من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
أبيات معان في الجد والغنى والفقر
قال كعب بن زهير:
لعمرك لولا رحمة الله أننيلأمطو بجد ما يزيد ليرفعا
فلو كنت حوتاً ركض الماء فوقهولو كنت يربوعاً سرى ثم قصعا
يشكو جده، أمطو أمد، يقول لو كنت حوتاً لرسبت من ضعف
بختي وقصع دخل في قاصعاته.
إذا ما نتجنا أربعاً عام كفأةبغاها خنا سيرا فأهلك أربعا
نتجنا أربعاً يعني أربع نوق، وقال أبو عمرو: نتج فلان إبله كفأة وكفأة إذا فرقها فرقتين فضرب إحداهما الفحل سنة والأخرى سنة، خناسير أي دواهي فأهلك العام الأربع.
إذا قلت إني في بلاد مضلةأبي أن ممسانا ومصبحنا معا
يقول إذا قلت إني في بلاد مضلة من جدي أبي ممسانا ومصبحنا إلا أن نكون معاً فلا يفاقني ولا أفارقه. وقال الراعي يرثي:
أحاربن عبد للدموع البوادروللجد أمسى عطفه في الجبائر
الجبائر ما يشد على الكسر من الخشب. وقال زهير:
والجد من خير ما أعانك إنوصلت إن الجدود تهتصر
من هصرت أي ثنيت وأملت، يقول ربما كان الجد لغيرك ثم تولي عنه فيصير لك، ويبين ذلك قوله بعد هذا البيت:
قد يقتني المرء بعد عيلتهيعيل بعد الغنى ويفتقر
أنشد الرياشي عن الأصمعي:
نمى ما لهم فوق الوصوم فأصبحواأبارق مال والوصوم كما هيا
الوصوم العيوب، أبارق مال أي جبال. وقال الراعي:
وخادع المجد أقوام ورقراح العضاه به والعرق مدخول
خادعوه لم يصدقوا قوله في المجد ولهم شيء من مال ظاهر علسهم كالعضاه تروح فتفطر بشيء من الورق، والعرق فاسد أي ليس باطنهم بجيد. وقال آخر:
وأكرم كريماً أن أتاك لحاجةلعاقبة إن العضاه تروح
يقال تروح الشجر وقد راح إذا تفطر، أي فهذا وإن كان فقيراً فسيستغني. وقال آخر مثله والشعر لغريض اليهودي:
ارفع ضعيفك لا يحربك ضعفهيوماً فتدركه العواق قد نمى
لا يحر لا يرجع وجزم لأنه جواب الأمر أي لا يصر ضعفه إليك فتدركه العواقب قد نمي أو ارتفع. ومثله للأضبط بن قريع:
لا تهين الفقير علك أنتركع يوماً والدهر قد رفعه
لا تهين أراد النون الخفيفة إلا أنه وصل الحرف بغيره فذهب، تركع تسقط وتضعف ويرتفع هو. وقال آخر:
لا تحرم المرء الكريم فإنهأخوك ولا تدري لعنك سائله
يقال لعني ولعنني، ولعلي ولعلني، وعلي وعني، وأنشد:
قلت لشيبان لعنك منهم
وقال آخر: الأشعر الرقبان الأسدي:
بحسبك في القوم أن يعلموابأنك فيهم غني مضر
أي عليك ضرة من المال وهو الكثير قال أبو زيد: يقال إن فلاناً لفي ضرة من مال يعتمد عليه وذلك إذا اعتمد على مال غيره من أقاربه فتلك الضرة. وقال الشماخ:
نبئت أن ربيعاً أن رعى إبلاًيهدي إلي خناه ثاني الجيد
أي صارت له إبل يرعاها أراد أن استغني واستطال بذلك، ثاني الجيد أي رخي البال غير مكترث. وقال آخر:
فما أخذا الديوان حتى تصعلكازماناً وحت الأشبهان غناهما
الأشبهان عامان أبيضان، سنة شهباء بيضاء ليس فيها خضرة ولا كلأ. وقال آخر:
لما غدوت خلق الثيابأحمل عدلين من التراب
لعوزم وصبية سغاب
يعني اللثى وهو كالعسل يسيل من الشجر فيحمله المحتاج ثم
يصفيه ويأكله، وأنشد:
إذا عارعين الفحل لم ير أهلهبأهل ولم يقنع سويد بأربع
كانوا إذا بلغت إبل أحدهم ألفاً فقأ عين الفحل فإن بلغت ألفين فقأ العين الأخرى فذلك المفقئ والمعمي وكانوا يزعمون أن ذلك يطرد عنها العين والسواف والغارة، يقول فهذا لما كثر ماله تكبر على أهله واستصغرهم ولم يقنع بأربع نسوة. وقال آخر:
إن كنت ذا نخل وزرع وهجمةفإني أنا المثري المضيع المسود
المضيع الذي........
وقال آخر:
الفقر يزري بأقوام ذوي حسبوقد يسود غير السيد المال
ويقال في المثل لا تسأل بمصارع قوم ذهبت أموالهم، أي يموت واحد هاهنا وآخر هاهنا.
وقال آخر:
رمي الفقر بالأقوام حتى كأنهمبأطرار آفاق البلاد نجوم
وقال آخر:
يقيم الرجال الأغنياء بأرضهموترمي النوى بالمقترين المراميا
قال أوس بن حجر أو غيره:
من يك مثلي ذا عيال ومقترامن المال يطرح نفسه كل مطرح
ليبلي عذراً أو ليبلغ حاجةًومبلغ نفس عذرها مثل منجح
وقال آخر:
تركناهم ضياكلة أيامييسوقون النعاج إذا أراحوا
الضيكل العريان، والأيم الذي لا امرأة له، يسوقون النعاج أي لا إبل لهم لأنا أخذناها.
وقال آخر من هذيل مالك بن خالد:
وجزال لمولاه إذا ماأتاه عائلاً قرع المراح
جزال يجزل له أي يقطع قطعة من ماله فيهبها له، عائلاً فقيراً، والمراح حيث تأوي الإبل إذا انصرفت من المرعى، يقول ليس له إبل فمراحه قرع. ومثله قول آخر منهم وهو مالك بن الحارث:
فلوموا ما بدا لكن فإنيسأعتبكم إذا اتسع المراح
يقول ذلك لقوم لاموه على كثرة الغزو، يقول إذا انفسخ مراحي لكثرة إبلي كففت عن الغزو. وقال الشماخ:
لمال المرء يصلحه فيغنيمفاقرة أعف من القنوع
يسد به نوائب تعتريهمن الأيام كالنهل الشروع
القنوع المسألة، قال الله ﷿: " وأطعموا القانع والمعتر " والقناعة الرضا، نوائبه حقوق تغشاه كما تغشى الإبل النواهل الماء وهي عطاش. وقال آخر:
ما للفقير والغني طاقهمن صدقات قومه بناقه
الغني هاهنا تتميم. وقال رؤبة:
وهي ترى ذا حاجة مؤتضا
أي مضطراً يقال اضطرني إليك أمر، وائتضني وأضني سواء
فهو يؤضني وأجاءني مثله. وقال طرفة:
أتذكرون إذ نقاتلكملا يضر معدماً عدمه
يقول نقاتلكم منا الغني الذي يدفع عن ماله والفقير الذي لا مال له. وقال النمر بن تولب:
هلا سألت بعاد ياء وبيتهوالخل والخمر الذي لم يمنع
كانوا كأنعم من رأيت فأصبحوايلوون زاد الراكب المتمتع
الخل والخمر الخير والشر، يقال ما عند فلان خل ولا خمر أي ليس عنده خير ولا شر، لم يمنع أي أبيحت، يلوون أي يتعذر عليهم والأصل في اللي المطل والمنع، والمتمتع الذي يطلب زاد يوم أي متعة يوم أي أنهم افتقروا. وقال ساعدة يصف فقيراً:
صفر المباءة ذي هرسين منعجفإذا نظرت إليه قلت قد فرجا
أي خالي مبارك الإبل، هرسين خلقين ويروي: درسين، منعجف مهزول، فرج فتح فاه للموت. وقال آخر:
إذا قربت للسوق خلف بعضهاكما خلفت يوم العداد الروادف
العداد يقول إذا عادهم قوم فجاودوا للعطاء، خلفت الروادف وهم الأتباع الذي يجيئون رادفة أي ليس لهم ديوان.
وقال الفرزدق:
فلا تقبلوا منهم أباعر تشترىبوكس ولا سود تضج فسولها
سودا أي دراهم رديئة، فسولها رديئها، وقال أعرابي:
يا رب أوجدني صؤاباً حياًفما أرى الطيار يغني شيئا
أراد مثل الصؤاب من الذهب، والطيار ما طارت به الريح من دقيق الذهب. وقال آخر وكان يعمل في معدن:
إذا أكلت درهماً في يومينولم أصب غير صؤابين اثنين
كلاهما يصغر أن يقذي العينفأت حنيناً فاستعره خفين
هذا مثل: رجع بخفي حنين. وقال النابغة الجعدي:
وأبح جندي وثاقبةسبك كثاقبة من الجمر
وجديد حر الوجه حودث بالمثقال خبء خوالد الدهر
جندي يعني درهماً من ضرب أجناد الشأم، ثاقبة مضيئة يعني سبائك الذهب، وقوله: خوالد الدهر يعني الأيام، وأنشد ابن الأعرابي:
المال يغشى رجالاً ططباح بهمكالسيل يغشى أصول الدندن البالي
يريد الخشب العفن، وقال آخر المعلوط القريعي:
فليس الغنى والفقر من حيلة الفتىولكن أحاظ قسمت وجدود
أحاظ جمع حظ وهو البخت والجد أيضاً.
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع