فخُذواما تعرِفونَ وما لمْ تعرِفوا فدَعوا
للشاعر عمار الكلبي، اقرأ القصيدة
لأنّ أرضيَ أرضٌ لا تُشَبُّ بهانارُ المجوس ولا تُبْنى بها البِيَعُ

ولعلّ أهلَ العلمِ يأتونَ الى المعاني المُستحيلةِ والألفاظِ المُخْتلّةِ فيقوّمونَ أودَها بعلَلِهم ويُصلحونَ فاسدَها بمعرفَتِهم، ومَنْ هذه سبيلُه فما يحْسُنُ أن يُغضَبَ ولا يُقْشَبَ؛ فرُبَّ داهيةٍ وقع على مَنْ هو أدْهى منه.

وفي حديث يزيد الرّقاشيّ لأبي العبّاس السّفّاحِ ﵁ أعجوبةٌ إنْ كان ما أوردَهُ صحيحاً غيرَ موضوعٍ، قال: نزلَ رجلٌ من العربِ بامرأةٍ من بني عامرٍ فأكرمَتْ مثواهُ وأحسنَتْ قِراه، فلمّا أرادَ الرحيلَ أنشد:

لعَمْرُكَ ما تَبْلى سَرابيلُ عامِرٍمن اللؤمِ ما دامتْ عليها جُلودُها
للشاعر أوس بن مغراء ، اقرأ القصيدة

فقالت المرأةُ لجاريتِها: قولي لهُ: ألمْ نُحْسِنْ إليكَ وتفعلْ كذا وكذا، فهلْ رأيتَ منا تقصيراً؟ فقال: لا واللهِ، قالت: فما حملَكَ على إنشادِ البيت؟ قال: جرى على لساني فأبْداهُ. فخرَجتْ إليه جاريةٌ من بعض الأخبيةِ فحدّثتْهُ حتى أنِسَ واطمأنّ ثم قالتْ: ممّنْ أنتَ يا بنَ عمّ؟ قال: من بني تميم، قالتْ: أفتَعْرِفُ الذي يقول:

تَميمٌ بطُرْقِ اللؤمِ أهْدى من القَطاولو سلَكَتْ سُبْلَ المكارِمِ شلّتِ
أرى الليلَ يجلوهُ النهارُ ولا أرىخِلالَ المخازي عنْ تميمٍ تجلّتِ
للشاعر الطرماح، من قصيدة «ألا إن سلمى عن هوانا تسلت»
تَميمٌ كجَحْشِ السَّوْدِ يرضَعُ أمَّهُويُتْبِعُها رَهْزاً إذا هي زلّتِ
ولوْ أنّ برغوثاً يُزقَّقُ مَسْكُهُإذا نهِلَتْ منهُ تميمٌ وعلّتِ
ولو أنّ برغوثاً على ظهْرِ نملَةٍيكُرُّ على صَفَّيْ تميمٍ لولّتِ
للشاعر الطرماح، من قصيدة «ألا إن سلمى عن هوانا تسلت»
ولو جمَعَتْ عُلْيا تميمٍ جُموعَهاعلى ذرّةٍ معقولةٍ لاسْتَقلّتِ
ولو أنّ أمَّ العنكبوتِ بنَتْ لهُمْمِظلَّتَها يومَ النّدى لاسْتَظَلّتِ
ذبَحْنا فسمّيْنا فحلّ ذبيحُناوما ذبَحَتْ يوماً تميمٌ فسمّتِ
للشاعر الطرماح، من قصيدة «ألا إن سلمى عن هوانا تسلت»

فقال: لستُ من تميم، قالت: ما أقبحَ الكذِبَ بأهلِه فممّن أنت؟ قال: من بني ضَبّة. فأنشدتْهُ هجاءً فيهم، فقال: لا واللهِ ما أنا من بني ضَبّة. ولم يزلْ ينتقلُ من قبيلةٍ الى أخرى وهي تُنشِدُه الهجاءَ فيهم حتى لم يتركْ قبيلةً إلا وانتسبَ إليها وسمعَ هجوها حتى استقالَ وقد أحلّتْهُ دار الهوان وقال: أنا رجلٌ من بني فُلان. والحكايةُ معروفة.

وقريبٌ منها ما رُوي عن المفضلِ الضّبّي، قيل: وردَ عليه أعرابيٌّ على ناقةٍ رثّةِ الأداةِ فسلّم وحسرَ عن وجهٍ كالدينارِ المُشوفِ فقال له المُفضّلُ: ممّن الفتى؟ فقال: طائيّ، فقال المفضَّلُ، وكان حليماً قلّما عجِلَ: طيا يا كلمةٌ فاستمرتِ فقال له الأعرابيّ بلسانٍ ذلقِ السِّنان:

إنّ على سائِلنا أن نسألَهْوالعِبءُ لا يُعْرَفُ حتى تَحْمِلَهْ

نسَبْتَنا فانتسِبْ لنا. فقال المفضّل: أحدُ بني ضَبّة. فقال الأعرابي: وإني لأخاطِبُ ضَبيّاً مذِ اليوم، واللهِ لأحسِبُه ذَنْباً عُجِّلَتْ لي عُقوبتُه، أتعرفُ الذي يقول:

إذا لَقيتَ رجلاً من ضَبّهْفبُكْهُ عمْداً على سواء السّبَّهْ

يا أخا بني ضَبّة، كيف عِلمُك بقومِكَ؟ فقال المُفضّل: إني بهِمْ لعالِمٌ، فقال: أيُّ نساءِ قومِك التي تقول:

بِخَلوةِ ليلةٍ وبياضِ يومٍمن ابْنِ الوائليِّ شِفاءُ قلبي
بمَحْنِيةٍ أوَسِّدُهُ شماليوأكْفِتُ باليمينِ ذُيولَ إتْبي
وأُلصِقُ بالحَشا مني حشاهُويَسهُلُ من قِيادي كلُّ صعْبِ
وأُلمِسُ كفَّهُ جثِماً تعالىعلى ركْبٍ كجثّةِ ظهْرِ قعْبِ
فيجمعُ منكبَيَّ إليه حتّىينالَ غدائري بعَفيرِ تُرْبِ
أقولُ له فِداكَ أبي وأمّيحياتُكَ من جميعِ الناسِ حسْبي

ثمّ قال: أيُّ عماتِك هذه يا أخا بني ضَبّة؟ وأنشأ يقول:

عَثراتُ اللسانِ لا تُسْتَقالُوبأيدي الرجالِ تَخْزَى الرجالُ
فاجعَلِ العقلَ للّسانِ عِقالاًفشِرادُ اللِّسانِ داءٌ عُضالُ
واستفِدْ من فوارِطِ الجهْلِ وانظُركيفَ ترْدَى بالألسُنِ الجُهّالِ
إنّ زمَّ الكلامِ مُبْقٍ على العِرْضِ وبالقولِ يُستَثارُ المَقالُ

فلما سمِعَ المفضَّلُ ذلك استحالَ لونُه ورشحَ جبينُهُ عرَقاً. ثم انصرَفَ الأعرابيُّ، فقال المفضّل: واللهِ لقد ذكر شيئاً ما كنتُ أظنّ على وجهِ الأرضِ أحداً يعرِفُهُ، فالحمدُ للهِ إذْ لم أستَزِدْهُ.

قولُ المفضّل: طيا يا كلمةٌ فاستمرّتِ، من بيتٍ وهو:

وما طيّئٌ إلا نَبيطٌ تجمّعواوقالوا طيا يا كلمةٌ فاستمرَّتِ

وقريبٌ من هذه الحكاية ما رَواهُ لي مؤدّبي الشيخُ أبو محمّد بن أبي البرَكات بن البقال المُقرئُ المؤدّب قِراةً عليه في سنة اثنتين وستمائة، قال: حدّثنا أبو محمد سلمانُ بن مسعود بن الحسين القصّاب بجامعِ المنصور قال: حدّثنا أبو الغنائمِ محمد بن علي النرسيّ الكوفيُّ قال: حدّثنا الشريفُ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ علي بن الحسن العَلَوي الحسَنيّ قال: حدّثنا أبو الحسن محمدُ بن زيْدٍ بن مسلم قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ الله قال: حدّثنا حرَميّ قال: حدثنا عبدُ الله قال: حدّثنا إسماعيلُ بنُ مهران قال: حدّثني أحمدُ بن أبي نصر عن أبان بن عثنام عن أبان بنِ تغلبَ عن عِكْرمة عن ابن عبّاس قال: حدّثَني عليُّ بن أبي طالب ﵁ قال: لمّا أُمِرَ رسولُ الله ﷺ أن يعرضَ نفسَهُ على قبائل العربِ خرجَ وأنا معه وأبو بكر، وكان رجلاً نسّابةً، فسلّم فردّوا السلام، فقال: ممّن القوم؟ قالوا: من ربيعة، قال: أمِن هامتِها أو من لَهازِمِها؟ قالوا: بل من هامتِها العُظْمى، قال: فأيُّ هامتِها العُظمى؟ قالوا: ذُهلٌ الأكبرُ، قال: أفَمنكُم عوْفٌ الذي كان يُقال: لا حُرَّ بوادي عوْفٍ؟ قالوا: لا، قال أفمنكُم بسطامٌ أبو اللواء ومنتهَى الأحياءِ؟ قالوا: لا، قال: أفمنكم الحَوْفَزانُ قاتِلُ الملوكِ وسالبُها أنفسَها؟ قالوا: لا، قال: أفمنكُم المُزدَلِفُ صاحبُ العِمامةِ الفَرْدَةِ؟ قالوا: لا، قال: أفأنْتُم أخوالُ الملوكِ من كِندة؟ قالوا: لا، قال: أفأنتم أصهارُ الملوكِ من لخْمٍ؟ قالوا: لا، قال: فلستُم ذُهْلاً الأكبر، أنتم ذُهْلٌ الأصغر فقام إليه غُلامٌ من بني شيبان يُقال له دَغْفَل حين بقَلَ فقال:

إنّ على سائِلِنا أنْ نسأَلَهْوالعِبءُ لا يُعرَفُ حتّى تحْمِلَهْ

يا هذا، إنّك سألتَنا فلمْ نكْتُمْكَ شيئاً فممّن الرجل؟ قال: من قُريش، فقال: بَخٍ بخٍ، أهلُ الشرفِ والرياسةِ، فمن أيِّ قُريشٍ أنتَ؟ قال من بن تَيْم بنِ مُرّة، قال: أمكنتَ واللهِ الرامي من سواءِ الثُّغرةِ، أفمنكُم قُصيُّ بنُ كلاب الذي به جمعَ اللهُ القبائلَ من فِهْرٍ فكان يُدعى مُجَمِّعاً؟ قال: لا، قال: أفمنكُم هاشم

... الذي هشَم الثّريدَ لقومِهورجال مكة مُسْنِتون عِجافُ
للشاعر عبد الله بن الزبعرى، اقرأ القصيدة

قال: لا، قال: فزمنكُم شَيْبةُ الحَمْدِ مُطْعِمُ طَيْرِ السماءِ الذي كأنّ وجهَهُ قمرُ السماء يُضيءُ ليلَ الظلامِ الدّاجي؟ قال: لا، قال: أفَمِنَ المُفيضينَ بالناس أنت؟ قال: لا، قال: أفمن أهلِ النّدوةِ أنت؟ قال: لا، قال أفمِنْ أهلِ الحجابةِ أنت؟ قال: لا، قال أفمن أهْلِ السِّقايةِ أنت؟ قال: لا، قال: واجتذَبَ أبو بكر ﵁ زمامَ ناقتِهِ ورجَعَ الى رسول الله ﷺ، فقال دَغْفَلٌ:

صادَفَ درْءُ السّيْلِ درْءاً يدفعُهْيهْضِمُهُ بدَفْعِهِ أو يصدَعُهْ

أمَا واللهِ لو ثبَتَّ لأخبرتُكَ أنكَ من زَمَعاتِ قُريشٍ، أوَ ما أنا بدَغْفَل. فتبسّم رسول الله ﷺ، قال عليّ: فقلتُ يا أبا بكر، لقد وقعت من الأعرابي على باقِعَةٍ، قال: أجَلْ! إنّ فوقَ كلِّ طامّةٍ طامّةً والبلاءُ موكّلٌ بالمنطق. وتمامُ الحكايةِ معروفٌ. والأمر كما قال أبو بكر ﵁: إنّ فوقَ كلِّ طامّةٍ طامّةً.

ومن مِثلِ ذلك، شَكا الكُمَيْتُ في قوله:

أنِصْفُ امرئٍ من نصفِ حيٍّ يَسبُّنيلَعمري لقد لاقَيْتُ خَطباً من الخَطْبِ
هنيئاً لكلْبٍ انّ كلباً تسُبُّنيوإنيَ لمْ أرْدُدْ جواباً على كلْبِ
لقد بلغَتْ كلبٌ بسَبّيَ حُظْوَةًكفَتْها قديماتِ الفضائحِ والوَصْبِ
للشاعر الكميت بن زيد، من قصيدة «انصف امرىء من نصف حي يسبني»

يعني أنّ أهلَ الدّناءةِ والضَّعَةِ لا يُقارَضونَ بالقريض مع القدرة والسَّعَةِ، والحلمُ أوْلى ما استعملَه أولو الحزْمِ، والعفوُ لا يكونُ من العالِم إلا في اللُّبابِ الصّفوِ

شِيَمٌ بها اختصّ الوزيرُ محمّدٌوسَما بها قدْراً على الوُزراءِ
فضَلَ الصدورَ صَباحةً وفَصاحةًوسماحةً رجَحَتْ على الكُرَماءِ
وتبوّأ العلياءَ طِفلاً ناشئاًحتّى عَلا فيها على الجوْزاءِ

فالكرمُ من طرائقِه، والشرفُ من خلائقِه، والحِلْمُ من طبائعِهِ، ونحنُ معاشِرَ الأدباءِ من صنائعِه؛ أياديهِ إلَيْنا باديةٌ، وغوادِيهِ علينا رائحةٌ وغاديةٌ، ورَحا آمالِنا لا تدورُ إلا على قُطْبِه، وعلى كلِّ حالٍ نأخذُ من مالِه ومن أدبِه، كم اقتبستُ أدباً من أنوارِ علومِه، والتمستُ أرَباً من نَوّارِ رياضِ حُلومِه، واكتسبت عَرْفاً من أرَجِ ذكْرِهِ، وكسبتُ عُرْفاً من لُجَجِ بحرِه. وإني لمّا لجأْتُ الى ظلِّهِ الوارفِ الظليلِ، واعتصمتُ بطَوْدِ عزِّهِ من الحادِثِ الصّعْبِ الجليلِ، وعُدِدْتُ من زُمْرةِ غاشيتِه، وسَعِدتُ بالانتماءِ الى جُملةِ حاشيتِه، طرَفَ عنّي طرْفَ الحوادِثِ، وكفّ عني كفَّ الكوارِثِ، وملأ قلبي أمْناً، فلم أقْرَعْ بعدَ نظرِهِ إليّ سِنّاً، فشُكْرُ صنائعِهِ لديّ واجبٌ، وسابِغُ مدارعِهِ عليّ من النوائِبِ حاجب:

كم مِنّةٍ وصنيعةٍعندي لمولانا الوزيرِ
شُكري لَها شُكْرُ الرّياضِ الحُوِّ للمُزْنِ المَطيرِ

لا زالتْ دولَتُه مخلَّدةً، ونعمتُهُ مؤبدةً، ورِفْعَتُهُ ممهّدةً، وكلمتُه مسدّدةً، وسلطانُه مُطاعاً، وزمانُهُ نفعاً وانتفاعاً، فلقد أحْيا ميِّتَ الأدبِ بآدابِهِ، وجعلَ الإحسانَ من دَيْدَنِهِ ودابِهِ:

فكلّ ما عنديَ من عندِهالعِلْمُ والإنعامُ والجاهُ
أبى عليَّ الدّهرُ فاضطرّهُالى مُراعاتي وألْجاهُ

وحيث انتهى بِنا الكلامُ الى هذه الغايةِ وأتَيْنا فيما اشْتَرَطْناهُ بالكفايةِ والزيادةِ على الكفايةِ، فقد وجَبَ أن نختِمَ الكتابَ، ونَقْصُرَ الإسهابَ، واللهُ الموفِّقُ للصّواب، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.