من «المعاني الكبير في أبيات المعاني» لابن قتيبة (ت ٢٧٦هـ)
أبيات في ذكر النار
قال أعرابي وذكر إبلاء:
لها بدن عاس ودر كريمةبمكتفل الاري بين الصرائم
عاس قد غلظ وعسا، ونار كريمة أي تضيء للأضياف، مكتفل أي حيث تناخ منه الآرق هو المحبس، والصرائم قطع من الرمل في الأرض.
وقال آخر " عمرو بن قعاس المرادي ":
وبرك قد أثرت بمشرفيإذا ما زل عن عقر رميت
وعارية لها رهج طويلرددت بمضغة مما اشتهيت
يقول إذا لم يعقر السيف رميت بالسهم، والعارية النار لأنها لا تكسي شيئاً إلا أكلته، ورهجها دخانها شبهه بالغبار، رددت بمضعة يقول كففتها بلقمة لحم كببت عليها.
وقال آخر " وهو كعب بن زهير ":
ونار قبيل الليل بادرت قدحهاحيا النار قد أوقدتها للمسافر
هذا رجل خائف يقول أوقدت النار نهاراً لأنها ترى بالليل ولا ترى بالنهار.
وقال ابن مقبل وذكر ناقة:
فبعثتها تقص المقاصر بعدماكربت حياة النار للمتنور
تقص تدق وتكسر، والمقاصر محاضر الطرق الواحد مقصر، ويقال المقاصر أفواه الطرق، وكربت دنت، وحياة النار تبينها إذا أوقدت وإنما أراد حين ذهب النهار وجاء الليل لأنها تخفي بالنهار
وتحيا بالليل والظلمة وتضيء، يقول بعثتها عند المغرب، والمتنور الذي ينظر إلى النار من بعيد، وقال ابن حلزة:
فتنورت نارها من بعيد
وقال آخر:
ودوية لا يثقب النار سفرهاوتضحي بها الوجناء وهي لهيد
أي لا يوقدون نارا من مخافتهم ولكنهم يتبلغون بأدنى شيء، وقد فسر، واللهيد التي ضغطها الحمل حتى اشتكت لحم صدرها، وقال ابن أحمر يصف بقرة:
تطايح الطل عن أعطافها صعداكما تطاير عن مأموسة الشرر
مأموسة النار هاهنا، وخبزة الملة مأموسة أيضاً.
وقال آخر في وصف قناة:
ثقفها بسكن وأدهان
أي قوم أودها بالنار والدهن والسكن النار، وأنشد:
وسكن توقد في مظله
وقال آخر:
وجمة أقوام حملت ولم تكنلتوقد ناراً بعدهم للتندم
الجمة الجماعة يمشون في الدم والصلح.
وقال شاعر يذكر إبلاً:
تقسم في الحق وتعطي في الجمم
وقوله ولم تكن لتوقد ناراً كانوا يوقدون ناراً خلف المسافر والزائر اللذين لا يحبون رجوعهما، ويقال في الدعا أبعده الله وأسحقه وأوقد ناراً أثره، يقول لم تندم على الإعطاء في الحمالة لتوقد ناراً خلفهم كيلا يعودوا.
وقال بشار في مثل هذا
صحوت وأوقدت للجهل ناراًورد عليك الصبا ما استعار
وقال عمرو " بن كلثوم ":
ونحن غداة أوقد في خزازيرفدنا فوق رفد الرافدينا
كانوا إذا أرادوا حرباً أو توقعوا جيشاً عظيماً وأرادوا الاجتماع أوقدوا ليلاً على جبل لتجتمع إليهم عشائرهم فإذا جدوا وأعجلوا أوقدوا نارين. وقال الفرزدق:
ضربوا الصنائع والملوك وأوقدوانارين أشرفتا على النيران
وقال أوس:
إذا استقبلته الشمس صد بوجههكما صد عن نار المهول حالف
كانوا يحلفون بالنار وكانت لهم نار يقال أنها كانت بأشراف اليمن له سدنة فإذا تفاقم الأمر بين القوم فحلف بها انقطع بينهم وكان اسمها هولة والمهولة وكان سادنها إذا أتى برجل هيبه من الحلف بها ولها قيم يطرح فيها الملح والكبريت فإذا وقع فيها استشاطت وتنقضت فيقول هذه النار قد تهددتك. فإن كان قريباً نكل وإن كان بريئاً حلف.
قال الكميت:
هم خوفونا بالعمى هوة الردىكما شب نار الحالفين المهول
وقال الكميت وذكر امرأة:
فقد صرت عمالها بالمشيب زوالاً لديها هو الأزول
كهولة ما أوقد المحلفونلدي الحالفين وما هولوا
يقول صرت في أعين النساء كذلك.
وقال الأعشى:
نساء بني شيبان يوم أوارةعلى النار إذ تجلى له فتياتها
كانوا يكرهون أن يعرضوا السبي نهاراً فيعرضونهن ليلاً وتوقد لذلك نار.
وقال أيضاً لمرأة:
أريت القوم نارك لم أغمضبواقصة ومشربنا زرود
فلم أرمو قدا منها ولكنلأية نظرة زهر الوقود
وإنما نظر إلى ناحيتها فخيلت له نارها مرفوعة توقد وهذا تظن منه ليس أنه رأى شيئاً بعينه أراد رؤية القلب.
وقال امرؤ القيس:
تنورتها من أذرعات وأهلهابيثرب أدنى دارها نظر عالي
تنورتها نظرت إلى نارها وهذا تحزن وتظنن منه ليس أنه رأى بعينه شيئاً إنما أراد رؤية القلب.
ومثله قول الآخر:
أليس بصيراً من رأى وهو قاعدبمكة أهل الشام يختبزوا
وقال الحارث بن حلزة:
وبعينيك أوقدت هند النارر أخيراً تلوي بها العلياء
يريد رأى عينيك أوقدت، أخبر أنه رأى نارها وكان آخر عهد منه بها أي بالنار تلوي بها العلياء أي ترفعها وتضيئها كما يلوي الرجل بثوبه إذا رفعه يلوح به للقوم، ويقال ألوت الناقة بذنبها إذا رفعته وأراد بالعلياء العالية وهي الحجاز وما يليه من بلاد قيس.
أوقدتها بين العقيق فشخصين بعود كما يلوح الضياء
شخصين شعبين لأكمة، بعود أراد اليلنجوج والشعراء تذكر ذلك وتكثر فيه وإنما هو لحبهم موقدي النار.
ومثله قول عدي بن زيد:
رب نار بت أرمقهاتقضم الهندي والغارا
يريد بالهندي اليلنجوج، والغار شجر طيب.
فتنورت نارها من بعيدبخزازي هيهات منك الصلاء
خزازي جبل.
قال الشماخ يصف امرأة:
وكانت إذا هبت على العرفج الصباينور بالغور التهامي مسيرها
العرفج إذا هبت عليه الريح فاحتك بعض عيدانه ببعض اشتعلت فيه النار يقول تسير في وقت هبوب الصبا فتضيء لها طريقها والغور ينبت العرفج، ويروي أيضاً:
وكانت إذا هبت على الحرجف الصباينور بالغور التهامي سريرها
يقول توقد اليلنجوج في الشتاء لتتخر به كما قال أبو دواد:
يكتبين الينجوج في كبة المشتى وبله أحلامهن وسام
يكتبين يفتعلن من الكباء أي يتبخرن، وكبة الشتاء شدته.
النص من طبعة دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد الدكن، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع