من «كنز الكتاب ومنتخب الأدب» للبونسي (ت ٦٥١هـ)
فصل (٢)
قال أبو اسحاق: والولوع بالجمال، سجية ركبها الله في الظرفاء، وفطنة خصّ الله بها أهل الفهم والذكاء. وليس
بأريب عندهم من خرج عن حد الهوى. وفي هذا المعنى قال أحدهم:
إذا أنت لم تَعْشَقْ ولم تدْرِ ما الهوىفكُنْ حجراً من يابِسِ الصَّخْر جَلْمَدا
وقال الآخر:
وما الناس إلا العاشِقونَ ذَوُو الهوىولا خيرَ فيمنْ لا يُحبُّ ويعشقُ
وهو مذهب جوهري، ومنهج علي، يخص الله سبحانه به من شاء من عباده، ولا ينكر الميل إلى
الجمال، إلا جاف فدْم. قد عزب عنه الفهم، وعرته من الجهل نوائبه؛ وادلهمت في جوانحه غياهبه.
وقد قال أصحاب النبي ﷺ: إني لأحب الجمال حتى في شراك نعلي.
وفي الحديث (أن الله ﷿ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجمال). وسُمِّي الباري
سبحانه جميلا، لانتفاء النقص عنه. والمعروف عندنا أن الجميل من بني آدم، من له صورة حسنة، تامة الصفات. وحسن الصورة، مبعدٌ للنقص والشين عنها. وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يجعل جميل في هذا الحديث بمعنى
مجمل. كما يقال كريم للرجال المكرم. فكريم بمعنى مكرم. وقيل: إنَّ الحُسْن أول سعادة المرء، ورائد
اليُمْن، وسائق النجح.
وقال رسول الله ﷺ (من أُعْطي حسن خلق وحسن صورة وحسن زوجة فقد أعطي
خير الدنيا والآخرة). وقال ﵇: "اطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه" ونظم هذا بعض الشعراء
فقال:
حُسْنُ ظَنِّي اليكَ أَصْلَحَكَ اللهـ إِذْ قالَ مُفصِحٌ إفْصَاحَا
ودعاني اليك قولُ رسولِ اللهـ دَعَاني فَلا عدمت النَّجاحا
إنْ أردتم حوائِجاً عند قومفتلقوا بها الوجوهَ الصِّباحا
وقال الآخر:
سَلُوا الحاجات أصبحهم وجوهاولا تسلو اللئام وَلا القباحا
وقال الآخر:
حَدَّثَنَا عن خَلَدٍ خَالِدٌوَخَالِدٌ حَدث عن عامرِ
إن رسول الله في مجلسقد قَالَ للبادي وللحاضرِ
إذا أردتم حاجة فاقصدواكل صبيح حسن الناظر
وقال:
لقد صدق الرسولُ وقال حقّاوَخَيْر القول ما قال الرَّسولُ
إذا الحاجاتُ عَزَّتْ فاطلُبُوهاإلى مَنْ وجهُهُ حَسَنٌ جَمِيلُ
وقال ﵇: "ان الله لا يعذب حسان الوجوه سود الحدق". والله تعالى وجل بلطف حكمته،
وشريف صنعته، لم يخلق الصورة مختارة الصفات، سالمة من الشين والآفات، إلا عن فضل منه
كامل؛ وعز شامل. ولا خص أهل الجمال بالصفات السنية؛ والأخلاق الرضية، إلا وقد استوجبوا ذلك
منه. والدليل على ذلك، أن الله ﵎ لم يخلق نبيا قط، إلاَّ وقد بهر أهل زمانه، بسماحته
وحسنه وإحسانه.
والتخلق في سنن الحب بالعفاف، دأب الفضلاء والأشراف، والمنهج الذي سلكه منهم الأتقياء، وأهل
الورع والأولياء.
ورأينا في كتاب (الوشاح) لأبي القاسم المواعيني ﵀: العشق إذا تزين بالعفاف، فهو
معنى شريف.
وقال بعض المفسرين في قول الله ﵎: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) أي من اتقى الله في خُلَّتِه: يعني في صداقته،
فهو خليل وإلا فهو عدوّ.
وجاء عن ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما، أن أهل المعاصي في الدنيا، يعادي بعضهم بعضاً يوم
القيامة.
وفي هذا المعنى، يقول القاضي أبو محمد عبد الوهاب المالكي ﵀: وكُلُّ مَوَدَّة في الله تبقى
على الأيام من سعة وضيق، وكل مودة فيما سواه فكالحلفاء في لهب الحريق.
وقال أبو الحسن التهامي في معناه:
شَيْئانِ ينقَشِعانِ أَوَّلَ وهْلَةٍظِلُّ الشَّبابِ وخُلَّةُ الأَشْرَارِ
وعن أبي الدرداء أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "أَفْضَلُ أَهْلِ
الوَرَع، مَنْ أتَتْه جاريةٌ حسناء، ذات وجهٍ جَميل، وحَسَبٍ كريم، وَرَاوَدَتْه عن نفسه، فقال: إِنِّي أخاف الله رب العالمين".
وقال كعب الاحبار. في بعض ما أنزل الله على موسى ﵇: "إنَّ الشَّاب العَابِد التَّارك شَهْوَتَهُ
من أَجْلِي، أَوْ مِنْ خشيتي، أُبَشِّرُهُ بِكَرامتي، وَعِزَّتي وَجَلالي، لَوْ أقسمَ عَلَيّ أن أزيل له الجبال من
أماكنها لفعلتُ".
وحكى يحي بن عمر أن عبد الرحمان بن القاسم خرج إلى الحج، فبينما هو قاعد بالأَبْوَاء، إذْ أتته
جارية كأحسن ما يكون من الجواري، فجلست اليه، فمدّ يده ليعطيها شيئا، فقالت: لا واللهِ، ما أريد
هذا منك، وإنما أيد منك ما يكون من الرجال إلى المرأة. فأدخل رأسه بين ركبتيه وجعل يبكي، فجاء
أصحابه فوجدوه على تلك الحال، فسألوه فأخبرهم بالقصة، فجعلوا يبكون فقال لهم: وما يُبْكيكُم؟
فقالوا: نبكي لأنّا لو ابْتُلِينا بمثل ما ابْتُلِيتَ به، لم نأمن على أنفسنا الفتنة. فبينما عبد الرحمن ابن
القاسم نائم، اذ رأى في منامه رجلاً حسن الصورة، فقال له: من أنت؟ فقال: أنا يوسف بن يعقوب.
فقال له ابن القاسم: لقد كان شأنك مع امرأة العزيز عجبا. فقال له يوسف ﵇: وأنت شأنك
مع صاحبة الأبواء أعجب، لأني هممت، وأنت لم تهمّ.
قال: وسليمان بن يسار أخا عطاء. اتفق له مثل ما اتفق لابن القاسم رحمة الله عليهما.
وحكى أن أعرابيا عًَشِقَ جارية، ذات حسن وجمال، واشتدّ بها كَلَفُه. فقيل له: ما كنت تصنع بفلانة،
لو ظَفِرْت بها في مكان لا يراكما أحد؟ فقال: كنت، والله، أفعل ما أفعله، بحضور أهلها؛ شكوى
وحديث عذب، واجتناب ما يُسْخِط الرّب. ورحم الله أبا عبد الله نفطويه في قوله:
ليس الظَّريفُ بِكامِل في ظرفهحتّى يكُونَ عن الحَرامِ عَفيفَا
فإذا تَعفَّف عن مَحَارمِ ربّهفَهُناك يُدْعَى في الأَنَامِ ظَريفَا
وقال أيضا:
وَكمْ ظَفِرْتُ بمن أَهْوى فَيَمْنَعُنِيمنه الحياءُ وخوفُ الله والحَذَرُ
وكَمْ خَلَوْتُ بِهِ يوماَ فَيَقْنَعُنِيمنه الفكاهةُ والتّقْبيلُ والنظرُ
أَهْوَى المِلاَحَ وأهْوَى أَنْ أُجالِسَهُمْولَيْسَ لي في حَرَامٍ مِنْهُمُ وَطَرُ
كذلك الحُبُّ لا إِتْيَانُ فَاحشةٍلا خَيْرَ في لذّةٍ من بعدها سقَر
قوله (من بعدها سقر). يعني النار أَعَاذَنا اللهُ مِنْها. وسُمِّيت سَقَر، لشدة
ايلامها. من قولهم: سَقَرَتْهُ الشمسُ تَسْقُرُهُ سَقْراً؛ إذا آلمت دماغه. ومنه السَّقْرُ بالسين والصاد، لشدة ألمه في صيده. والسين
الأصل. والصاد مبدلة منها من أجل القاف. وقرأ زكرياء بن يحى بن عباد في سورة لقمان (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ) بالصاد
من أجل الغين، ولا تنصرف سَقَر للتأنيث والتعريف.
رجع
وحكى عن العتبي أنه قال: سألت عن الظَّرْف. فقيل لي: الظَّرْفُ في أربع: الحياءُ والكرمُ، والعِفَّةُ
والنَّزاهة.
وقال بعضهم: الظَّرْفُ في أربع: كَلَفُ النفس، وسخاء الكَفِّ، وعِفَّةُ الفَرج، وكِتْمانُ السِّر.
وقال بعضهم: الظَّرْفُ في ثلاثة: كَلَفُ النفس، وعفة الفرج، وكتمان السر. وكان أبو حاتم ﵀
يختم القرآن في كل أسبوع، ويتصدّق كل يوم بدينار.
وحكى أبو عمرو البصري، قال: سمعت أبا عثمان الخزاعي يقول لأبي حاتم: كنت البارحة بين
النائم واليقظان، كأني في المحراب، اذ سمعت قائلا يقول:
أَبُو حَاتِمٍ عالِمٌ بالعُلومِوأَهْلُ العلومِ لَهُ كالخَوَلْ
عليكم أبا حاتمٍ إنهله بالقراءةِ عِلْمٌ جَلَلْ
فإن تَفْقدوه فلن تُدركوالَهُ مَا حَيِيتُم بعلمٍ بَدَلْ
فبكى أبو حاتم سروراً بما قال. وفيه يقول أبو عمر والبصري:
إلى مَنْ تَفْزَعُونَ إذا فُجِعْتُمبسهلٍ بعده في كل بابِ
وَمَنْ ترضونه منْ بعد سهلٍإذا أودَى وَغُيِّب في التُّرابِ
وقال مروان بن عبد الملك: سمعت الرياشي، ونحن على قبر أبي حاتم نَتَرحّمُ عليه، وهو يقول:
ذَهَبَ معه بعلم كبير فقال له بمحضر أصحابه: كتبه. فقال العباس: الكتب تودي ما فيها ولكن صدره.
ومع عِلْمِه الفائق، وفِعْلِه الجميل، كان يميلُ إلى أبي العباس محمد بن يزيد المبرد. إذْ كان يَلْزَمُ
حلقته، وهو غلام. وكان أبو العباس وسيماً جميلا، وفيه يقول أبو حاتم، وقد اشتد به هيامه:
ماذا لقيتُ اليومَ منْمتمجِّن خنثِ الكَلاَمْ
وَقَفَ الجمالُ بخدهفَسَمتْ لَهُ حَدَقُ الأنامْ
حَرَكاتُهٌ وسُكُونُهُنَجْني بها ثَمر الأثامْ
وإذا خَلَوْتُ بمثلهِوعزمتُ فيه على اعتزامْ
لم أَعد أَفْعَالَ العَفَافِ وذاكَ وَكْدٌ للغرامْ
نفسي فِداؤك يا أبا العباس حلَّ بكَ اعتصامْ
فارْحَمْ أَخَاكَ فإِنَّهُنَزْرُ الكَرى بادي السَّقَامْ
وَأَنِلْهُ مَا دُون الحَرامِ فليس يرغَبُ في الحرامْ
وحكي أن أبا العباس أحمد بن عمرو بن سُريج الشافعي، وأبا بكر بن داوود القياسي اجتمعا يوماً في
مجلس الوزير أبي الحسن على بن عيسى بن الجراح، فتناظرا في الإيلاء فقال أبو العباس بن سُريج
لأبي بكر بن داوود: أنت بقولك: (مَنْ كَثُرتْ لحظاته، دامَتْ حَسَراتُه) أبصر منك بالكلام في الإيلاء
فقال له أبو بكر: لئن قُلتَ ذلك، فإني أقول:
أُنَزِّهٌ في رَوْضِ المحاسِنِ مُقْلَتيوأمنعُ نفسي أنْ تَنَالَ مُحَرَّما
وأَحْمِلُ مِنْ ثِقْلِ الهوى ما لَوَ انَّهُيُصبُّ على الصّخْر الأَصَمِّ تَهَدَّما
وَيَنطِق طَرْفي عنْ مترجمِ خاطريفلولا اختلاسي رَدَّهُ لَتَكَلَّمَا
رأيت الهوى دعوى من الناس كُلِّهِمْفَلَسْتُ أرى حُبّاً صحيحاً مسلّما
فقال له أبو العباس: لِمَ تفتخر عليَّ؟ لو شئتُ أيضا أنا لقلت:
ومطاعمٍ للشَّهْدِ مِنْ نغَماتِهِقَد بِثُّ أمنعُه لَذيذ سِنَاتِه
صَبّاً بِحُسْنِ حَديثه وكلامهوأكرّرُ اللّحظاتِ في وَجناته
حتى إذا ما الصُّبحُ لاحَ عَمُودُهُولّى بخاتم رَبّه وَبَراتِهِ
فقال أبو بكر: يُحْفَظ عليه ما قال، حتى يقيم شاهِدَيْ عَدْل، على أنه ولى بخاتم ربِّه. فقال له أبو
العباس: يلزمني في ذلك ما يلزمك في قولك:
أُنَزّه في روض المحاسن مُقْلتي
فضحك الوزير أبو الحسن، وقال: لقد جمعتما ظَرفا ولُطفا.
قال: وكان القاضي شريح بن الحارث ﵀ من كبار التابعين والفضلاء، والمتورعين والعلماء
المتقدمين. استقضاه عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب ﵃،
ومعاوية ﵀. فكانت مدة ولايته القضاء ستين سنة. وكان ذا فطنة، وذكاء وعقل، وأعلم الناس
بالقضاء. وكانت زوجه زينب امرأة من بني تميم. وكان يحبها حباً شديداً. فأخذها ذات يوم في شيء
غاظه، وعتب عليها فيه، واشتد احتدامه حتى ضربها بالسوط. فلما عاين حالها ندم على ضربها،
ورقّ لها، وبكى شفقا عليها ثم قال:
رأيت رِجالاً يضربون نِسَاءهُمْفَشُلَّتْ يميني يَوْمَ أضْرِبُزينبَا
أَأَضْرِبُها في غير ذنب أتتْ بهِفما العدلُ مني ضربُ مَنْ ليسَ مُذْنِبَا
فزَينبُ شَمْسٌ والنساءُ كَواكبٌإذا طلَعَتْ لم تُبقِ مِنْهُنَّ كوْكَبَا
وهذا البيت الثالث لفظ النابغة حيث يقول:
أَلَمْ تَرَ أنّ الله أعْطاك سَوْرَةًتَرى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ
بِأنكَ شمسٌ والملوكُ كواكبٌإذا طلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنهنّ كَوْكَبُ
ومن هذا المعنى جرى المثل في قولهم: (السراج لا يضيء بالنهار).
ومنه أخذ إبراهيم بن العباس قوله:
مَا كُنْتُ فيهن إلا كنْتَ واسطةوكُنَّ دُونكَ يُمْناها ويُسْراها
واليه أشار بشار في قوله:
ولكن جواري الحيّ اذ كنتِ فِيهِمُقباحٌ فلمّا غِبْتِ صِرْنَ مِلاحَا
ولبعض شعراء (كندة) في معنى قول النابغة
يمدح عمرو بن هند:
تَكَاد تَمِيدُ الأرضُ بالنّاسِ أنْ رَأَوْالعمرو بن هندٍ غَضْبَةً وَهْوَ عاتب
هُوَ الشّمْسُ وَافَتْ يومَ سعدٍ فَأَفْضَلَتْعلى كُلِّ ضَوْءٍ والملوكُ كواكبُ
وأخذه نصيب فقال:
هو البدرُ والنّاسُ الكواكبُ حَوْلَهوهَلْ تُشْبِهُ البدْرَ المضيء الكواكبُ
وإلى هذا المعنى أشار أبو تمام الطائي في قوله:
وَقالتْ أتَنسَى البَدْرَ قُلْتُ تجلداإذا الشَّمْسُ لم تَغْرُبْ فلا طلع البدْرُ
قال أبو اسحاق:
ولا شك في أنّ الصَّالحين، مالِكُون لِشَهَوَاتِهِم، مُرَاقِبُون الله تعالى في خَلَواتِهِمْ، مُتَيقِّنُون أن الله عز
وجل مُجَازيهمْ على أعمالهم. فلا يخطر نَزْغُ الشيطان ببالهم.
ومن هذا المعنى يقول أحد البلغاء منهم، أظنه نابغة بني شيبان:
إِنَّ من يركب الفواحش سرّاًحين يَخْلو بفعله غير خالي
كيف يخلو وعنده كاتباهشاهداه وربنا ذو الجلال
وقال الآخر:
إذا ما خَلَوْتَ الدهرَ يوماًخَلوتَ ولكنْ قُلْ عَلَيَّ رقيبُ
ولا تَحْسَبَنّ اللهَ يغفل ساعةولا أَن ما يخْفَى عليه يَغيبُ
وقال الآخر في المعنى:
ياراكبَ الذّنب أما تستحيالله في الخُلوة رَائِيكَا
غَرَّكَ منْ ربّك إمهالهوَسَتْرُهُ طول مَسَاويكَا
وقد قال الله في كتابه العزيز المنير (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ). فالعَبْدُ الوَرِع الدَّيَّان، يخاف من عقاب الرحمان، يخشى الله
تعالى في غيبة الناس عنه، أشد من خشيته، إذا شاهدوه وتدانوا منه.
وأثبت هنا من كلامهم في معنى العَفَاف، قطعاَ من النَّظْم السري، واللفظ الأدبي؛ ضَمَّنُوها معنى
العفاف، وأباحوا اللَّثْم والارتشاف، تَعَلُّلاً للنفوس الصَّادِية والمُهَج، ولم يروا في ذلك من بأْسٍ وَلا
حَرَج.
فمنها قطعة للأديب الكامل أبي الوليد بن حزم يقول فيها:
وكَمْ ليلة كادَ المنى يَسْتَفِزُّنيولا رِقْبَةٍ دون الأمَاني ولا سَتْرُ
وفي ساعدي بدرٌ على غُصن بانةٍيَودّ مكاني بين لبّاتِه البَدْرُ
وفي لحْظِهِ كالسُّكْر لا مِنْ مُدَامةٍولولا اعتراضُ الشكِّ قُلتُ هو السكْرُ
وقد سلَبتْهُ الراحُ سَورة كبْرهوَمَالَ على عطفيه وانقطع العُدْر
وبين ضُلُوعي، يعلمُ الله، حَاجةٌطواها عفافي لا كما زعم الغَيْرُ
فَلَمْ يكُ الا ما أباحَ لي التُّقىولم يبق إلا أن يحلّ لي الخمرُ
وقال أبو الوليد أيضا:
وكم ليلةٍ ظافرت في ظلها المنىوقد طَرفَتْ من أعين الرُّقَباءِ
وفي ساعدي حُلْوُ الشَّمائل مترفٌلعوبٌ بِيَأسي تارة ورجائي
أُطارِحُهُ حُلْوَ العتابِ وربماتَغَاضَبَ فاسْتَرضَيته بِبُكَائِي
وفي لحظه من سورة الكأسِ فَتْرَةٌتَمُتُّ إلى ألحاظه بِوَلاءِ
وقد عابَثَتْهُ الرَّاحُ حتَّى رَمَتْ بهلَقى بين ثِنْيَي بُرْدَتِي وَرِدَائِي
على حاجةٍ في النفسِ لو شِئْتُ نِلْتُهَاولكن حمتني عِفَّتِي وَحَيَائِي
وقال أبو الحجاج الرمادي:
ولَيلةٍ راقبتُ فيها الهوىعلى رقيبٍ غير وسْنانِ
والرّاحُ ما تنزل من راحتيوقتاً ومن راحة نُدْمَاني
وَرُبَّ يومٍ قَيْظُه مُنضِجٌكأنه أحشاءُ ظَمآنِ
أَبْرزَ في خدًَّيه لي رَشحَهُطَلاً على وَردٍ وَسَوْسَانِ
وكان في تحليل أَزْرارِهأَقْودَ لي منْ أَلِف شَيْطانِ
فُتِّحت الجنَّةُ من جَيْبهفَبِتّ في دَعوة رِضوانِ
مُرُوَّةٌ في الحبِّ تنهى بأنْيُجَاهَرَ اللَّهُ بعصيان
وقال أيضا:
لَيَالِيَ بِعْتُ العاذلينَ أمانتيبفتكي وَوَلّيْتُ الوشاة آذَانِي
وإذ لي نَدْمَانان سَاقٍ وَقينةرشيقان بالأرواحِ يَمْتزجانِ
أَمدّ الى الطّاوُوس في تارةٍ يديوفي تارَةٍ آوي إلى الورشان
فكُنْتُ أديرُ الكأسَ حتّى أراهمايميلان من سُكْرٍ ويعتدلان
ونفضي إلى نومٍ فإن كُنتَ جاهلاًمكاني فَوُسْطَى العقد كانَ مكاني
فكانا لما في الجسم من رقَّةِ الضَّنَىيكادانِ عند الضَّمِّ يَلتقيان
فَلَو تُبصِرُ المضنى وبدراهُ حَولهُلقُلْتَ السُّها من حَوْله القمران
وما بِيَ فخرٌ بالفُجُور وإنمانَصيبُ فجوري الرشْفُ والشفتان
وما أبدع قول البحتري في هذا المعنى حيث يقول:
بَاتَ نَديماً لي حتّى الصَّبَاحْأغيدَ مجدول مكانِ الوشاحْ
كأنَّما يَضحكُ عَنْ لُؤْلؤٍمنضدٍ أوْ بَرَدٍ أو أَقَاحْ
تَحْسَبُهُ نًَشْوَانَ مَهْمَا رَنَالِلْفَتْر منْ أجفانِهِ وهو صاحْ
بِتُ أفدِّيهِ ولا أرعويلِنهي نَاهٍ عنهُ ولَحْي لاَحْ
أَمْزُجُ كأسي بِجَنَا رِيقِهِوإنما أَمْزُجُ راحاً بِرَاحْ
يُسَاقَطُ الوَرْدُ عَلَيْنا وقدتَبَلَّجَ الصُّبْحَ نسيمُ الرِّياحْ
أغضيتُ عن بعض الذي وقد يُتَّقَىمن حرج في حُبِّه أَو يُباحْ
سِحْرُ العُيُونِ النُّجْلِ مُسْتَهْلِكٌلُبِّي وتَوْرِيدُ الخدود المِلاَحْ
ومثل هذا في الحسن وتضمين المعنى قول أبي جعفر بن الأبار:
عاطيته كأساً كأنَّ سُلافهامِنْ رِيقه المعْسُولِ أووَجَنَاتِه
حتّى إذا ما السُّكْرُ مالَ بِعِطْفهوَعَنَا بِحُكْمِ الوَصْلِ في نشواتِهِ
هَصَرَتْ يَدِي منهُ بِغُصْنٍ ناعملمْ أَجْنِ غَيرَ الحِلِّ منْ ثَمَرَاتِهَ
وأَطَعْتُ سلطانَ العَفافِ تكَرُّماًوالمَرْءُ مجبولٌ على عاداتِهِ
ومثله أيضا قول ابن فرج الجَيَّانِي:
وطائِعةِ الوِصَالِ عَفَفْتُ عَنْهاومَا الشيطانُ فيها بِالمُطَاعِ
بَدَتْ في الليل سافرةً فَهانتْدَياجي اللّيل سافِرةَ القِناعِ
ومَا مِنْ لحظَةٍ إلا وَفيهاإلى فِتَنِ القُلُوبِ لها دَوَاعي
فَمَلكْت الهَوى جمحاتِ شوْقيلأجْريَ في الَعَفَافِ على طِبَاعي
وبِتُّ بِها مَبيتَ السَّقْبِ يَظْمَافَيَمْنَعُه الكَعَامُ عَنِ الرَّضَاعِ
كذاكَ الرَّوْضُ ما فيه لمثليسِوَى نَظرٍ وشمٍّ منْ مَتَاعِ
ولستُ من السُّوائِمِ مُهْمَلاَتٍفأَتَّخِذَ الرِّياضَ منَ المرَاعِي
وفي هذا المعنى الشريف، يقول أبو الحسن الحُصْري الكفيف:
قَالَتْ وَهَبْتكَ مُهْجتي فَخُذْوَدَعِ الفِراش ونَمْ على فَخِذِي
وثَنَتْ إلى مِثْلِ الكَثيبِ يَديفَأَجَبتُها نِعْمَ الأريكةُ ذي
وهَمَمْتُ لكن قال لي أَدَبيبالله منْ شَيْطانِك اتَّعِذِ
قَالَتْ عَفَفْتَ فَعِفْتَ قُلتُ لهامُذْ شِئْتُ بِاللَّذَّاتِ لَمْ أَلُذِ
وفي هذا المعنى يقول الأديب أبو جعفر الأعمى التطيلي من قصيدة له:
فَلَو تراني قد اسْتَسْلَمتُ مُرتَقباًمِنْها حنانَ الرضى أو جَفوةَ الغَضَبِ
حتّى إذا ما ألانَتْ تلك جانبهاوالقلبُ مهما أرُمْ تَسكينَه يَجِبِ
طَفقتُ أَلثمُ كفّيْها وقد جنحتإِليَّ تَضحكُ بين العُجْب والعَجَبِ
ثم افترقنا وقد ساءت حَفائظناإن اجْتَمَعْنا ولم نَأثمْ ولم نحب
لله مِثليَ ما أدنى سَجيتَهمن المعالي وأَنآها من الرِّيَبِ
كَمْ مأثمٍ مُستلذٍ قد هَمَمْتُ بهفلم يَدعني له ديني ولا حَسَبِي
وقد كرّر أبو جعفر هذا المعنى أيضا حيث يقول:
سَرَتْ وَقَدْ وَقَعَ السّاري بجانبهوالشمسُ تَضْربُ دُهْمَ اللّيل بالبلقِ
بَدْرٌ لمُلتَمِسٍ، غُصنٌ لِمُعْتَنِقٍخَمرٌ لمغتَبقٍ، مِسْكٌ لمُنَتِشِقِ
وَأَقْبَلَتْ تَحسبُ الظّلْمَاءَ تَكْتُمهاوقَدْرَمَتْها نُجُومُ الليل بالحَدَقِ
والصُّبْحُ يَقْدَحُ في الظلماءِ نائرةًكأنها نفْثةُ المصدُورِ عنْ حَنَقِ
والشرق يَفْهَقُ والآفاقُ وَاردةٌوأَنْجُمُ الليلِ قد أَيْقَنّ بِالغَرقِ
كأنَّما الروضُ أهْداها وَشِيعَهَافاستصحبت لمةً من طيب العَبَق
تَتَوَّجَتْ بِالدُّجى فَالشَّعْرُ مِنْ غَسَقٍوالخدُّ من شَفَقٍ والثّغر من فَلَقِ
أَلْهُو بِمِسْكِ شَذَاها لا أُحَاوِلُ مَاوَرَاءَ ذاكَ وَلَوْ حَاوَلْتُ لَمْ أُطِقِ
فَبِتُّ أَحْسِبُ أنِّي قَد طرقتُ بِهارَوْضاً شَمَمْتُ لها طيباً ولم أَذُقِ
وعلى هذا الروي أثبت هنا لأبي الحسن بن الزقاق بعض قصيدة له:
زارتك من رقْبةِ الواشي على فَرَقحتى تبدَّى وميضُ المرهَفِ الذَّلِق
فخفّض الجَأشُ منها أن ملك يَدينهر يَغَصُّ به الواشون مِنْ شَرَق
سكَّنتها بعدما جالت مدامِعُهابِمُقْلَتيها فِرنْداً في ظُبا الحَدَقِ
فَأَقبلتْ بينَ صَمْتٍ مِنْ خَلاخِلهاوبين نطق وشاح جَائلٍقَلقِ
وأَرسَلَتْ منْ مُثنَّى فرعِها غَسَقافي ليلةٍ أَرسلتْ فرعاً من الغَسَقِ
تبدو هلالا وَيبْدو حَليُها شُهُباًفما تُفَرِّقُ بين الأَرْضِ والأُفقِ
غازلتُها والدُّجَى الغربيبُ قد خُلعَتْمنهُ على وَجْنتيها حلة الشَّفقِ
حتى تقلص ظلُّ الليل وانفجرتْللْفَجْر فيه يَنَابيع من الفلقِ
فودعت وعيونُ المزنِ تُسعدهعند الفراقِ بِدمعٍ واكفٍ غدق
وقال أبو الحسن أيضا:
مُذْرَقَّ الصُّبْحُ رَاقني الغَسَقُأْحْسَن حَالِي في الدُّجَى الأَرَقُ
قدْ ذَهَبَتْ دولةُ العِتَابِ وَقَدْجاءتْ خُيُولُ الأَعْتابِ تَسْتَبقُ
وأَشْرَقَ الدَّهْرُ حِينَ أَسْفَر مِنْأُمِّ سُلَيْمان خَدّها الشَّرِقُ
جَاريةٌ: بَعضُها، إِذا بَرَزَتْضَوْءُ صَبَاحٍ، وبَعْضُها غَسَقُ
إنْ وَصَلَتْ فالسُّرُور متَّصلٌأَوْ فَارقَتْ فالعَزَاءُ مُفْتَرقُ
مَمْشُوقَةٌ القَدِّ بِتُّ مُعْتَنِقاًلَهَا، وبَعْضُ الغُصُونِ يَعْتَنِقُ
لَمْيَاءُ تَأْسُو ببردِ ريقَتهاما أثرت في فؤادي الحدقُ
أَرشفُ منْها مُقَبِّلاً رَتْلاًكأَنَّ ماءَ الكُرُومِ أَغْتَبِقُ
عَايَنْتُ مِنْ خَصْرِ المهفهف مَاأَخْبَر عنهُ وِشَاحُها القَلِقُ
وَذُقْتُ منْ ثَغْرها المنظم ماحدَّث عنه مِسْواكُها العَبِقُ
تقُولُ لي موهناً وقد عَلِمَتْأَنَّ فؤادي منْ هَجْرهَا فَرِقُ
لا تَخَف الكاشحين إنْ نَطقُوافيك بِمَيْنٍ وَهَبْهُمُ صَدَقُوا
أنت من القلب بالسوادِ فَثِقبِحَبْل مَنْ بِالوُشاةِ لا يَثِقُ
فَبِتُّ أنهى الهمومَ عن خَلَديبِلَثْمِ خَدٍّ كأَنَّهُ شَفَقُ
في جُنْح ليلٍ يكاد يحسدهُفي حسْنِه أَو ضِيَائِه الفَلَقُ
أَطلع بَدْري وَبدر غَيْهبهفاستوت الأرضُ فيه والأفقُ
قوله: راقَني الغَسَقُ أي: أعجبني. تقول: راقني الشيء ويرُوقني روقا: إذا أعجبك.
قال العُتبيّ: ذكر أعرابي امرأة فقال: تَبْسمُ عن حُمْش اللّثات كأَقاح النبات، فالسعيدُ من ذاقه، والشقي
من راقه. أي من أعجبه ولم ينله. وقال ذو الرمة:
وسَاعَفَتُ حَاجَاتِ الغَوَاني وَرَاقنيعَلَى البُخْلِ رَقْرَاقَاتُهُنَّ البلائحُ
وقوله: (لمياء) يريد أن لها لَثّةً لَمْيَاء. واللَّمَى: سُمْرَةٌ تضرب إلى السَّواد،
وليست بحمراء وهي الحُوَّةُ، والحُمَّةُ. ولَثَّةٌ حَوَّاء وحَمَّاء. ويكون اللَّمَى أيضا في الشفتين؛ فإذا كان فيهما فهو سُمْرة تخالطها
حُمْرة. وقال ذو الرمة:
لَمْيَاءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ
وقد شرحنا هذا البيت في مكانه، من الجزء الثاني من هذا المجموع، ونبهنا على معناه البديع.
وقوله:
أَرْشُفُ منها مُقَبَّلاً رَتلاً
يعني؛ فما حسن الثغر مليح الصفة معجبا لمن رآه؛ وإنما يوصف بالرَّتَلِ: الكلامُ السَّهْلُ السَّالمُ من
التَّقْعير، الحَسَنُ التَّأليف. يقال:
تَرتَّلْ في كَلاَمِكَ: أي حُسْنُه وسهله في بيان. وقال امرؤ القيس:
رَاعَتْ فُؤَادكَ إذْ عَرَضْتَ لهابدلالِها وَكَلامِها الرَّتْلِ
وقال أيضا:
مُبَتَّلَةٌ هيْفَاءُ زان حَديثهابَهَاءٌ وَتَأْييدُ الخَطِيب المرتلِ
فاستعار أبو الحسن الرَّتْل للفم؛ إذ الكلام منه يبين.
وقال بعض المتأخرين:
ألا حبَّذا خِلٌّ عزيز وَحَبَّذَاكلامٌ لبِنتِ السَّالمي رَتِيلُ
وقال أبو الحسن أيضا:
وَمِفْتًَانٍ قتولِ الدلِّ ريّايجاذبُ خَصْرَها ردفٌ رداحُ
سرت إذْ نَامَتِ الرقباءُ نحويومسكُ الليل تُمريه الرياحُ
وقد غنى الحلِيُّ على طلاهابوسواسٍ فجاوبه الوشاحُ
يحاذر من عمود الصبح نوراًمخافةً أن يُلِمّ به افتِضَاحُ
فلم أرقبلها والليلُ داجٍصباحاً بات يَذْعَرُه صَبَاحُ
وقال أبو الحسن أيضا ﵀:
دَعَوْتُ وراء السِّجْفِ منها جِدايَةًمَرَاتِعُهافي أضْلُعٍ وَقُلُوبِ
تُمسِّحُ عَنْ أجْفَانِها سِنَةَ الكَرىبِرَاحَةِ فِضيّ البنانِ خضيبِ
فَغَازلتُها والليلُ مُلقٍ جِرانَهإلى أن تَمادى نَجْمُهُ لِغُرُوبِ
ونَازَعتُها شًكْوى ألذّ من الكرىتُسَكِّنُ من لَذْغٍ بنا وَوَجيبِ
فَيَا ليتَ أنَّ النَّسر قُصَّ جَنَاحُهُوًَيَالَيتَ أَنَّ الصُّبحَ غيْرُ قريبٍ
قوله:
دَعوتُ وراء السَّجفِ منها جِدايةً
فالجداية من أولاد الظباء بمنزلة الجدي من أولاد الغنم. يقال للذكر والأنثى جداية. قاله أبو علي،
وأنشد لِعنترة:
وكَأَنَّمَا التفَتَتْ بِجِيدِ جَدَايَةٍرَشأ مِنَ الغِزْلانِ حُرٍّ أَرثَمِ
وقال أبو جعفر بن الأبار:
وَمُنعَّمٍ غَضِّ القطافْعَذْبِ الغروب للارتشافْ
قد صيغَ من دُرِّ الجَمالِ وَصِينَ في صَدَفِ العَفَافْ
وسَقَتْه أنديةُ الشبابِ بمائها حتى أنَافْ
فَتَرَوَّضَتْ منه الرياضُ وسُلِّفَتْ مِنهُ السُّلاَفْ
مَهْما أردتُ وفاقهُيوما تعرّضَ للخِلافْ
لَمَّا تَصَدَّى للصُّدُودِ وَمَالَ نحو الإنحرافْ
هيَّأتُ مِنْ شَرَكي لهفِعل اللِّطافِ مِن الظِّرافْ
فَسَقَيْتُهُ ماءً بهاوأدرتُ صافيةَ بِصَافْ
حتّى تَرنَّحَ مَائلاًكالغُصن مال بِهِ انعِطَافْ
فوردتُ جَنَّةَ نَحْرهوَنَعيمُها داني القِطافْ
وضَممتُ نَاعِمَ قَدِّهِضَمّ المضاف إلى المضافْ
فورِعْتُ في حين الجَنَىوكفَفْتُ عن فرق الكَفافْ
وَعَصِيتُ سلطانَ الهوىوأَطَعتُ سُلطانَ العَفَافْ
وقال أبو جعفر أيضا وأحسن:
لم تدرِ ما خَلَّدَتْ عَيْناكَ في خَلَديمن الغَرامِ وَلا ما كابدْت كبدي
أفديك من زائرٍ رَامَ الدنُوَّ فَلميَسْطِعْهُ من غرق في الدَّمْعِ مُتّقد
خَافَ العُيونَ فوَافاني عًَلَى عًَجَلمُعطّلاَ جيدَهُ إلا مِنَ الغَيَدِ
عاطَيْتُهُ الكأسَ فاستحيتْ مُدامتهامن ذلك الشَّنَبِ المعسولِ والبَرَدِ
حتّى إذا غازلَتْ أجفانَهُ سِنةٌوَصَيَّرَتْهُ يد الصَّهْبَاءِ طَوْعَ يَدي
أردت توسيدهُ خَدِّي وَقَلَّ لهُفقال كفُّكَ عندي أفضلُ الوُسُدِ
فَبَاتًَ في حَرَمٍ لا غَدْرَ يَذْعَرُهُوبِتُّ ظَمآنَ ولم أصدُرْ ولمْ أرِد
بَدرٌ ألَمّ وبدرُ التّمِّ ممتحقٌوالأفق مُحْلَوْلِكُ الأرْجاء من حسد
تَحيّر الليل فيه أين مطلعهأمادرى الليلُ أنَّ البدرَ في عضدي
وتروى هذه القطعة لادريس بن اليماني، وهي لمن كانت منهما، بديعة
متقنة في معناها، رفيعة مزجت من العفاف، بعذوبة وحلاوة، ولاح عليها من الإبداع نضارة وطلاوة.
وقوله في أول القطعة: (ولا ما كابدت كبدي). يقال منه: كَابَدَ يُكابِدُ مُكَابَدَةً. والكَبَد: المشقّةُ والشدة.
قال الله تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ). قال ابن عباس: معناه في شدة من حمله وولادته، ورضاعته ونبت أسنانه، وقيل:
يُكَابِدُ أمر الدنيا والآخرة. وهذا قول قتادة، ومعناه ما ذكرنا. وقال الشاعر:
لَقيتُهُمْ والمنايا غَيْرُ دافِعَةٍلما أمرت به والمُلْتَقَى كَبَدُ
أي شديد، ويقال للخصوم: إنهم لفي كَبَدٍ من أمرهم، وبعضهم يُكَابِدُ بعضا. والرجل يُكَابِدُ الليل، إذا
بات ساهراً مغموما.
قال الشاعر:
أُكَابِدُ هَذا اللّيل حَتَّى كأنماعَلَى نجمه أَلاَّ يَغُورَ يَمِينُ
وتقول: كابَدْت الليل بِكَابِدٍ شديد؛ أي بِمُكَابَدَة شديدة، قال العجاج:
وَلَيْلَةٍ من اللّيالي مَرَّتِكَابَدْتُهَا بكابِدٍ وَجَرَّتِ
وقال لبيد:
عينيّ هَلاَّ بَكيتِ أرْبَدَ إِذْقُمْنَا وقام النِّساءُ في كَبَد
ويروى (وقام الخصوم في كبد) أي؛ في حزن شديد ومشقة. وأنشد الأصمعي لبعض الخوارج:
أَلاَ في اللَّه لاَ في النَّفسِ شالتبِداوُدٍ وأسرته الجُذُوعُ
إِذَا ما اللّيْل أظلمَ كابدوهُفَأَسْفَر عَنْهُمُ وهمُ رُكُوعُ
أطارَ الخوف نومَهم فقامواوأهلُ الأمْنِ في الدنيا هُجُوعُ
وحكى بعض الرواة، قال: خرج ذو الرمة، ومزاحم العقيلي من (الجفر) وأخرجا معهما روايا
لأهلهما، وكانوا (بالدّهْناء). فجن عليهما الليل، فباتا الى رجل من بني عدي، يقال له جزء بن عبد
الله. فلما كان في وسط الليل، أخذ ذو الرمة وجع في بطنه، فمات منه قبل أن يصبح. فخرج
جزء بالروايا حين أصبح، فطرق أهلهما عند العتمة، فنعاه اليهم، فقال مسعود أخو ذو الرمة:
نعى لي جزء ذا الرميمة موْهنافبتُّ بِلَيْل إذْ نَعَاه أكابدُه
ألا سَوفَ أَبْكي ذا الرميمة حِقبةكَمَا لَوْبي الأولى بَكَتْنِي أَوَابِدُهْ
إلى الله أشكو لا إلى النَّاس آننيولَيْلَى كانا موجعٌ مات وَاجِدُهُ
غَصصْتُ بِرِيقي حين جَاءَ نَعِيُّهُوَمَا المَاءُ حتى حَرَّ في الصَّدْرِ بَارِدُه
قول مسعود:
ألا سوف أبكي ذا الرميمة حقبةً
كقول لبيد يخاطب ابنتيه:
إلى الحول ثُمَّ اسمُ السَّلاَمِ عليكماوَمَنْ يَبْكِ حَولا كامِلاً فقد اعْتَذَرْ
وأخذه أبو تمام الطائي فقال:
ظَعَنوا فكان بُكَايَ حَوْلاً بَعْدَهُمثُمَّ ارعَوَيْتُ وذاكَ حُكْمُ لبيدِ
وفي حديث حذيفة بن اليماني فيما روى محمد بن قيس عن عمرو ابن مرة، قال: قال قوم لحذيفة:
إن خيارنا قوم يكابدون هذا الليل؛ فاذا
نعِسَ أحدهم، ربط جوزه إلى سماء البيت، ثم قام يصلي فقال:
حذيفة: قبَّح اللَه قوما أولئك خيارهم. خياركم من لم يترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه. وهذا الذي
قال حذيفة، هو قول النبي ﵇ إلا أنه جاء على التقديم والتأخير.
ومنه قول عبد الله بن عمر (احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لأخراك كأنك تموت غدا).
والحرث والاحتراث؛ اصلاح المال وتثميره. وفي كتاب (الشهاب) للقضاعي: "أصلحوا دنياكم
واعملوا لأخراكم".
وقد نظم أبو القاسم الألبيري في هذا المعنى قوله، حيث يقول:
المالُ ذلٌّ وذُلٌّألا يرَى لكَ مالُ
فاحرصْ كَأنك باقٍفما لِذي الفقْرِ حالُ
واقْنع فإنكَ فانٍغداً فكلٌ مُحالُ
وقوله: (ربط جَوْزه إلى سماء البيت)؛ أي وسطه. جَوْزُ كل شيء وسطه. والجميع أجْواز. قال
الشاعر:
باتَتْ تَنُوشُ الحوض نوشاً من عَلانَوشاً به تقْطع أجْوازَ الفَلاَ
أي أوساطها. والنَّوْشُ: التَّنَاوُلُ.
قال يعقوب: يقال نَاشَ فلانٌ فلانا ليأخذ برأسه، ونَهَشَ إلى فلان ليأخذ برأسه. وهما سواء.
ومثله أيضا: التَْناوُشُ. يقال تَنَاوَشَ القوم: إذا تناول بعضهم بعضا في القتال، وهي المُنَاوَشَة
والمُهَاوَشَة.
في حديث قيس بن عاصم فيما روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عنه قال: "إذا متّ فَغَيِّبُوا قبري
عن بكر بن وائل، فإني كنت أُناوِشُهُم". أو قال (أهاوشهم في الجاهلية) وحقيقة المعنى في الهَوَشِ؛
الفَسادُ والاخْتِلاطُ.
قاله أبو سليمان الخطابي. ومنه هَوشاتُ الشوق. ومن المناوشة، قوله تعالى (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) وقرئ هذا الحرف
بالهمز، ويترك الهمز. قرأه نافع بن أبي عامر اليحصبي، وحفص عن عاصم ويعقوب بن خليفة
الأعشى،
ويعقوب بن اسحاق الحضرمي بغير همز،. جعلوه مشتقا من ناشَ يَنوشُ؛ إذا تناول. قال الشاعر:
كغزلان خذلن لجذع نخلتَنُشْنَ الدَّانِيَاتِ من الغُصُونِ
وقرأه أبو عمرو. وحمزة والكسائي، وأبو بكر بن عياش عن عاصم بالهمز وتحتمل قراءتهم وجهين:
أحدهما: أن يكون من التَّناوُل كالقراءة الأولى. فلما انضمت الواو جاز همزها، كقولهم: أَدْوُرٌ في
جمع دار.
والوجه الثاني: أن يكون معناه: التَّأخُّر والرَّجُوع.
ومن ذلك قول الشاعر:
تَمَنَّى أنْ تَؤُوبَ إِلَيَّ ميّوليسَ إلى تَناوُشِها سبيلُ
أي: إلى رجوعها. وقال الآخر:
تَمَنَّى نئيشاً أن يكونَ أطاعنيوقد حدثتْ بعْدَ الأمورِ أُمورُ
وقرأت في (النوادر) لأبي علي قول أم ضيغم البلوية في معنى العفاف:
وبِتْنا فُوَيْق الحيِّ لا نحنُ منهمولا نحنُ بالأعداء مختلطان
وبتنا يقينا ساقطَ الطَّلِّ والنَّدىمن الليل بُرْدا يُمنة عِطرَانِ
نغذ بذكر الله في ذات بينناإذا كان قلبانا بنا يردان
ونصدر عن زي العفاف وربّمانَقَعْنا غليل النفس بالرَّشَفانِ
وقال سعيد بن حميد:
زائرٌ زارَنا على غير وعدمُخْطَف الكَشْح مُثْقَلُ الأرْدافِ
غالَبَ الخوف حينَ غالبه الشوقُ وأخفى الهوى وليس بخافي
غَضَّ طرفي عنه تُقَى الله واختار على بَذْلِه بقاء التَّصافي
ثم ولّى والخوف قد هزَّ عِطْفيهـ ولم يَخْلُ منْ لِباس العفاف
والشَّريف الرضي ممن أوضح معنى العفاف وبيَّنه، وأبدى سره وأعلنه، حيث يقول من أبيات له:
بِتْنا ضجيعين في ثوبي هوى وتقىيلفنا الشوق من قَرْنٍ إلى قدمِ
وبات بارقُ ذاكَ الثَّغْرِ يُوضِحُ ليمَواقِعَ اللَّثْمِ في داجِ منَ الظُّلَمِ
وباتَت الرِّيح كالغبْرَا تُجاذِبُناعلى الكثِيبِ فُضولَ الرَّيْطِ واللَّمَمِ
وَأَكْتُمُ الصُّبْح عنها وَهْيَ غافلةحتَّى تكلَّمَ عصْفورٌ على علَم
فقُمتُ أنفضُ بُرْداً ما تعلقهغيرُ العفاف وراء الغيْبِ والكَرَمِ
قوله:
وباتَ بارق ذاك الثغر
البيت.
كقوله في قطعة أخرى:
أبكى ويبْسِمُ والدُّجَى ما بينناحتَّى أضاء بِثَغْرِهِ ودُمُوعي
وقوله: (وباتت الريح) البيت، كقول ابن المعتز:
والرِّيح تَجذبُ أطراف الرِّداء كماأَفْضى الشَّفيقُ إلى تنْبيهِ وَسنانِ
وأخذه ابن نباتة فقال:
إذا ما الصُّبْحُ أسْفَرَ نبَّهَتْنيجَنُوبٌ مسَّها مَسَّ الشفيقِ
وأخذ بيت الرضي أبو بكر بن عمار فقال:
بحيثُ اتَّخَذْنا الروضَ جاراً يزورناهداياه في أيدي الرِّياحِ النَّواسِمِ
تُبَلِّغُنا أنْفاسُه فنَرُدُّهابأعْطَرِ أْنْفاسٍ وَأَذْكى لِناسم
تسير الينا ثمَّ عنَّا كأنهاحواسدُ تسعى بيننا بالنَّمائم
وقال بعض المتأخرين:
فاجتنَيْنا من المُنى كلَّ غضٍّووصلنا صَبُوحَنا بالغَبُوقِ
ثُم بِتْنا نُدير كأْسَ الحُمَيَاورِضاباً يُزْري بصرْف الرَّحيقِ
غير أنَّ العَفافَ لم يرضَ خِلاَغيرَ مَصِّ الشفاه والتعنيق
قوله:
وصلنا صبوحنا بالغبوق
فالصَّبوح: شُرْبُ الغداة. والغبوق:
الشُّرْبُ بالعَشِيِّ. وفي نصفِ النَّهَار: القيل. وبين المغرب والعَتَمَةُ الصَّفْحُ والصَّفَحُ بفتح الفاء
وبتسكينها. وفي السَّحَر: الجَاشِرِيَّة. قال الشاعر:
وندّمانٍ يزيد الكأسَ طيباًسَقَيْتُ الجاشريَّة أوْ سَقَاني
وهذا الذي قلنا، حكاه أبو العباس المبرد عن البصريين، وحكاه أيضا أبو العباس ثعلب عن الكوفيين،
قالا: وكلُّ شراب يُشْرَبُ في أي زمان كان فهو الصَّفْحُ. يقال: أتاني فصفَحْتُه أي فسقيته. وأتاني
فأصْفَحْتُهُ؛ أي حرمته وزودته. وسلك هذا المعنى المتقدم بَلَدِيُّنا القاضي أبو الحسن بن لبّال فانطبع فيه
حيث قال:
ومُهَفْهَفٍ عَبَثَ الشَّمولُ بِقَدِّهعبَثَ الفُتُورِِ بِلَحْظِه الوَسْنانِ
عَضَّتْ خَلاخِلُهُ وَجالَ وشاحُهولَوى مَآزِرَهُ على كُثْبانِ
ما كنتُ أحسبُ قبل رُؤية وجْهِهِأنَّ البُدورَ تدورُُ في الأغصان
غازَلْتُهُ حتَّى بَدالي ثَغْرُهُفحسبْتُهُ دُرَّا على مَرْجانِ
كم ليلةٍ عانَقْتُهُ فكَأنماعانقتُ منْ عِطْفَيْهِ غُصْنَ البانِ
يطْغى ويلعبُ تحت عقدِ سواعديكالمُهْرِ يلعبُ حتى ثَنْي عِنانِ
وهذا البيت، مليح المساق، بديع في معنى العناق.
وفي معناه يقول أبو الحسن بن الزقاق:
ومُرْتَجَّةِ الأعطاف أمَّا قوامُهافلَدْنٌ وأمّا رِدْفُها فرداحُ
ألمَّت فبات الليلُ من قِصَرٍ بهايطيرُ وماغيرُ السُّرُور جَناحُ
فبِتُّ وقدْ زارَتْ بأَنْعَمِ ليلةٍتعانقني حتَّى الصَّباح صَباحُ
على عاتقي منْ ساعديْها حَمائلُوفي خصرها من ساعديَّ وِشاحُ
وهو القائل أيضا في المعنى:
وآنسةٍ زارتْ معَ الليلِ مَضْجَعيفعانقتُ غصنَ البانِ منها إلى الفجرِ
أُسائلُها أينَ الوِشاحُ وقد سرَتْمُعَطَّلَةً منه مُعَطَّرة النشْرِ
فقالت وأوْمَتْ للسِّوارِ نَقَلْتُهإلى مِعْصَمي لمَّا تقلْقَلَ في خَصري
وأحسن ما أذكر في معنى العناق، قول الشاعر، قرأته في (النوادر) لأبي علي:
خَلَوتُ فنادَمْتُها ساعَةًعلى مثْلِها يحْسُدُ الحاسِدُ
كَأنَّا وثوبُ الدُّجى مُسْبَلٌعلينا لمُبْصِرِنا واحدُ
أخذ هذا المعنى عبد الله بن المعتز، فقال:
ما أَقْصَرَ الليلَ على الرَّواقِدِوأهْوَنَ السُّقْمَ على العائدِ
يفديكَ ما أبقيتَ من مُهْجتيلسْتُ لِما أوْليتَ بالجاحِدِ
كأنَّني عانقتُ رَيحانةًتنَفَّسَتْ في ليْلها الباردِ
فلَوترانا في قميص الدُّجىحَسبْتَنا منْ جَسَدٍ واحدِ
وقول علي بن الجهم أيضا في المعنى:
سَقَى اللهُ ليلا ضَمَّنا هَجْعةًوأدْنى فُؤاداً من فُؤادٍ مُعَذَّبِ
فبتْنا جميعاً لو تُراقُ زُجاجةٌمن الخمر فيما بَيْنَنَا لم تسَرَّبِ
وقرأت في (النوادر) قول علي بن العباس الرومي في المعنى:
أُعانِقُها والنَّفسُ بعدُ مَشُوقَةٌإليها وهَلْ بعدَ العِنَاق تدانِي
وألثمُ فاها كيْ تموتَ حرارتيفيشتدُّ ما ألْقى منَ الهَيَمانِ
وَلَمْ يَكُ مِقْدَارُ الذي بي من الجوىليشفيَه ما ترشُفُ الشَّفتانِ
كأنَّ فؤادي ليس يَشْفِي غليلهسوى أنْ يرى الرُّوحَيْنِ يَمتزجانِ
وقال القاضي أبو الحسن ﵀:
ألَمَّتْ وما غيرُ الوِشاح وشاحُولا غيرُ أطرافِ الثُّدِيِّ رِماحُ
ولا غيرُ ما فوقَ الروادفِ بانةٌولا غيرُ ما فوقَ الجُيُوبِ صَباحُ
ولا وَرْدَ إلاَّ ما حَوتْ وجناتُهاولا غيرَ منظومِ الثُّغورِ أقاحُ
فبِتْنا وما تحتَ الوِشاحِ مُحَرَّمٌعلينا وما فوقَ الوِشاحِ مُباحُ
وكان القاضي أبو الحسن ﵀ للعلياء سِمَاكاً وسُها، تتيه بمفاخره (شريش) على (حمص)
وَتَزْهَى، وكانت له سجايا أعذب من الرَّشفات، وأحلى من النمير والفرات، مبرأة من السهو، منزهة
من التكبر والزهو.
غذَّته الأصالة بزلالها؛ ورفَّته العفة تحت ظلالها، فرقى من المعالي أعلى هضابها، وبذَّ أتراب الإنابة
وجميع أربابِها، لم تعرف له قط صبوة؛ ولا خطت قدماه في زلة خطوة. أعفّ الناس باطنا وظاهرا؛
وأطهرهم أردانا ومآزرا. حامل فقه وآداب؛ متفننا في اللغات والإعراب. جليل المقدار؛ سليم الإعلان
والإسرار، عدلاً في أحكامه؛ جزًلا في نقضه وإِبرامه. محلّى بالسكينة والوقار؛ معلما بِسِيمَا الأخيار
والأبرار، ملتزماً للتواضع والتأنيس؛ برّا بالرَّائِد والجليس، ومهابة الحال، والصواب في المقال. وليَ
القضاء، وهو كاره لخِطته؛ خائف من وطأته، إبقاء منه على صيانته، وحفظا لديانته. وفي ذلك يقول:
كنت مذ كنت خائفاًأنْ ألِي خُطَّةَ القضا
لم أُرِدْها وإنَّماساقها نَحْوِيَّ القضا
مع أنه كان ﵀ قاصداً قصد المتورعين؛ سالكاً منهج المشرعين، عارفا بالأحكام
وحقائقها؛ حافظا لجلائلها ودقائقها، جاريا في
أحكامه على السنن القويم؛ سالكا لمنهج الشرع المستقيم.
صادق اللهجة؛ ساطع شهاب المقالة والحجة، مشكورا بكل لسان؛ مجيبا إلى كل ناء ودانٍ. تلوح أنوار
البر على أفعاله؛ وَيُقْتَدَى بصالح أعماله. وكان له نَظم كانتظام الجواهر، وابتسام الأزاهر. وله في
ميدان الكلام المطبوع سبْقٌ وظهور، وتصرُّفه في سُهُوله وحُزُونِه مشهور، وقد أثْبَتُّ في هذا
المجموع، ما ترتشفُه الأنفس الصَّادية ماءً نميراً، وتتخذه الآذانُ سميراً، ويملأ القلوب سرورا،
والعيونَ مهجة ونورا.
وله قصائد سلطانيات، ومقاطع إخوانيات، ومزدوجات من النظم والنثر مطبوعات، في أوصاف
شتى ومعانٍ مختلفات. طابَ نشرها، وفاحَ عنبرها. أشهر من الفجر إذا تمكَّن الإسفار، وأنور من
البدر ليلة الإبدار.
فمن ذلك قوله يخاطب بعض إخوانه، وهو الأديب الكاتب أبو الوليد يونس ابن محمد القسطلي:
ياخليليَّ بالرِّكابِ سُحَيراًعَرِّجَا بالجزيرة الخضراءِ
حيث هزَّ الغدِير عِطْفَيْهِمما أفْلَتَتْهُ أناملُ الحصباءِ
وانْبَرَى يستحيلُ بين شواطِيهِ زُلالاً منْ دُرَّةٍ بيضاءِ
ووَشى القطرُ جانبيه فباهَىبأزاهِيره نجومَ السَّماءِ
وانْثَنى مِعْطَفُ القضيبِ اخْتِيَالاًلغناءِ الحَمامةِ الورْقاءِ
وتراءَى أبو الوليد فخرَّتْلِسَنَاهُ كواكبُ الجوزاءِ
ورَقَى رتبةَ الوزارَةِ حتَّىحلَّ تاجاً بِمَفْرِقِ الوزراء
فهنيئا لك الجزيرةُ ماذاحُزْت منه من السَّنا والسَّنَاءِ
فاحفظيه من الحوادث حتَّىتنجلي بيننا وجوهُ اللقاء
وقال أيضا يخاطب الفقيه القاضي ابن أخيل:
سائِلْ بغُرته الهلالَ المُقْمِرَاأَشَذىً تفاوحَ عَرْفُه أم عنْبَرَا
وسَلِ البَرَاعةَ في أنامِلِ كَفِّهِشذْراً يصوغُ بطِرسه أم جَوْهَرَا
أم حالتِ القِرطاسُ كافوراً بهافسرَتْ تَمُجُّ عليه مسكا أذْفَرَا
أم صدْرُ غانيةٍ تمزَّقَ جيبُهافغَدَتْ تحوكُ الوَشْيَ فيه مُصَوَّرا
ولعلَّها رأتِ الوشيجَ لدى الوَغَىفحكتْ لراحته الوشيجَ الأسْمَرا
يامَنْ تََخَيَّلَ من كتابة أخْيَلٍ... تَدَرْهَمَ نوره وتَدَنَّرَا
هلاَّ حسبت به السماء صحيفةًوالليلَ حِبْراً والكواكبَ أسْطُرَا
قاضٍ أتى والحقُّ غُصْنٌ ذابِلٌفسقاه ماء العدْلِ حتَى أثْمَرا
وقال يخاطب الأديب أبا العباس أحمد بن سَيِّد:
يا سيدي والزمانُ يَبْلَىوعَهْدُ وُدِّي لكمْ جَدِيدُ
إنْ فرَّقتْ بيننا اللَّياليفوُدُّكُمْ في الحَشَا عتيدُ
وكتب إلى الحجاج صحبة الفقيه أبي بكر بن عبد الله بن حَبَاسَة الشريشي:
متَى أقولُ وقد كلَّتْ ركائبُنامن السُّرى وارتكاب البيدِ في البُكَرِِ
يانائمين على الأكوارِ ويْحكمْشدُّوا المطي بذكر الله في السَّحَرِ
أما سَمِعْتُم بِحادينا وقد سَجَعتْوُرْقُ الحمائم فوق الأيْك والسَّمُر
هذي البشائِرُ يا حُجّاج قد وجبتْغداً تحطُّونَ بينَ الرُّكْنِ والحجَرِِ
وقال أيضا، وكتب بها إلى حمص، وقد حنَّ إلى أحبَّائه ومَعاهده، في ظلالِ أَمْنِها مع إخوانه
وأصحابه، وزمان جادَ له بالآمال، ولأيَّامهِ غُرَرٌ وحُجُول، تروقُ العيونَ في البُكر والآصال:
سلامٌ على حِمْصٍ وإنْ غيَّر البِلَىمعَاهِدَ منها نِلتُ فيها الأمانيا
وحُقَّ لَهَامِنِّي السَّلامُ لأنَّنيوردتُ بها ماء الشبيبَةِ صافيا
وفي وجَناتِ الدَّهْرِ إذْ ذاكَ رونقٌكما رونَقَ الصَّقْلُ الحُسامَ اليمانيَا
وقال أيضا:
إذا أبْصَرَ المحزونُ أرضَ شُذُونَةٍوحسْنَ محيَّاها أفاقَ منَ الحزْنِِ
كأنَّ على غيَطانِها ومُتُونِهادَبابِيجَ خُضْراً أحْكمتْها يدُ المُزْنِ
مذانِبُ تنْدى في مُرُوجٍ كأنهاعِذَارٌ بِخَدَّيْ ذي جمالٍ وذي حُسْنِ
وفي هذا المعنى، من مدح المواطن، والثناء على مبهج الأقطار الأريضَةِ والأماكن كما يثني على
إخوان المودة والتصافي. قول معاصره ومراسله أبي عبد الله الرصافي، حيث يقول:
كم للصُّدُورِ بِبَرجَهْمن انفِساحِ وفُرْجَهْ
قُطْرٌ عليه ضمانٌمنْ حيثُ ما يُتَوَجَّه
إنْ يَبْسُطِ النَّفْسَ أُنْساًويَمْلإ العينَ بَهّجَهْ
وقول أبي عبد الله الرصافي أيضا:
خَلِيليَّ ما للرِّيحِ قدْ عَبَقَتْ نَشْرَاوما لِرُؤُوسِ الرَّكْبِ قدْ رُنِّحَتْ سُكْرَا
هلِ المسكُ مفتُوقاً بِمَدْرَجَةِ الصَّباأمِ القومُ أجْروا منْ بَلَنسيةٍذِكْرَا
خليليَّ عُوجابي قليلا فإنَّهحديثٌ كبرْدِ الماء في الكبدِ الحرَّى
قِفا غيرَ مَأموريْن ولْتَصْدَيَا بهاعلى ثقةٍ للمُزْنِ فاسْتَسْقيا القَطْرا
بجسر معانٍ والرُّصافة إنَّهُعلى القطْر أنْ يَسْقِيَ الرُّصافة والقُطْرا
بلادي التي ريشَتْ قُوَيْدِمَتي بهافُرَيْخاً وآوَتْني قرارتها وكْراَ
ومنها:
وقالُوا هلِ الفِرْدَوسُ ما قدْ وَصَفْتَهُفقُلْتُ وما الفِرْدَوْسُ في الجنَّة الأخرى
بَلَنْسِيَةٌ تلكَ الزَّبَرجَدَةُ التيتسيلُ عليها كلُّ لُؤْلُؤَةٍ نَهْراَ
هيَ الدُّرَّةُ البيْضاء من حيثُ جِئْتَهاأضاءتْ ومنْ للدُّرِّ أنْ يُشْبِهَ البَدْرَا
خَليليَّ إن أصدر إليها فإنَّهاهِيَ الوَطَنُ المحبُوبُ أوْ طَنْتها الصَّدْراَ
ولَمْ أطْوِ عنها الخَطْوَ هجراً لها إذَنْفلا لثَمَتْ نعْلي مناكِبَها الخَضْرا
ولكنَّ إجْلالاً لِتُربتها التيتضُمُّ فتاها النَّدْبَ أوْ كَهْلَها الحرَّا
أكارِمُ عاثَ الدَّهْرُ ما شاءَ فيهِمُفبادَتْ لياليهم فهل أشتكي الدَّهْرا
تقَضَّوْا فمن نجمٍ هُنالك ساقطٍأَبى الله أنْ يرْعى السًّمَاكَ أو النَّسْرا
والقصيد كبير. وقد أثبت منه ما فيه منشرح للصدر.
وقال أبو عبد الله أيضا:
ولا كالرصافة من منزلٍسقتها الغمائمُ صوْبَ الولِي
أحنُّ إليها ومن لي بهاوأين السريُّ من المَوْصلِ
وفي بلنسية يقول الكاتب أبو نصر مثنياً عليها ومتشوقا إليها:
سَقى الله عهْداً سالفاً ومودعاًأسالَ فُؤادي في المحاجِر أدْمُعَا
وحَادَكَ يا روضاً من المُزْنِ واكفاًلِتُبْصِرَ عيني منْ نَبَاتكَ مُمْرِعَا
وخَصَّ بسُقْياهُ بلنسيةَ المُنىوحيَّى مُراداً للأماني ومُرْبِعا
معاهدُ عادتْ للجَنائِب ملعباًوكانتْ مَقيلاً للسُّرورِ ومربعا
زَمَانٌ بنو عبد العزيز وُلاتُهاوُجُودُهُمْ يحكي السَّحائبَ هُمََّّعا
وقد أرجت منهم وطاب نَسيمهاكأنَّ فتيق المسك عنهم تَضوَّعا
وقدْ كانَ هذا القَطْرُ أزْهَرَ مبْهَجاًترى الزَّهْر في بَطْحائه متضلعا
فعادَ ذراهُ مُوحشاً بعدَ أُنْسِهِوأَصْبَحَ منْهُمْ خاليَ الرَّبْع بلْقعَا
أطافَ بِهِمْ صرْف الزّمانِ فوَدَّعُوافلا مجْدَ إلاَّ قدْ تَوَلَّى وودَّعا
بكيتُ لهم حتَّى القيامة حسرةًوحُقَّ لعيْني أنْ تفيضَ وتَهْمَعا
وقد كمل هذا الغرض في الجزء الثاني من هذا الكتاب ويا بعد ما بينه وبين قول أبي تمام ذي
الاصابة والصواب، في قصيدته الثائية التي ذم في آخرها المنازل المالكية، حيث يقول:
والمالكيةُ لم تكُنْ لي منزلاًفمقابِر اللَّذاتِ منْ قُبْراثَا
لمْ آتِها منْ أيِّ وجه جِئتُهاإلاَّ حَسِبْتُ بُيُوتَها أجْداثا
بَلَدُ الفلاحةِ لو أتاها جرْوَلٌأعني الحطيئة لاغْتدى حرَّاثا
تصدَى لها الأذهان بعد صقالهاوتَرُد ذكْرَانَ العُقُول إناثا
أرضٌ خلعْتُ اللهو خَلْعي خاتَميفيما وطلَّقْتُ السُّرُورَ ثلاثا
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (٢٠٠٤م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع