من «مطالع البدور ومنازل السرور» للغزولي (ت ٨١٥هـ)
الباب السابع عشر في آنية الراح
الشراب في الزجاج أحسن منه في كل جوهر لا يفقد معه وجه النديم ولا يثقل في اليد ولا يرتفع في السوم وقدور الزجاج أطيب من قدور الحجارة وهي لا تصدأ ولا تندى ولا يتخللها وسخ الغمر وأوساخ الوضر وإن اتسخت فالماء وحده لها جلا ومتى غسلت بالماء عادت جديدة ومن كرع فيه بشرب فكأنما يكرع في إناء وماء وهواء وضياء، وما أحسن رسالة سهل بن هارون يفضل الزجاج على الذهب: الزجاج يحلو نورى والذهب متاع سائر والشراب في الزجاج خير منه في كل معدن ولا يفقد معه وجه النديم ولا يثقل اليد ولا يرفع في السوم واسم الذهب يتطير منه ومن لونه مصيره إلى اللئام وهو فاتن قاتل لمن أصابه وهو أيضا من مصائد إبليس ولذلك قالوا أهلك الرجال الأحمران والزجاج لا يحمل الوضر وهو أشبه شيء بالماء وصفته عجيبة ... وهي رسالة طويلة.
ومن أحسن ما قيل في ذمه قول النظام فإنه أخرجه في كلمتين بأوجز لفظ وأتم معنى فقال سريع إليه الكسر ولا يقبل الجبر.
ذكر الرشيد بن الزبير في كتابه العجائب والظرف أنه وجد المتورد بن ربيعة يوم القادسية إبريق ذهب عليه ياقوت وزبرجد فلم يدر ما هو فلقيه رجل من الفرس فقال أنا أعطيك فيه عشرة آلاف دينار فعرف قيمته فذهب به إلى سعد بن أبي وقاص (فباعه بمائة ألف دينار.
ووجد للوليد بن يزيد بعد مقتله بلور كأعظم ما يكون من الجفان قيل إنها تسع ثلاثمائة رطل ولما وقعت الفتنة بين عازم الدولة رقيب بن علي وبين حاج خراسان بمدينة رسول الله ﷺ في سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة وعازم الدولة يومئذ أمير الموسم ومقدم القافلة المضرية وكانت الهزيمة على الخراسانين فنهبت أموالهم وأتى بعض النهابة إلى عازم الدولة بزبدية فيروزج تسع وزن رطل شامي كأحسن ما يكون من الزباد لا يعلم لها قيمة ودفعها عازم الدولة بعد ذلك إلى الظاهر.
ومن الأشياء النادرة المستظرفة المتجملات في الملابس والمجالس ما ذكره الفقيه الكاتب أبو مروان عبد الملك بن بدرون في شرحه لقصيدة الوزير عبد المجيد بن عبدون في قصة جبلة بن الأيهم الغساني وهو أن جبلة لطم إنسانا من الناس فلما أراد الإمام عمر إقادته منه فر إلى هرقل وتنصر ثم ندم على تنصره فقال:
تنصرت الأشراف من أجل لطمةوما كان فيها لو صبرت لها ضرر
تكنفني منها اللجاج ونحوهفنعت لها العين الصحيحة بالعور
فيا ليت أمي لم تلدني وليتنيرجعت إلى القول الذي قاله عمر
ويا ليتني أرعى المخاض بقفرةوكنت أسيرا في ربيعة أو مضر
ويا ليت لي بالشام أدنى معيشةجالس قومي ذاهب السمع والبصر
ولما تنصر جبلة ولحق بهرقل صاحب القسطنطينية أقطعه هرقل الأموال والضياع والرباع وبقي ما شاء الله ثم إن عمر (بعث إلى هرقل رسولا يدعوه إلى الإسلام أو إلى الجزية فأجاب إلى الجزية فلما أراد الرسول الانصراف قال له هرقل ألقيت ابن عمك هذا الذي عندنا يعنى جبلة الذي أتانا راغبا في ديننا قال ما لقيته قال القه ثم ائتني أعطك جواب كتابك قال الرسول فذهبت إلى باب جبلة فإذا عليه من القهارمة والحجاب والبهجة وكثرة الجموع مثل ما على باب هرقل الرسول فلم أزل أتلطف في الإذن حتى أذن بالدخول فدخلت عليه فرأيته أصهب اللحية ذا سبال وكان عهدي به أسود اللحية فأنكرت عليه فإذا هو قد دعى بسحالة الذهب فذرها على لحيته حتى عادت سوداء وهو قاعد على سرير من قوارير قوائمه أربعة أسود من ذهب فلما عرفني رفعني معه على السرير فجعل يسألني عن المسلمين فذكرت له خيرا قلت قد أضعفوا إضعافا على ما تعرف قال وكيف تركت عمر بن الخطاب قلت بخير حال فرأيت الغم في وجهه لما ذكرت له من سلامة عمر ثم انحدرت عن السرير فقال لم تأب الكرامة التي أكرمناك بها قلت إن رسول الله ﷺ نهى عن هذا قال نعم ﷺ ولكن نق قلبك من الدنس ولا تبال على ما قعدت فلما سمعته يقول ﷺ طمعت فيه فقلت له ويحك يا جبلة ألا تسلم وقد عرفت الإسلام وفضله قال أبعد ما كان مني قلت نعم قد فعل رجل من بني فزارة أكثر مما فعلت ارتد عن الإسلام فضرب وجوه المسلمين بالسيف ثم رجع إلى الإسلام فقبل ذلك منه وخلفته بالمدينة مسلما قال ذرني من هذا إن كنت تضمن لي أن يزوجني عمر ابنته ويوليني الأمر بعده رجعت الإسلام قال فضمنت له التزويج ولم أضمن له الأمر قال ثم أومى إلى خادم كان على رأسه فذهب مسرعا فإذا خادم قد جاء ومعه خدم يحملون الصناديق فيها الطعام فوضعت ونصبت موائد الذهب وصحاف الفضة وقال لي كل فقبضت يدي وقلت إن رسول الله ﷺ نهى عن الأكل في أواني الذهب والفضة فقال نعم ﷺ ولكن نق قلبك وكل فيما أحببت قال فأكل في الذهب وأكلت في الخلنج ثم جيء بطساس الذهب وأباريق الفضة فغسل يده في الذهب وغسلت في الصفر ثم أومى إلى خادم بين يديه فمر مسرعا فسمعت حسا فإذا خدم معهم كراسي مرصعة بالجواهر فوضعت عشرة عن يمينه وعشرة عن شماله ثم جاءت الجواري عليهن تيجان الذهب فقعدن عن يمينه وعن يساره على تلك الكراسي ثم جاءت جارية كأنها الشمس حسناء على رأسها تاج على ذلك التاج طائر لم أر أحسن منه وفي يدها اليمنى جامة فيها مسك فتيت وجامة في يدها اليسرى فيها ماء ورد فأومت تلك الجارية أو صفرت للطائر الذي على تاجها فطار حتى وقع في جامة ماء الورد فاضطرب فيه ثم أومأت إليه أو صفرت فوقع على جامة المسك فتمرغ فيه ثم أومأت إليه فطار حتى نزل على تاج رأس جبلة فلم يزل يرفرف حتى نفض ما عليه في رأسه فضحك جبلة من شدة السرور حتى بدت أنيابه ثم التفت إلى الجواري اللاتي عن يمينه فقال أضحكننا فاندفعن يغنين يخفق عيدانهن:
لله در عصابة نادمتهميوما بحلق في الزمان الأول
يسقون من ماء البريص نديمهمراحا يصفق بالرحيق المسلس
أولاد جفنة حول قبر أبيهمقبر ابن مارية الكريم المفضل
قال فضحك حتى بدت نواجده ثم قال أتدري من يقول هذا قلت لا قال حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ ثم أشار إلى الجواري اللاتي عن يساره فقال لهن أبكيننا فاندفعن يغنين يخفقن عيدانهن ويقلن:
لمن الدار أقفرت بعمانبين أهل اليرموك فالجمان
ذاك مغنى لآل جفنة في الدهرمجلى لحادث الأزمان
قال فبكى حتى سالت دموعه على لحيته فقال أتدري من يقول هذا قلت لا قال حسان ثم أنشد الأبيات التي أولها تنصرت الأشراف ثم سألني عن حسان أحى هو قلت نعم فأمر له بكسوة ولي أيضاً كذلك وأمر بمال لحسان ونوق موقرة ثم قال لي إن وجدته حيا فادفع الهدية إليه وأقرئه عني السلام وإن وجدته ميتا فادفعها إلى أهله وانحر النوق على قبره فلما أخبرت عمر بخبره وما اشترط علي وما ضمنت له قال فهلا ضمنت له الأمر فإذا أفاء الله به قضى الله علينا بحكمه ثم جهزني عمر إلى هرقل ثانياً وأمرني أن أضمن له ما اشترط فلما دخلت القسطنطينية وجدت الناس منصرفين من جنازته قلت إن الشقاء سبق عليه في أم الكتاب.
وذكر الحكيم موفق الدين بن أبي أصيبعة في ترجمة الحكيم سديد الدين بن رقيعة قال ومن شعره وهو مما كتبه على كأس في وسطه طائر على قبة مجوفة إذا قلب الماء في الكأس دار الطائر دورانا سريعا وصفر صفيرا ومن وقف بإزائه الطائر حكم عليه بالشرب فإذا شربه وترك فيه شيئا من الشراب صفر الطائر وكذلك لو شربه في مائة مرة فمتى شرب جميع ما فيه ولم يبق فيه درهم فإن صفيره ينقطع والأبيات هي هذه:
أنا طائر في هيئة الزرزوريمستحسن التكوين والتصوير
فاشرب على نغمي سلاف مدامةصرفا تنير حنادس الديجور
صفراء تلمع في الكئوس كأنهانار الكليم بدت بأعلى الطور
وإذا تخلف في شرابك درهمفي الكأس نم به عليه صفيري
قلت: كتبت هذه الأبيات لغرابة هذا الكأس وأما الشعر فإنه ليس بطائل.
قال الثعالبي في تحفة الأرواح وموائد السرور والأفراح إنه كان في الزمن القديم امرأة في العراق تعمد إلى الصيني الأبيض فتصير منه الشمشي والأسود والسماقي والأخضر حتى لا يشك ناظر في أنه كان كذلك في الأصل وما علم أحد من الرجال سواها في ذلك وأهل الخبرة بهذا النوع إذا وقع في أيديهم شيء من عمل هذه المرأة عرفوه (القول في الكأس المصور) قال أبو نواس:
ودار ندامى عطلوها وأدلجوابها أثر منهم جديد ودارس
مساحب من خز الرقاق على الثرىوإضعاث ريحان جنى ويابس
تدار علينا الراح في عسجديةحبتها بأنواع التصاوير فارس
فنال بها كسرى وفي جنباتهامها قد رمتها بالقسى الفوارس
فللراح ما زرت عليها جيوبهاوللماء ما دارت عليه القلانس
قال الجاحظ وجدنا المعاني تقلب ويؤخذ بعضها من بعض إلا هذا المعنى فإن الحسين ابتدعه.
قلت: وضمن هذه الأبيات الأديب أبو الحسين الجزار تضمنا حسنا أجاد فيه إلى الغاية وهو:
كتبت بها في يوم لهو وهامتيتمارس من أهواله ما يمارس
وعندي صحاب للمجون ترحلتعمائمهم عن هامهم والطيالس
فللماء ما زرت عليه جيوبهموللراح ما دارت عليه القلانس
مساحب من خز الرقاق على القفاوإضغاث انطاع جنى ويابس
وقال أيضاً:
بنينا على كسرى سماء مدامةمكللة حافاتها بنجوم
فلو رد في كسرى ابن ساسان روحهإذا لاصطفاني دون كل نديم
أخذه الباشى فقال:
في كأسها صور تظن لحسنهاعربا برزن من الحجال وغيدا
وإذا المزاج أثارها فتقسمتذهبا ودرّا توأما وفريدا
فكأنهن لبسن ذاك محاسداوجعلن ذا لنحورهن عقودا
وقال ابن المعتز:
وساق يجعل المنديل منهمكان حمائل السيف الطوال
غلالة خده صبغت بوردونون الصدغ معجمة بخال
بدا والصبح تحت الليل بادكطرف أبلق ملقى الجلال
بكأس من زجاج فيه أسدفرائسهن ألباب الرجال
وقال ابن قلاقس (ومولده سنة اثنتين وخمسمائة، ووفاته سنة سبع وستين وخمسمائة):
دارت زجاجتها وفي جنباتهاكسرى أنوشروان في إيوانه
فخلعت عن عطفيه حلة قهوةوشربتها فغدوت في سلطانه
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي رحمه الله تعالى:
ومشمولة قد هام كسرى بكأسهافأضحى ينادي وهو فيها مصور
وقفت لشوقي من وراء زجاجةإلى الدار من فرط الصبابة أنظر
وقال المرحوم فخر الدين بن مكانس رحمه الله تعالى:
إذا ما أدبرت في حشا عسجديةبها كل ذي ملك وتاج تصورا
فحسبك نيلا في السيادة أن ترىنديمك في الكاسات كسرى
قلت: والسبب الموجب لتصويرها ما ذكره الفقيه الكاتب أبو مروان عبد الملك بن بدرون في شرحه لقصيدة الوزير عبد المجيد بن عبدون وهو أن سابور بن هرمز الملقب بذي الأكتاف لما رجع من قتال بني تميم قصد الروم والدخول إلى القسطنطينية متنكرا فاستشار قومه فحذروه التغرير بنفسه فلم يقبل قولهم وسار متنكراً إلى القسطنطينية فصادف وليمة لقيصر قد اجتمع فيها الخاص والعام فدخل في جملتهم وجلس على بعض موائدهم وقد كان قيصر أمر مصورا أتى عسكر سابور فصوره فلما جاء قيصر بالصور أمر بها فصورت على آنية الشراب من الذهب والفضة وأتى بعض من كان على المائدة التي عليها سابور بكأس فنظر بعض الخدام إلى الصورة التي على الكأس وسابور مقابل لها على المائدة فعجب من اتفاق الصورتين وتقارب الشبهين فقام إلى الملك فأخبره فمثل بين يديه فسأله عن خبره فقال أنا من أساورة سابور وهربت منه لأمر خفته فيه فلم يقبلوا ذلك منه وقدم إلى السيف فأقر بنفسه وجعل في جلد بقرة وتمام حكايته إلى أن خلص وعاد إلى ملكه في كتاب سلوان المطاع في السلوانة الثانية منه وهي حكاية غريبة مشتملة على أنواع من الحكم.
وقال صلاح الدين الصفدي ﵀:
كئوس المدام تحث الصفافكن لتصاويرها مبطلا
ودعها سواذج من نقشهافاحسن ما ذهبت بالطلا
وقال زين بن الوردي رحمه الله تعالى:
دع الكأس من من نقشهاوصاف بصاف أحب
إذا ذهبت بالمطلافقد طليت بالذهب
وقال: شمس الدين بن العفيف فيما يكتب على كأس:
أدور لتقبيل الثنايا ولم أزلأجود بنفسي للندامى وأنفاسي
وأكسو أكف الشرب ثوبا مذهبافمن أجل هذا لقبوني بالكاسي
الشيء بالشيء يذكر قال شهاب الدين بن أبي جحلة مضمنا:
يا صاح قد حضر الشراب ومنيتيوحظيت بعد الهجر بالائيناس
وكسى العذار الخد حسنا فاسقنيواجعل حديثك كله في الكأس
وقال إبراهيم بن الحاج الغرناطي (ومولده سنة خمس عشرة وسبعمائة رحمه الله تعالى):
يا رب كأس لم يشح شمولهافاعجب لها جسما بغير مزاجي
لما رأينا السحر من أشكالهاجملا نسبناه إلى الزجاجي
وقال الأديب أبو بكر بن مجير وقد اقترح عليه حسود وصف كأس أسود فقال ارتجالا:
سأشكو إلى الندمان أمر زجاجةتردت بلون حالك اللون أسجم
تصب بها شمس المدامة بيننافتغرب في جنح من الليل مظلم
وتجحد أنوار الحميا بلونهاكقلب حسود جاحد يد منعم
القول في القدح قال القاضي شهاب الدين بن فضل الله في وصفه: تكوّن من جوهر مكنون وتجسد من هواء مظنون واتخذ خدر الآنية العنب وطاف به الساقي فأصبح منه في راحة وهو في تعب قهقه عليه الإبريق فصدح وطار منه شرار المدام فقيل قدح وكتب سيدنا ومولانا بدر الدين محمد بن أبي المخزومي المالكي الشهير بابن الدماميني فسح الله في أجله إلى سيدي الجناب المجدي فضل الله بن مكانس أدام الله عزه وذلك في ربيع الأول سنة خمس وتسعين وسبعمائة وقد تجاسر العبد وتوقا بمكارم الأخلاق المخدومية فأهدى هذا اللغز لينعم مولانا بقبوله ويتفضل بحله عند حلوله فقال ما اسم حبيب إلى النفوس شبيه بالبدر حليف للشموس إن قلب كان لقلبه من العين مكان من المناسبة وإن سقط قلبه مع هذا الفعل كان ضد الأقوال الكاذبة وإن صحف بعد العكس أنبأ عن الذكاء وهذا غاية الشرح وإن غير ثانيا علم ورب الكلام المحرر أنه دال على الطرح حسبناه مع التصحيف آلة للصيد معينة على المكر والكيد إن قلع طرفه كان مزج باقيه قواما وإن عكس كان الطرب بتصحيفه مداما وإن زال أوله كان العكس عتابا المتعاطي إثمه وإن صحف اشتاقت الشفاة إلى تقبيله ولثمه وربما كان الهزل عن تصحيفه الآخر منافيا لاسمه مباينا في الحقيقة لحده ورسمه والمملوك يسأل الصفح عن هذا الهذيان والامتنان بالجواب مع شيء من نظم المقر الصاحبي للوالدي وشيء من نثره ليحلى المملوك بعقوده جيد تذكرته ويتأنس بحسنه الغريب في زمن غربته فكل غريب للغريب نسيب ومدح مولانا أجل من أن يحيطه قلم العبد أو لسانه أو يحصره بيان الأديب أو بنانه ونسأل الله تعالى أن يمتع بقائه ويعلى درجات ارتقائه بمنه وكرمه فكتب الجواب يقبل الأرض التي أطالت بالجفا حرمانه وتداركته بعد إجراء دموعه فعظمت في الحالتين منها شأنه وانتهى إلى اللغز الذي يمتع بمحله ويشرب بقدحه فابتهل شكرا ومالت أعطافه بالقدح الفارغ سكرا فوجده كما قال حبيب إلى النفوس يجتهد في التوصل بماء حاره إلى الرءوس يأتيك بالمعنى اللطيف ويقف حذقك من تصحيفه بعد العكس بين تصحيف وتحريف فحله من ساعته وقابل شمسه المنيرة بذبالته وكتب قرينه لغزا وخالف نفسه إذ قالت لا تتعبني في مجاراة هذا الجواد لذا وقد ذكرته أولا في باب الرياحين وقال القاضي التنوخي رحمه الله تعالى:
وراح من الشمس مخلوقةبدت لك في قدح من نهاري
هواء ولكنه جامدوماء ولكنه غير جاري
إذا ما تأملتها وهي فيهوتأملت نورا محيطا بناري
فهذا النهاية في الابيضاضوهذا النهاية في الاحمرار
كأن المدير لها باليمينإذا قام للسقي أو باليسار
تدرع ثوبا من الياسمينله فردكم من الجلنار
وقال النضير الحمامي رحمه الله تعالى:
أصبحت من أغنى الورىمستبشرا بالقدح
عندي خمر ذهبأكتاله بالقدح
وأنشدني سيدي وأخي تقي الدين أبو بكر حجة الحموي لنفسه مضمنا ﵀:
أرى طير أقداحنا نائحايحوم على عذب ورد القدح
فقلت لدر الحباب اجتهدومد الشباك وصد من سبح
وقال ابن تميم:
يا حسنه قدح يضيء زجاجهليل الهموم إذا ادلهم وعسعسا
أهديته مثل النهار فإن حوىصرف المداد غدا نهارا أشمسا
الإبريق) قال ابن المعتز:
وكأن إبريق المدامة بينناطبي على شرف أناب مدلها
لما استحثه السقاة حثى لهافبكى على قدح النديم وقهقها
وقال إبراهيم بن إسحاق الموصلي رحمة الله عليه:
كأن أباريق المدام لديهمظباء بأعلى الرقمتين قيام
وقد شربوا حتى كأن رقابهممن اللين لم تخلق لهن عظام
صاعد اللغوى:
كأن إبريقنا والراح في فمهطير تناول ياقوتا بمنقار
السرى الرفاء الموصلي رحمة الله عليه:
إبريقنا عاكف على قدحتخاله الأم ترضع الولدا
أو عابدا من بنى المجوس إذاتوهم الكاس سرعة له سجدا
السراج المحار (توفي سنة إحدى عشر وسبعمائة رحمة الله عليه):
يا حبذا شكل إبريق تميل لهمنا القلوب وتصبو نحوه الحدق
يروق لي حين أجلوه ويعجبنيمنه طلاوة ذاك الجسم والعنق
كم قد شربت به ماء الحياة ولنينالني منه لا غص ولا شرق
حتى غدا خجلا مما أقبلهفظل يرشح من أعطافه العرق
الراووق الجوبان القواس رحمه الله تعالى:
ولما حكى الرواق في العين شكلهوقد علق العنقود في سالف الدهر
تذكر عهدا بالكروم فكلهعيون على أيام عهد الصبي تجري
وقال بدر الدين حسن المعزي ﵀:
أعجب ما في مجلس اللهو جرىمن أدمع الرواق لما انسكبت
لم تزل البطة في قهقهةما بيننا تضحك حتى انقلبت
وقال برهان الدين القيراطي ﵀:
باكرت راووقي وبطتي التيقد قهقهت ودم المدامة يسفك
وأضعت مالي فيها حتى غداهذا يصغي لي وهذا يضحك
وقال صدر الدين بن عبد الحق (توفي تقريبا سنة سبعين وسبعمائة):
أسبل الراووق لما صلباأدمعا لكن رأينا عجبا
بينما الراووق يبكي بدمضحك الإبريق حتى انقلبا
وقال سيدي المقر المجدي سلمه الله تعالى وأجاد:
قم واصلب الراووق واشف قلبيمنه وبلغني بذاك سؤلي
واسفك دم الزق وناد هذاجزاء من يلعب بالعقول
وقال محمد بن العفيف في باطية وأجاد:
إنا المجالس والجليس أنيسهأزهى بحسن ناضر للناظر
اصفو فاظهر ما أجن ولم يكنفي باطني شيء يخالف ظاهري
وما ألطف من قال عجلوا:
عجلوا بشرب البواطيفالصواب الصواب نيك الخواطي
كان لأبي الحارث خمسون دنا كان يقول إنه لم يفسد فيه نبيذ قط منذ عشرين سنة فأوصى به عند موته للفضل الرقاشي وقال هذا جزاء له فإنه كان كلما اجتمعنا على أمر قال قم فابدأ به (الأمير صلاح الدين الأربلي) فيما يكتب على طبق تحت أقداح (توفي المذكور سنة سبع وثلاثين وستمائة، ومولده سنة اثنين وسبعين وخمسمائة) رحمة الله عليه:
من فرحتي بالندامى واجتماعهمحولي وقربهم مني وإيناسي
جعلت صفحة خدي تحت أخمص ماقد غادرته الندامى أسفل الكاسي
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع