من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
وقال (٨)
فى قصيدة أولها [ضمان على عينىّ سقى ديارك]
ضمان على عينىّ سقى دياركوإن لم تكونى تعلمين بذلك
لنا إبل ملء الفضاء كأنّماحملن التّلاع الحوّ فوق الحوارك
ولكن إذا أغبرّ الزّمان تزوّجتفجادت عليه بالعروق السّوافك
وما العيش إلّا مدّة سوف تنقضىوما المال إلّا هالك عند هالك
وقال
تعاهدتك العهاد يا طللخبّر عن الظّاعنين ما فعلوا
فقال لم أدر غير أنّهمصاح غراب بالبين فاحتملوا
[لا طال ليلى ولا نهارى منيسكننى أو يردّهم قفل]
ولا تحلّيت بالرّياض وبالنّور ومغناى منهم عطل
علىّ هذا فما عليك لهمقلت زفير ودمعة همل
[وأنّنى مقفل الضّمائر منحبّ سواهم ما حنّت الابل
فقال هلّا تبعتهم أبداإن نزلوا منزلا وإن رحلوا
هيهات إنّ المحبّ ليس لههمّ بغير الهوى ولا شغل
تركت أيدى النّوى تعودهموجئتنى عن حديثهم تسل؟
فقلت للرّكب لا قرار لنامن دون سلمى وإن أبى العذل]
ولم يزل يخبط الفلاة بأخفاف المطايا والظّلّ معتدل
[كأنّما طار تحتنا قزععلى أكفّ الرّياح ينتقل
يغرى بطون النّقا النّقىّ كمايطعن بين الجوانح الأسل]
حتّى تبدّت فى الفجر ظعنهموسائق الصّبح بالدّجى عجل
وفوقهنّ البدور تحجبهاهوادج تحتّ رقمها الكلل
[فلم يكن بيننا سوى الّلحظ والدمع كلام لنا ولا رسل]
هذا لهذا فما لذى إحنيدسّ لى كيده ويختتل
وإن حضرت النّدىّ وكّل بىلحظا بنبل الشّحناء ينتضل
يا ويله من وثوب [مفترس]ربّ فراغ من تحته عمل
استبق حلمى لا تفنه سرفافبعد حلمى لأمّك الهبل
ليتك قربى إذا تلاحق نفعان وأبدى أنيابه الأجل
وقد تردّيت بابن صاعقةأخضر ما فى غرابه فلل
كم من عداة أبارهم غضبىفلم أقل أين هم وما فعلوا
وقال
إذا أنا لم أجز الزّمان بمثلهتقلّب منّى الدّهر فى جانب سهل
عرمت فما أعطى الحوادث طاعةوليس يطيع الحادثات فتى مثلى
وقال
سقيا لأيّام مضت قلائلإذا أنافى عذر الشّباب الجاهل
ولمّتى مصقولة السّلاسلأحكم فى غرّات دهر غافل
يقصر بالحقّ عنان الباطلووعظ الدّهر بشيب شامل
وشكّنى بأسهم قواتلصوائب تهتزّ فى المقاتل
أفلست من ذاك الزّمان الزّائلإلّا بطول الذّكر والبلابل
لست أرى فريسة لآكلبل سيّدا من سادة القبائل
منفردا بحسب ونائلوعالما يكثر غيظ الجاهل
وقال
فى اليأس لى عزّ كفانى ذلّىيشركنى فى القوت كلّ خلّ
والسّيف راعى إبلى فى المحليسلمها إلى قدور تغلى
ترقل فيها بالوقود الجزلإرقالها فى السّير تحت الرّحل
رأبت بالجود عيون البخل
وقال
أهاجك أم لا بالدّويرة منزلتجدّ هبوب الرّيح منه وتهزل
قضيت زمام الشّوق فى عرصاتهبدمع مخلّى فوق وجدى يهطل
وبالقصر إذ خاط الخلىّ جفونهعنانى برق بالرّحيل مسلسل
فلله أسباب الهوى كيف تنقضىولله رجعات الهوى كيف تقبل
وقد أشهد الغارات والموت حاكميجور بأطراف الرّماح ويعدل
وخيل طواها القود حتّى كأنّهاأنابيب شمس من قنا الخطّ ذبّل
صببنا عليها ظالمين سياطنافطارت بها أيد سراع وأرجل
وكلّ الّذى سرّ الفتى قد أصبتهوساعدنى فيه أخير وأوّل
فمن أىّ شىء جازك اللّوم أتّقىعلى مهجتى أو أىّ شىء أؤمّل
وقال
ألم تحزن على الرّبع المحيلوآثار وأطلال نحول
عفته الرّيح بعدك كلّ يوموجالت فيه أفراس السّيول
وماء دارس الآثار خالكدمع حار فى جفن كحيل
طرقت بيعملات ناجياتوأفق الصّبح أدهم ذو حجول
أبيت فلم أنم ثأرا لعجزولم أغلب على العفو الجميل
ومال قد حللت العقد عنهإذا انعقدت به نفس البخيل
وقال
لنا عزمة صمّاء لا تسمع الرّقىتبيت أنوف العاذلين على رغم
وإنّا لنعطى الحقّ من غير حاكمعلينا ولو شئنا لنمنا على الظّلم
وقال
طال ليلى وساورتنى الهموموكأنّى لكلّ نجم غريم
ساهرا هاجرا لنومى حتّىلاح تحت الظّلام فجر سقيم
دام كرّ النّهار واللّيل محثوثين ذا منبه وهذا منيم
وبخيل وذو سخاء ولولالؤم هذا ماقيل هذا كريم
ورحى تحتنا وأخرى عليناكلّ من فيها طحين هشيم
فترى صنعة تخبّر عن خالقنا أنّه لطيف حكيم
كيف نومى وقد حللت ببغداد مقيما بأرضها لا أريم
ببلاد فيها الرّكايا عليهنّ أكاليل من بعوض تحوم
جوفها فى الشّتاء والصّيف والفضل دخان وماؤها مخموم
ليس دار الملك الّتى تنفح المسك إذا ما جرى عليه النّسيم
وكأنّ الرّبيع فيها إذا نوّر وشى أو جوهر منظوم
طرفاها برّ وبحر ويجنى الورد فيها وللشّيح والقيصوم
نحن كنّا سكّانها فانقضى ذاك وبنّا وأىّ شىء يدوم
أنا من تعلمون أسهر للمجد إذا غطّ فى الفراش اللّئيم
يا بنى عمّنا إلى كم وحتّىليس ما تفعلونه يستقيم
وعزيز علىّ أن يصبغ الأرض دم منكم علىّ كريم
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع